لقد نجح المتظاهرون في مدينة سياتل الامريكية في تغيير مسار المؤتمر العالمي لمنظمة التجارة العالمية على بساطة وسائلهم التي لم تتعد الاحتجاج والتظاهر والصراخ ورفع اللافتات. ولقد تعودت ادارة كلينتون تحقيق النجاحات التي تصبو اليها رغم الاصوات التي تعلو معارضة لمسعاها , وتلك بعض الخصائص العندية في شخص السيد (بيل) الا ان الذي حدث في سياتل هذه المرة اعاد التاريخ الى الوراء وفتح عيون العالم على افكار جديدة وان كانت قديمة للاسف. نجاح الامريكان ومنذ سقوط امبراطورية اليسار, ليس في السيطرة السياسية والاقتصادية على بقية العالم فقط, وانما في توجيه كل العالم في الاتجاه الواحد, فكل التجارة العالمية في نفس الاتجاه, وكل المال وكل الاحلام وكل الهجرة. فالمخطط الامريكي التجاري العالمي, اصطدم أول ما اصطدم بجدار الصين العظيم الذي رفض الانفتاح على أمريكا لا ديمقراطيا ولا تجاريا, ومع ذلك نجحت هذه المفاوضة الامريكية (الجميلة) والجديدة على ساحة الدبلوماسية الامريكية في ترويض هذا التنين الكبير وضمه الى حديقة اعضاء مجموعة منظمة التجارة العالمية, وهو نجاح رائع لهذه المرأة سيدعم حتما رصيدها السياسي في مستقبل سياسي افضل وأروع لها شخصيا. الا ان المرأة ذاتها ذات الجذور الاوروبية الشرقية لم تنجح بشكل كاف وهذا ليس لتقصير منها في ادارة الدفة لصالح امريكا في ندوة سياتل, وسياتل مناسبة تصادمت عندها المطامح والمصالح. فالعالم القائم اليوم على هذه الهوة الفظيعة بين الفقراء والاغنياء, وعلى هذا التوزيع غير العادل لثروات العالم ولمستويات المعيشة المضطربة جدا, كلها عوامل حصلت اسبابا سابقة لندوة سياتل, فالفشل كان متوقعا قبل الندوة بالنظر الى معطياتها, فمصالح الكبار متضاربة الى حد التناقض, فالجميع ليس على خط واحد, فالاتحاد الاوروبي وهو السوق التجاري الامريكي الاول قبل انفتاح الصين مستقبلا, وهو السوق التجاري الممول الاول لبقية العالم من دون امريكا, لأنه حين تتحول العلاقة الى امريكا واوروبا, تتحول اوروبا الى سوق, وحين تصبح العلاقة الى اوروبا يصير بقية العالم مستهلكا للانتاج الاوروبي. فأوروبا وفي المقدمة فرنسا لها رؤية مغايرة للطموح الامريكي الكبير والاحتوائي لباقي الاقتصاديات العالمية, والرؤية السياسية الفرنسية تتطابق مع الرؤية الاقتصادية اذ لا اختلاف بينهما. ففرنسا تريد ان تلعب دورا دبلوماسيا رائدا خار ج الهيمنة الامريكية, وكذلك الوضع على الجبهة الاقتصادية, هذه جبهة شكلت سببا قويا لفشل مفاوضات سياتل الامريكية, ثم سبب آخر لقد ادرك فقراء العالم ان استمرار الوضع على ما هو عليه الآن هو انتهاك سافر لمصالحهم ولوجودهم, وتهديد لكياناتهم كدولة قائمة على اسس هشة امام سيطرة المنتوج والتصور الاقتصادي الامريكي على بقية العالم. فدخلت جبهة ثانية على الخط في سياتل وهي بمعنى حظ الفقراء من هذا العالم الاكول ومفتوح الشهية الاقتصادية. لقدم قاوم فقراء ندوة سياتل بأصواتهم, ولكن صوت آخر يصرخ من خارج قاعة المؤتمر وهو صوت الأمريكيين الرافضين لسيطرة مفاهيم الليبرالية المتوحشة والمطالبين بحقوق اوسع وأكبر للعمال في عالم المال والاعمال ووحدهم هؤلاء فرضوا حالة الطوارىء في سياتل وأفشلوا المؤتمر وعززوا المطالب العادلة للدول الفقيرة وكانوا سببا لفشل دعوات كلينتون. فمرة أخرى نؤمن مجددا, ان ارادة الشعوب من ارادة الله. محمد خليفة