رغم الوهن الذي دب, والضعف الذي سرى خلال الأعوام الأخيرة إلا أن حرصه على هذا الموعد لا يعادله حرص آخر, في السادسة وعشر دقائق تماما يصل إلى العوامة النيلية, نتبادل العناق والمودة, يجلس, يعرف النادل عاداته. نطلب فنجان القهوة السادة وكوب الماء, يرشف ثلاث رشفات. ونساعده في اخراج السيجارة من العلبة واشعالها , إنها إحدى ثلاث سجائر لا يزيد عليها واحدة مهما كانت الأسباب, نبدأ برواية الأخبار التي جدت خلال الأسبوع, وأهم الأحداث, لابد من الزعيق فالأذن اليمنى لم يعد يسمع من خلالها, وباليسرى بقايا حاسة سمع. لا أكف عن تأمله, طريقته في الحديث, التجاعيد المحيطة بعينيه, صمته ثم نطقه بقفشة تثير ضحك الحاضرين, حضوره يثير عندي كافة ما أمن إليه من عناصر, خاصة القاهرة القديمة. دائما أنظر إليه فأتذكر أقدم صور عمري, أعتق لحظاتي تمتد إلى العام الثاني تقريبا, تقترن بالقاهرة القديمة حيث كانت الأسرة تسكن الطابق الأخير من بناء شيد في القرن التاسع عشر, كان السطح يواجه الأفق المفتوح.. هكذا تعمر ذاكرتي بالمآذن النحيلة, بالقباب, بمداخل البيوت القديمة, بالزخارف المنقوشة على الواجهات. النوافذ الخشبية, المشربيات, نواصي الطرقات. والحارات. المنحنيات المفاجئة ونقاط تلاقي الشوارع والدروب . للظلال هنا معنى , ولحركتها عبر ساعات النهار المختلفة. وللمكان حالات, كل حالة مصاحبة لساعة معينة, شارع المعز لدين الله (بين القصرين) في مطلع النهار غيره في نهايته. ويوم الأحد يبدو في صورة مختلفة عن يوم السبت أو الاثنين. اشد لحظاته حزنا تلك التي تلي مغيب الشمس خاصة أيام العطلات. هنا توزعت أيامي. وارتبطت لحظاتي بأنغام الموسيقى التي كنت أصغي إليها عند عبوري تلك النواصي, وأمام المباني القديمة, بعضها عمره أكثر من ألف سنة مثل مسجد الحاكم بأمر الله الذي شيد عقب تأسيس القاهرة بفترة قصيرة. عندما بلغت الرابعة عشرة بدأت أبحث عن اللحظات الماضية من عمر تلك المنطقة أصول أسماء الشوارع والحارات في الكتب. في مصادر التاريخ, في الروايات المتناقلة شفاهيا بين الناس, ما من بناء قديم في القاهرة إلا وتروى حوله الحكايات والأساطير, خاصة إذا كان مهجورا, غير مسكون بالناس, أما أضرحة الأولياء والقديسين فمدخل إلى عالم غني تمتزج فيه الحقيقة التاريخية بالخرافة, بالمعجزة, بالتوق إلى عالم عادل خال من الظلم والمرض والفقر. في هذه المرحلة, وقع بصري على رواية عنوانها (خان الخليلي) لمؤلفها نجيب محفوظ. قرأتها بدافع الفضول. فقد كانت تحمل عنوان منطقة أمر بها يوميا بعد خروجي من المدرسة. ولم يختلف مذاق ظلالها وحضور فراغها عندي حتى الآن. متاجر المتحف. السجاد القديم الذي أمضيت في دراسة طرزه ست سنوات فيما بعد. أواني الخزف, الساعات القديمة, المقاهي, الشخصيات الهائمة حول ضريح الإمام الحسين. حفيد الرسول الكريم, الذي استشهد من أجل المبدأ والحق. يجله المصريون. ويقدسونه. ولابد أنهم أنزلوه مكانة الإله الفرعوني القديم أوزيريس. والمسيح, وكلاهما شهيد. أما مسجده فيعد المركز الروحي, ليس للقاهرة فحسب. إنما لمصر كلها, ويطالعنا ذكره في روايات محفوظ, كما أنه موجود في كل ما كتبت. ويحتل المكانة الرئيسية في روايتي (كتاب التجليات) . الحسين