هل يعقل ان يعشق انسان حيوانا, جملا مثلا, ويكون هذا الحيوان قريبا منه, درجة ان يكون اغلى من زوجته, من ولده, من حياته!قد يحدث ذلك!من فوائد السفر, انك تجد وقتا للقراءة, رحلة الطائرة يحسبها البعض الكثير من اصعب متطلبات السفر, في هذه الرحلة تتجمع مشاعر الخوف من وعثاء السفر, وتعب التحليق لساعات , يكون فيها الجسد اقرب الى السماء, والى المجهول, منه الى سكون الارض. في المقعد الضيق يكون الملل الجسماني من طول الرحلة, وفقدان الشهية للأكل او الكلام, او اي شيء آخر. لهذا قد يكون الكتاب خير صاحب في مثل هذا الظرف. بحثت عن كتاب احمله في رحلة لا يتعدى زمنها سبع ساعات متواصلة. كتب عديدة تمنيت حملها, املي ان اقرأها سريعا وبعمق, لكن اين البال, واين الوقت في هذا الزمن العجول. وجدت كتابا وحيدا يحمل مقاس حجم الجيب, وهو الذي يصلح لرحلات السفر. لم اتشجع لحمله, فهو اعارة من صديق بحريني, كثيرا ما يمدح ويغرق في الوصف والثناء على اشياء لا تستحق ذلك. وايضا لأن الكتاب قديم, فهو صادر قبل عشر سنوات, ومؤلف الرواية لم اقرأ له من قبل ـ وهذه طبعا مشكلتي وليست مشكلة المؤلف ـ حجمه الصغير هو الامر الوحيد الذي شجعني على اصطحابه. ارتفعت الطائرة عن الارض, استقرت في الفضاء, وانطفأت اشارة الزامية ربط الحزام, اخرجت الرواية وبدأت اقرأ قصة الرجل الذي تلقى هدية من زعيم قبائل (آهجار) وهي قبائل عريقة كما عرفها المؤلف تستوطن جنوب شرق الجزائر. الهدية كانت عبارة عن جمل من خيار الابل العربية, يميزه عن نوق الصحراء لونه الابلق. فرحته بالمهري الابلق جعلته يسير مختالا يفاخر اقرانه ويحدث نفسه بأوصاف المهري التي رسمها في خياله. ذهب يبحث عن قصيدة غزل للابلق عند شاعرة معروفة, مثلما يحدث للفرسان, من وصف الشعراء لهم ولمفاخرهم. الشاعرة اخبرته ان قصائد المدح لها شروط, فالابلق لم يذع صيته في معركة, ولم يشتهر في حفلات الرقص. عاد صاحب الجمل, واخذ يدربه ويعده لحلبة الرقص, احسن تدريبه, وبالغ في تزيينه. لكن الابلق خذل صاحبه (اوخيد) عندما تجمعت النسوة وبدأ استعراض الفرسان. هاج وأحدث فوضى في ساحة الرقص, اخذ يرغي ويتحرك بوحشية, فحاصروه, والقوا به هو وفارسه على الارض. وتحولت قصيدة المديح التي كان يبحث عنها للمهري الى هجاء وسخرية. مواقف اخرى عديدة اشعرت اوخيد انه متورط فيها بسبب الابلق, رغم ذلك ظلت معزة المهري كبيرة في قلب صاحبه. جاء وقت الامتحان, عندما اصيب الابلق بالجرب, وحكم حكماء القبيلة ان الامل ضعيف في شفائه, ولابد من موته او قتله لعلته وراحته. رفض حكمهم, وتاه في الصحراء كالمجنون, مع جمله يتألم لوجعه, يبحث عن بارقة امل تشفي الابلق. وجدها في وصفة الشيخ موسى, الذي قال له ان شفاء جملك في (آسيار) وهو نبات اسطوري, ويوصف بأنه دواء سحري لكل الامراض المعروفة في العالم القديم. ودله على السهول التي ينبت فيها هذا النبات انها في (قرعات ميمون) وفي موسم الربيع, لكن آسيار معروف عند العجائز انه مرادف للجن والجنون, فما فائدة ان تشفى من الداء وتفقد عقلك؟ بحث عن وصفات اخرى للعلاج, فلم يجد املا الا في وصفه الشيخ موسى. تبدأ خيوط الحبكة, والابداع الوصفي عند الكاتب, في رحلة الجنون هذه, كيف يتغلب حب الابلق على مشاعر الخوف في نفس اوخيد. كيف تصبح حياة الجمل اغلى من حياة الانسان. يموت البطل مرات ومرات في وادي قرعات مع نبتة الجن, ومفعولها في جمله الموجوع, لحظة ان قطع المهري جسمه المنهك, حطم قيده وركبه الجن, واخذ يهرب في الفلوات, واوخيد ممسك به, تقطعت يداه, تقطع جسمه هو الاخر, غاب عن الوعي, لكن يده ظلت ممسكة بذيل الجمل المجنون. هدأ المهري بعد العذاب والتعب. بدأت رحلة اخرى مع العطش هذه المرة, حتى عندما وجد البئر, لم يجد الدلو, كيف رمى بنفسه في الماء, وكيف انقذه الابلق. مرحلة جديدة من حياة اوخيد, تبدأ بعد رحلة الجنون والموت وشفاء الابلق. فكر في الزواج, تزوج من امرأة غريبة عن القبيلة, رفض والده هذا العرس, لم يرض عليه, ودعا دعوته التي تحققت فيما بعد (لابارك الله لك فيها) . حرمه من الزعامة, ومن الميراث. تبرأ منه. انفصل اوخيد وزوجته والابلق عن القبيلة, وصادف ان بدأت معارك في الصحراء, والده كان احد الشهداء. انكسرت مقاومة الغزاة للطليان, وبدأ الحصار, وحلت المجاعة والقحط في المنطقة. اوخيد الضائع الذي فارق اهله وقبيلته اصابه الجوع, وحدث ان حل عليه ضيف, ذكر له انه قريب زوجته, جاء في قافلة محملة بالذهب والعاج. هذا الضيف الغامض سيغير مجرى حياة اوخيد في المستقبل. جالس صاحب الابلق ضيفه, وطبيعي ان يزهو امامه بجمله الفريد, اخبره عن صفاته ومدى تعلقه به. الضيف اكرم الذين اكرموه, وترك لهم بعض الخير, ووصف لهم المكان الذي يسكنه اذا احتاجوا له, ورحل عنهم. انتهى الزاد واشتد الجوع, ولم يعد اوخيد يملك في داره ما يصبر زوجته وطفلة الصغير, وبدأت الزوجة تشتكي, ويعلو صوتها بالحاجة, واخذت ترسل اشاراتها: عندك مثل الابلق ونجوع. ثارت رغبتها القديمة ان تتخلص من هذا الحيوان الذي يقاسمها مشاعر زوجها. بحث عن حلول, ذهب للذين يعرفهم, لم يجد سوى الجوع والسكوت والاعتذار عن الجميع. لكنه لم يتقبل فكرة زوجته ابدا. الزوجة حولت حياته الى جحيم, حاول ان يقتل الابلق, يقتل نفسه, لكنه فشل. وبدأ يفكر بعقله هذه المرة. يرهن الابلق حتى تفرج, وتذكر الضيف الثري, ارسل له رسولا بذلك, ووافق الاخر من غير تردد على صفقة المبادلة. سكت لسان زوجته, لكن قلبه ظل مشغولا بالابلق. لم يدم حال الفراق بينهما طويلا, فالمهري حطم قيده, وهرب عائدا. فرح عندما شاهده. عانقه, وبكى معه طويلا. الحارس عرف ان الابلق سيعود لراعيه, فجاء خلفه, اخذه بقوة, واعاده للحظيرة, لكن الابلق كررها مرات. ايقن اوخيد ان الموت هو العامل الوحيد الذي يملك ان يفرقهما, قرر ان يستعيده مهما كلفه الامر. وكان الامر هو ان يطلق زوجته ويترك ولده. ويرحل مع جمله, ليعيشا وحيدين في الصحراء, بحب وطمأنينة وسعادة. هنا قمة الاثارة في الرواية, ان يتخلى عن زوجته وولده من اجل جمل, لذلك الضيف الذي ادعى انه ابن عم الزوجة, وان الظروف حرمته منها, وانه عاد بالذهب من اجل ان يستعيدها. طبعا لا تنتهي الرواية عند هذا الفاصل, ففي فصولها حالات انتقام وقتل, فأوخيد يثأر لسمعته ويقتل العريس المنتظر ويطارده الجميع. في آخر الرواية يخرج البطل من مخبئه في المغارة, لسبب وحيد هو انه سمع رغاء الابلق, وهم يضربونه, وشم رائحة الشياط وهم يحرقون جسده, فتقطع قلبه, وخرج. خرج ليموت هو ويرحم جمله من العذاب والموت! هذه (التبر) رواية لابراهيم الكوني, عمل غير عادي يصور علاقة صداقة وحب عميقة بين انسان وجمل, شغلتني وامتعتني كثيرا, لم اشعر معها بطول الرحلة, مر الوقت سريعا, وجعلني الكاتب في عالم الرواية, كأنني اعيش احداثها مع ابطالها. عندما انهيت الرواية, وجدتني امام سؤال: هل يمكن ان يحدث ذلك فعلا؟ نعم قد يحدث ذلك! هناك حالات تحدث في المجتمعات البدوية, ان يتعلق فيها الفرد بجمله, وقد يتساوى فيها هذا الحيوان مع مكانة الابن في نفس صاحبه. في الواقع حالات تشابه علاقة أوخيد بالابلق. سعيد حمدان