من طبائع البشر أن تتغير أمزجتهم بتغير الاوقات, فأنت عندما تصحو من النوم تكون في مزاج غير ذلك الذي تكون فيه قبل أن تأوي إلى فراشك, يحدث ذلك على مدار اليوم وساعاته التي تنقلك من الصباح إلى الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى الليل الذي تنتهي به دورة اليوم لتعاود الكرة من جديد , هكذا تمضي بنا الحياة حتى نجد هذا المزاج يتغير بتبدل فصول العام فالربيع هو موسم تفتح الورود والانطلاق والبهجة, والخريف هو موسم سقوط أوراق الشجر وذلك الاحساس بالكآبة وانقباض النفس, والشتاء هو فصل العمل والنشاط وبذل الجهد والكد والتحصيل حتى إذا جاء الصيف كان فصل الاحساس بالتعب من العام كله وفصوله والميل إلى أخذ قسط من الراحة والتمتع بإجازة يتخلص بها الجسم من الارهاق البدني الذي لحق به جراء شهور من العمل المتواصل, وتتخلص بها النفس من الارهاق النفسي الذي لحق بها جراء ضغوط الحياة وهمومها التي لا تنتهي, ويتخلص بها العقل من الارهاق الذهني الذي لحق به جراء إعماله في التفكير والتخطيط والمتابعة. هكذا ينظر علماء النفس إلى تأثير الفصول على نفسيات البشر ويفسرون لنا تبدل أحوالها, أو هو مبلغ علمي المتواضع واطلاعي, ولا أدعي في ذلك اختصاصاً, غير أن ما يلفت الانتباه بالنسبة لنا نحن المسلمين هو ما يحدثه شهر رمضان المبارك في نفوسنا من انقلاب كبير وتبدل في المزاج وطبيعة التعامل مع شئون الحياة اليومية بغض النظر عن المناخ وحالة الطقس الذي يحل فيه صيفاً أتى أو شتاء أو ربيعاً أو خريفاً, فما أن يبدأ الشهر الكريم ومنذ اليوم الأول منه يشعر المسلم بأن فصلاً جديداً من فصول حياته قد بدأ وأن مزاجاً آخر قد سيطر على نفسه فبدل أحوالها ونقلها من نمط تقليدي اعتادته طيلة أيام العام إلى نمط آخر لسمو الروح فيه حظ أوفى ولرقة المشاعر فيه دور أكبر وللميل إلى الهدوء النفسي فيه نصيب أوفر. دعك من التوتر العصبي الذي يدعيه البعض بفعل تأثير الصيام, فمن يفعل ذلك قلة لا وزن لها بين جموع الصائمين الذين تكسوهم هذه العبادة رداءً من الوقار غير مصطنع, وتضفي على أرواحهم شفافية يفتقدها أغلبنا طيلة شهور السنة حيث تأخذ منا مشاغل الحياة الكثير, وتحجب عن أبصارنا وبصائرنا الكثير, وتسلبنا قسراً ـ وبارادتنا أحيانا ـ حقاً واجباً لنفوسنا وأرواحنا علينا, هو ذلك الحق الذي يعيده الشهر الكريم إلينا بفيض النور الذي يضىء به دواخلنا فينعكس على وجوهنا, وتترجمه جوارحنا أفعالاً وسلوكاً وبرنامج عمل يومي مختلفاً نكسر به ذلك النمط الرتيب الذي تجري عليه سفينة حياتنا طوال أشهر العام وأيامه ولياليه, على أننا ما أن نبدأ استعذاب هذا الشعور والتلذذ به والتآلف معه حتى نجد أيام الشهر الفضيل قد انقضت ولمّا ترتوِ نفوسنا من هذا المنهل العذب فيغادرنا أفضل الشهور وأكرمها وفي النفس شوق إلى تلك النفحات التي أسبغها عليها, وفي القلب حنين إلى معاودة اللقيا إن كان في العمر فسحة تسمح بذلك, ولهذا فلم يكن مستغرباً أن يعامل السابقون هذا الشهر الفضيل, معاملة الضيف بما للضيف من احترام وتقدير وتوقير وحق ضيافة, وأن يعدّوا لاستقباله بما يستحق من مراسم استقبال تليق به وبالمغزى العظيم من عبادة الصوم التي فرضت فيه, ولو أسعفتنا الذاكرة بالعودة إلى أيام الطفولة الاولى لتجلب لنا تلك الصورة البهيّة للاحتفاء بشهر الصيام في إطار من الاجلال والتوقير ساعدت على توفيره ظروف الحياة وطبيعة ذلك العهد من الزمن بما اتسمت به من قلة وسائل اللهو إن لم يكن انعدامها مقارنة بالحاضر, وعدم تلوث الحياة بنمط المباهج التي جلبتها لنا الوفرة المادية وانفتاح البلاد على