كإنسان. وقديس. ومكان. له منزلة خاصة عند محفوظ, تماما مثل كل المصريين. وكثيرا ما سمعت من محفوظ عبارات تعني استكانته وحبه للمكان. بالتحديد, الحسنين, الاسم يعني عنده. عندنا تلك المنطقة العتيقة السابحة في الزمن والبخور والذكريات, بعد أن بدأ يتماثل للشفاء أثر محاولة اغتياله في أكتوبر العام 1994 حرص على أن يزور المنطقة, ولن أنسى أبدا ترقرق وجهه. وتأثر ملامحه عندما نزلنا إلى الميدان الرحب, الجميل, واتجهنا إلى ميدان بيت القاضي. حيث كان بيت أسرته الذي ولد به, والذي نقرأ وصفه في الثلاثية, وفي (حكايات حارتنا) . هنا عاش محفوظ اثنى عشر عاما من عمره. منذ أن ولد في سنة 1911 يقع مكان بيته على بعد مئتي متر من البيت الذي أقمت فيه مع أسرتي لمدة ستة وعشرين عاما, في شارع قصر الشوق الذي يحمله الجزء الثاني من ثلاثيته المشهورة. عام تسعة وخمسين.. يوم جمعة. ميدان الأوبرا, في القاهرة التي بنيت وخططت في القرن التاسع عشر على الطراز الأوروبي. رأيت نجيب محفوظ قادما من ميدان العتبة, لا أدري كيف تعرفت إلى ملامحه, لابد أنني شاهدت صورته من قبل. تقدمت منه. صافحته, كان في الثامنة والأربعين, دعاني إلى ندوته الأسبوعية التي كانت تعقد بمقهى الأوبرا منذ منتصف الأربعينيات, بالتحديد منذ العام الذي ولدت فيه. تنقلنا في مقاهي القاهرة عبر ست وثلاثين سنة من الصلة الحميمية. في منتصف الستينيات دعاني إلى مقهى عرابي بالعباسية, وكان ذلك يعني نقلة نوعية في العلاقة, فإذا كانت مقاهي وسط المدينة يلتقي فيها بأصحابه من الأدباء ومريديه. فإن مقهى عرابي. الذي كان يقصده كل مساء خميس, كان مخصصا للقاء أصدقاء طفولته, الذين زاملوه في الدراسة والسكنى بالعباسية. بالطبع كانت العلاقة مختلفة, معهم كان يبدو أكثر بساطة ومرحا. لقد توقف عن الذهاب إلى هذا المقهى القديم في منتصف السبعينيات, في نفس الوقت كان زملاء الطفولة قد بدأوا الرحيل عن الدنيا, والآن لم يتبق منهم إلا واحد فقط. طبيب كبير لكنه لا يلتقي بمحفوظ على الإطلاق, أحيانا يتحدثان في الهاتف. لم تكن المقاهي أماكن لمقابلة الأصدقاء. إنما أماكن للتأمل. ورؤية البشر, و التأمل, وترتيب الأفكار. والمقهى القاهري عالم له خصائصه وشخصياته, ويلعب دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, ويحتل مكانة هامة في الأدب المصري, خاصة أعمال محفوظ, التي تعتبر مرجعا دقيقا لعالم المقاهي, ولتاريخها, إنه يذكرها بأسمائها الحقيقية, وبعضها لم يعد له وجود, زال مع الزمن, مثل مقهى (عرابي) . ومقهى(قشتمر) الذي يعتبر المكان الرئيسي لإحدى رواياته التي تحمل نفس الاسم. دائما يعبر عن التغير, عن الأثر الذي يحدثه الزمن في البشر من خلال المكان. لم يفارق محفوظ القاهرة إلا نادرا, وهو ينزعج جدا من السفر. لم يرحل إلى الخارج إلا مضطرا. ثلاث مرات خرج من مصر, الأولى في مهمة رسمية إلى يوغسلافيا. والثانية ضمن وفد صحفي وأدبي إلى اليمن للكتابة عن القوات المسلحة المصرية التي تدخلت لمساندة الثورة في بداية الستينيات. أما المرة الثالثة فإلى لندن عام واحد وتسعين لإجراء عملية جراحية في القلب. ومكث في المستشفى حوالي شهر ونصف الشهر. ظهرت فكرة سفره إلى الخارج لاستكمال