عنوان الاستراحة مستمد, كما قد لا يخفى على ذاكرتك الوجدانية, من عنوان أغنية محمد عبدالمطلب الفنان الشعبي المصري, التي وضع ألحانها الموسيقار محمود الشريف, وكان من أعلام هذا الفن الجميل في دنيا العرب, وكان ـ الشريف ـ موسيقيا خصب الموهبة ترفد ابداعه ذخيرة متألقة مثل فصوص الألماس من وعي التراث الموسيقي العربي ومن ثقافة الخلَد (بفتح اللام) الشعبي ومن الاحساس المرهف العميق بايقاع الشارع والحارة, الفريج والربع والزقاق, لا عجب ان فتحنا وجداننا ونحن افراخ زغب صغار على رجل الشارع في مصر يغني من الحان الشريف الرائقة السائغة الطلية, أغاني من قبيل يا ابوالعيون السود.. ياللي جمالك زين, بكرة الوداد يعود, وتشوف مناها العين.. فإذا ما بدأنا نخطو على مدارج الصبا تصل اسماعنا في شموخ وجلال انشودة (الله أكبر فوق كيد المعتدي) .. يا هذه الدنيا أطلي واسمعي.. جيش الأعادي جاء يبغي مصرعي, بالحق سوف أرده وبمدفعي قولوا معي.. الله أكبر ..إلخ وقد تردد صداها, ولعله لا يزال في كل شعاب الوطن العربي مشرقه ومغربه بمطلعها الموسيقي الجليل وكلماتها المفعمة بالايمان والعزيمة وهي من ابداع شاعر مصري لم ينل ما يستحقه من تكريم اسمه عبدالله شمس الدين عليه رحمة الله. (رمضان جانا.. قولوا معانا.. أهلا رمضان) يغنيها كما أسلفنا.. المطرب محمد عبدالمطلب.. وهو فنان حكايته حكايه, كما يقولون.. جاء من ريف مصر من اقليم البحيرة, ـ على ما أظن ـ غرب دلتا النيل, واحترف الغناء حيث بدأ منشدا أو مرددا (كورس) ضمن فرقة محمد عبدالوهاب قبل ان يصبح مطربا يشار له بكل بنان, وتستطيع ان تميز صوته العميق ضمن كورس عبدالوهاب وخاصة في ادواره الذهبية الباكرة مثل (أحب أشوفك كل يوم) أو (القلب ياما انتظر) أو (عشقت روحك) وكلها من أعمال التحدي الوهابي التي أبدعها, أعمالا كلاسيكية أو بالأدق نيوكلاسيكية مع مغيب عقد العشرينيات وفجر الثلاثينيات وكأنما كان يقول لطائفة المحافظين المتمسكين بأهداب القديم في تلك الأيام: ان موهبتي بالغة الثراء والتعدد.. وأنا أستطيع ان أقدم أعمالا تجري على نسق الادوار القديمة التي كانت يقدمها لكم مطربو العصر الماضي.. سلامة حجازي مثلا.. وبعد ان أبلى عبدالوهاب بلاءه الحسن في مضمار القديم انطلق من بعد إلى ساحات التجديد فقدم أعماله الشامخات التي انتقلت به الأذن العربية وتحولت به الذائقة العربية (والتعبير للدكتور جابر عصفور) بل تحول معه الوجدان العربي إلى آفاق رحبة كم كانت رحبة واعدة وجديدة في تلك الأيام.. حيث ابدع عبدالوهاب أعمالا مع عقد الاربعينيات كانت بمثابة هزة ان لم نقل صدمة فنية ايجابية في دنيا الفن العربي, جاء على رأسها كما هو معروف: الجندول والكرنك وكليوباترا وهمسة حائرة.. ومن بعدها وفي عقد الخمسينيات جاءت شوامخ أخرى على رأسها النهر الخالد, مسافر زاده الخيال, ودعاء الشرق يا سماء الشرق طوفي بالضياء التي يختمها الشاعر والموسيقي المطرب الفنان بأبيات تتضوع لا تزال بعبق الانتماء العروبي القومي حين يقول: نحن شعب عربي واحد ضمه في حومة البعث طريق الهدى والحق من أعلامه واباء الروح والعهد الوثيق وكم كانت تلك الأيام حافلة بطائف الحلم وبشريات الوعود. رمضان جانا وفرحنا به.. بعد غيابه.. أهلا رمضان.. هي النغمة المقررة على أسماعنا مع مقدم الشهر الجميل الكريم, ونحسب ان رمضان هو من المواسم التي اخضعها الاخوة الفاطميون لشطارتهم في الدعاية وفي كسب الناس وجذب قطاعات الرأي العام, لقد جاء الفاطميون من بلاد المغرب العربي إلى مصر, كما هو معروف ـ جاءوا وفي جعبتهم احلام سياسية ومخططات مذهبية ومشاريع لاستقرار وتجذير وتأصيل لأنفسهم وارومتهم وذريتهم من بعدهم فوق اريكة الحكم في مصر.. عندما قرأت تاريخ الدولة الفاطمية وأنا حدث صغير راعني خبر ذكره مؤرخو الفترة ويقول