قارات العالم الخمس أرضاً وسماء, هذه الصورة القريبة تتشابه معها في المعالم صورة أخرى بعيدة لا يمكن رؤيتها إلا من خلال كتب التاريخ التي تروي لنا كيفية استقبال الشهر الكريم والاحتفاء بأيامه ولياليه, تلكم الصورتان تتنافر معهما تماما هذه الصورة التي نراها اليوم ونعيش تفاصيل اجزائها الدقيقة دون أن نبدي ذرة استنكار للشكل الذي يتم به استقبال الشهر الكريم والكيفية التي يتم بها احياء لياليه والتي تعبر في الواقع عن ذبح المعاني السامية التي فرض الصيام من اجلها وجاء شهر الخيرات لترسيخها في وجداننا كي يزيل عن نفوسنا ما علق بها ويخلصها مما لحق بها من شوائب في غفلة منا وقد شغلتنا هموم الكسب ومشاغل الدنيا فانسقنا لفتنة المال والبنين دون أن نلقي بالاً للباقيات الصالحات, وإلا فبماذا يمكن ان نفسر استعدادنا لاستقبال الشهر بنصب خيام السهر وتجهيزها ببرامج اللهو والتسلية ولوازم (الشيشة) التي تتصدر الطاولات ويتنقل صبيانها حاملين نيران (تعميرها) يوزعون جمراتها ذات اليمين وذات الشمال كي تظل متقدة تحرق الصدور وتشوه معالم الصورة الجميلة التي رسمها السابقون لليالي الشهر الفضيل, ناهيك عن ذلك السباق المحموم بين محطات التلفزيون للفوز بالمشاهدين واستقطابهم من شتى أنحاء المعمورة بعد أن اصبح الفضاء وسيلة انتقال سهلة إلى اقصى نقطة على خريطة الكرة الارضية, وليت ان ذلك يتم عن طريق تقديم المفيد والمسلي لهم دون اسفاف أو مساس بحرمة الشهر الكريم ووقاره, اذن لكان الامر مقبولا, فالمثير للدهشة والباعث على الحيرة أن برامج الرقص والمجون لا تجد لها رواجا كهذا الرواج الذي تجده في رمضان دونا عن بقية شهور العام التي يظل المترقبون لها من المشاهدين يتابعون اخبار الفنانة التي ستفوز بقصب السبق ويتم اختيارها لبطولة (الفوازير) والمخرج الذي سيكون له شرف اخراجها والمحطة التي ستسبق المحطات الاخرى بعرض حلقاتها, ويبقى بعد ذلك ان الخاسر الاكبر في هذا السباق المحموم للاحتفاء بالشهر الكريم على هذا النحو هو من يتصور ان شهر رمضان ليس سوى خيمة وشيشة ومسلسل وبرنامج مسابقات ولقاء على الهواء مباشرة مع فنان أو فنانة يعتقد من ينجح في الاتصال بهما عبر الهاتف أنه قد جمع المجد من اطرافه وفتحت له طاقة القدر ونال شرفا عظيما لا يطاوله ولا يدانيه شرف آخر. لا أقول هذا تقليلاً من مكانة الفنانين أو الفن ودورهما في حياة الشعوب, ولكن للفن رسالة عظيمة تتجاوز مفهوم الترفيه لمجرد الترفيه وتسلية صيام المشاهد برقصة ماجنة ومسابقة لا تقدم معلومة ذات قيمة ومواقف فكاهية مصطنعة أساس فكرتها التقليد المبالغ فيه لرسم الشخصية المقلدة لا لغرض سوى انتزاع الضحكة من المشاهد, فتكون النتيجة هذا الهدر الكبير في وقت الناس وهذا الافساد لاذواقهم في حين يفترض ان تكون اولى غايات الفن واهدافه هي الارتقاء بذوق الناس والنأي به عن الاسفاف والغث من البرامج والمسلسلات. أتساءل ان كان لابد ان يرتبط رمضان ببرامج التلفزيون وقد اصبح من وسائل العصر التي لا مجال للفكاك منها: أين هي تلك الاعمال الدرامية الكبيرة التي قدمت لنا تاريخنا العظيم وسير قادتنا وعلمائنا وأدبائنا وشعرائنا الافذاذ في قالب راق فأقبل الناس على مشاهدتها ولم ينفروا منها كما يدّعي أو يتصور البعض؟ بل إن بعضهم شاهدها اكثر من مرة عندما كان التلفزيون يعيد عرضها. قبل عشرين عاما تقريبا الف احد الاذاعيين العرب الروّاد كتاباً سمّاه (الناس على دين إذاعاتهم) كان ذلك قبل انتشار المحطات الفضائية, أما اليوم فربما كنا بحاجة إلى من يؤلف لنا كتابا يسميه (الناس على دين فضائياتهم) . وكل عام وأنتم بخير.