ان المعز لدين الله اول خلفاء الفاطميين جاء من مدينتهم القديمة في منطقة المغرب واسمها (المهدية) وقد حمل في قافلته ثروة الاسرة وامتعتها.. ولكنه حمل ضمن تلك الامتعة زادا من (عظام آبائه وبقايا اجساد اجداده التي نبشها ليأخذها معه على متن الموكب الذي دخل به الى مدينته الجديدة التي أمر وقتئذ ببنائها وخلعوا عليها يومئذ اسمها الذي مازال يرن في سمع الزمن وهو.. القاهرة.. وكان ذلك منذ الف وثلاثين سنة بالتمام من عمر هذا الزمن. شاءت دعاية الفاطميين ان تحول المصريين الى مذهبهم في العقيدة الدينية.. وعمدت هذه البروباجاندا الفاطمية, الى اتباع اساليب التشويق والتجميل والتزويق في سبيل هذه الغاية, وربما دارت يومها لعبة دهاء طريفة ومتبادلة بين الاعلام الفاطمي وبين الفهلوة المصرية التي اخذت عن اعلام الفاطميين الاشياء الظريفة التي يحلو بها وجه الحياة.. اخذت مثلا احتفالات وفاء النيل واثراء المطبخ المصري ـ القاهري بالذات بصنوف الطعام المبتكر اللذيذ وخاصة في مواسم عاشوراء و27 رجب (الاسراء والمعراج) ونصف شعبان الى ان تأتي النمرة الكبيرة او المناسبة الاجمل والاكبر في رمضان. ومن ثم توارثنا اصنافا مثل القطايف والكنافة وقمر الدين والزبيب والبالوظة (الفالوذج) واقامة الموالد والسهرات الرمضانية واحتفالات الفطور والسحور وكرنفالات العيد التي كان الخليفة يخرج فيها ملثما الى حيث واحد من قصوره قرب فم الخليج باتجاه جنوب القاهرة عند منطقة قصر العيني. واذ ينادي المنادي بأن آن الاوان كي يتجلى ولي النعم, ظل الله في الارض على رعاياه كي يرى وجهه الصبوح, كان الناس يتحلقون حول بركة شديدة الاتساع مملوءة بماء عذب نمير وقد ذوبوا فيها اطنانا من السكر كي يغترف الناس منه ويشربوا وينسجموا الى ان يجلس الخليفة في ايوان مفتوح.. ويكشف عن ملامحه وقد لا تكون سمحة وقد لا تكون صبوحة ولكن من ذا الذي يجرؤ على الاعتراض, المسألة كانت مثل الاخراج المسرحي وتنسيق المناظر ميزانسين كما يقول الفرنسيون.. ودهاقنة البروباجاندا جاهزون بالاغاني) والأناشيد وكدابو الزفة على اهبة الاستعداد بأغاني المناسبة وكل مناسبة.. وامام الناس بركة مترعة بالماء المحلى بالسكر ومن خلف الجميع ومن قدامهم عسس الخليفة وجلاوزته شاكي السلاح وفي ايديهم رماح مشرعات ولا مناص يومئذ ولا نجاة من ان تعب اقداح الماء المسكر وان تهتف ولو من طرف اللسان معبرا عن حسن طالعك ويوم سعودك اذ حقق الله الاماني ونعمت بالنظر الى طلعة ولي الامر خليفة الوقت صاحب مصر وما حولها وبالمناسبة هناك حارة صغيرة في شارع قصر العيني بالقاهرة وهو متفرع من ميدان التحرير اسمها حارة (منظرة السكرة) وربما كان كرنفال الماء بالسكر وجلوس الخليفة الفاطمي في موقع النظر ـ المنظرة ومنها كلمة المندرة وهي قاعة الجلوس الفسيحة في بيوت الارياف وهي ايضا اسم حي كان انيقا في زمان سلف من احياء ثغر الاسكندرية. وبالمناسبة ايضا.. لو امعنت في المسير في نفس الاتجاه بمقدار كيلو متر او اقل جنوبي القاهرة لصادفت حارة اخرى تحمل اسما طريفا هو (حارة السكر والليمون) ولسنا ندري هل رأى جهابذة البروباجاندا الفاطميون ايامها ان حكاية نافورة السكر وحدها لا تكفي فاضافوا اليها عصير الليمون.. لا عجب ان استمرأ المصريون الامر ونسوا حكاية التمذهب او التعصب لهذا او ذاك ورأوا ان الدين سماحة وسعة افق وتفاعل وتعايش ومحبة بين الناس على ارضية الايمان وراح الفاطميون وراحت ايامهم ولكن بقيت منهم فوانيس رمضان.. وكنافة رمضان وحلوى (ام علي) وقطايف رمضان. مع ذلك فلن اتركك قبل ان اروي لك حكاية اشار اليها عمنا الراحل يحيى حقي ـ هي حكاية السيدة التي ركبت الباص وسألها السائق اين سيكون نزولها فاجابت محطة الليمونادة يا ابني لو سمحت وكانت تقصد بالطبع عند حارة السكر والليمون.