علاجه, لكنه رفض بشدة. وكان يبدو عصبيا جدا إذا لمحت زوجته إلى إمكانية استكمال العلاج في الخارج. كان في المستشفى يحن إلى الخلاء القاهري. إلى المنطقة القديمة. وعندما سمح الأطباء بالخروج وبالطبع تحت حراسة مشددة فمازال الخطر قائما. اتجهنا إلى الأهرام, كان يوما شتويا مشمسا. بدا مرحا. واستعاد قدرته على المزاح, ثم ذهبنا إلى القاهرة القديمة. كانت جولة سريعة على أقدامنا ولكنها مفعمة بالحنين. رغم أنه لا يحب السفر, إلا أنه يحرص على الرحيل إلى الإسكندرية صيفا, إنها المدينة الوحيدة التي تزاحم القاهرة عنده. يمضي فيها إجازة الصيف, ومنذ سنوات اعتاد أن يقضي أسبوعا في القاهرة. وأسبوعا في الإسكندرية, مكانه المفضل في الصباح المشي على الشاطىء الطويل. وبعد الظهر الجلوس إلى المقاهي المطلة على البحر, لقد أزيل المقهى القديم الذي اعتاد الجلوس فيه بصحبة توفيق الحكيم. واختفت معالم كثيرة اعتاد أن يألفها منذ عشرينيات هذا القرن ولكن البحر باق. والمدينة تمتد بمحاذاته شمالا وجنوبا, والإسكندرية حضور قوي, يحتويها فراغ شفاف لم أعرف له مثيلا في سائر مدن البحر الأبيض, يمكن القول ان بيروت وأثينا وتونس والجزائر وطنجة ومرسيليا, تلك مدن زرتها ورأيت البحر الأبيض من خلالها, يمكن القول أن بكل منها عنصراً يذكرنا بالإسكندرية. ولكن الإسكندرية تذكرنا بكل هذه المدن, تحتويها جميعا. وما من مكان عندي يثير إحساسي بالبحر مثل الميناء الشرقي الذي يقوم فوق أطلال المدينة التي بناها الإسكندر الأكبر, والتي ترقد أطلالها, تحت تلك الأمواج. هنا ترسو مراكب الصيادين بألوانها الزاهية وتقلع إلى عرض البحر . . تذهب فجرا, وتعود عصرا, وتتراص المباني السكندرية التي يرجع تاريخ معظمها إلى القرن التاسع عشر, مزيج من العمارة الأوروبية والعربية, تقف متجاورة في مواجهة الأفق هنا حافة الشاطىء المصري عند تلك النقطة. بعدها يبدأ البحر. وفي إحدى اللحظات صاح محفوظ بنشوة.. (إسكندرية يا قطر الندى..) أمضيت من عمري حوالي ثلاثين عاما في الجمالية, في إحدى حاراتها العتيقة. لم أكتف بمتابعة الحياة في الوقت الراهن, إنما سعيت إلى تتبع ما جرى في الأزمنة السحيقة في العصور المنقضية, وأي مكان في رأيي يكتسب عتاقة ومهابة من توالي الأحداث التي يصيغها الإنسان عليه. فنية كانت أو سياسية أو اقتصادية, من هنا مصدر ذلك الإحساس بالتاريخ في حواري القاهرة, لكم توقفت أمام مبنى معين, أتساءل: كم من الأبصار وقعت عليه, وكم مروا من أمامه, وإلى متى سيقوم؟ ومن سيعبرون في المستقبل أو يتأملون واجهته أو يقيمون به؟ المكان في القاهرة القديمة محرض على دخول التاريخ. على الترحال عبر الزمن, وهذا ما أحاول أن أقوم به, لقد أحدث المكان تأثيره القوي في روح محفوظ, خاصة الحارة, كثيرون من أصدقائي الأجانب وحتى بعض المصريين ينبهرون عندما أصحبهم إلى (زقاق المدق) يتساءلون بدهشة: هل استوحى محفوظ هذه الرواية الجميلة الزاخرة بالحياة من تلك الحارة الصغيرة التي لا يتجاوز عرضها أربعة أمتار وطولها ستة أمتار؟ نعم, لقد نفذ محفوظ إلى جوهر المكان من خلال البشر الذين عاشوا فيه, الحارة التي عاشها نجيب محفوظ في عشرينيات هذا القرن, تختلف عن الحارة التي عشتها حتى منتصف السبعينيات. كانت القاهرة القديمة في زمن محفوظ الأول مركزا لسكنى الطبقة المتوسطة والتجار الكبار, وكبار الموظفين, وكانت الحارة ذات مضمون اجتماعي فريد, في الحارة الواحدة نجد قصر الباشا الثري, الذي تحيط به حديقة غناء. وإلى جواره نجد بيتا من عدة طوابق يسكن فيه صغار الموظفين, والحرفيين, وبيت أفقر يسكنه الشحاذون والأسر الفقيرة جدا. في حارة درب الطبلاوي التي كنت أسكن فيها نجد قصر المسافر خانة الذي بناه كبير تجار القاهرة في القرن السابع عشر, ثم اتخذه محمد علي باشا قصرا لكبار ضيوف الدولة, من هنا يعرف باسم المسافر خانة أي مكان المسافرين, وإلى جواره مباشرة نجد بيوتا فقيرة. وعلى مدخل الحارة تكية للدراويش. اندثرت بقية البيوت الجميلة, الفسيحة التي كانت تحيطها الحدائق ولم يتبق منها إلا عدد محدود جدا اشهرها (بيت السحيمي) في حارة الدرب الأصغر, ومنذ الثلاثينيات بدأت العائلات الكبيرة والمتوسطة في النزوح للسكنى في مناطق القاهرة الحديثة, مثل العباسية والدقي, والحلمية الجديدة, ومنها عائلة نجيب محفوظ نفسها التي انتقلت إلى العباسية, ولكن محفوظ انتقل إلى المنطقة شابا, ومن خلال أصدقاءه الذين بقوا عايش المكان, واكتشفه أدبيا, وإنسانيا, كان يمكن لزقاق المدق, وقصر الشوق, وبين القصرين, والسكرية, أن تظل أماكن مجهولة في ثنايا المدينة القديمة ومن أسرارها, لولا أعمال محفوظ الأدبية. في رواياته نجد الحارة على مستويين, الأول واقعي. والثاني رمزي. الأول يصور الحياة كما هي, حيث نلتقي بمكان محدد الملامح. والسمات. تضاريس الواقع مطابقة للمكان في الروايات الأولى, حتى يمكن اعتبار روايات مثل خان الخليلي والثلاثية وزقاق المدق مراجع أمينة لتاريخ المكان حتى منتصف القرن الحالي. ولكن بدءا من (أولاد حارتنا 1954) يبدأ محفوظ في التعبير عن المكان بشكل مختلف, رمزي. أن عناصر الحارة موجودة القبو, التكية, المقهى, الفرن, البيوت المثقلة بالأسرار, ولكن أعيد توظيفها ضمن عالم مستقل, هو الواقع وليس هو في الوقت نفسه. هذا ما نجده في (الحرافيش) في (ليالي ألف وليلة) . في (أصداء السيرة الذاتية) . لقد أصبحت الحارة القاهرية المهملة, المنسية, عند محفوظ رمزا للعالم, وما يجري فيه. رغم تغير المضمون الاجتماعي للحارة المصرية. فالحارة التي نشأت فيها كان قد هجرها الأثرياء, وتحولت القصور القديمة والبيوت العتيقة الجميلة إلى أطلال أو آثار غير مسكونة, إلا أن عتاقة المكان لا تزال قوية, ولا تزال أشعة الشمس تخترق النوافذ المغطاة بالزجاج الملون المعشق بالجبس في جدران المساجد الكبرى التي تضم بين جدرانها أضرحة هائلة لسلاطين حكموا ولا يقدسهم الناس, أو أضرحة متواضعة لأولياء الله الصالحين. لم يكونوا يوما من ذوي السلطان أو أصحاب الجاه, ولكن الشعب يقدس ذكراهم ويحتفي بها, أما أجمل ما تلتقي به في حواري القاهرة القديمة, فهم البشر, الذين أضفوا على المكان إنسانية مرهفة, وأصالة تقوم في العلاقات اليومية بينهم, والتي عبر عنها محفوظ بصدق وحب كبيرين, وبالتأكيد, فإنني أصبح أكثر تفاؤلا وابتهاجا, عندما أمضي إلى تلك الحواري العتيقة, حيث يتوحد المكان بالزمان القديم والحاضر والآتي, وأصغى إلى تحية أول النهار من أحد جيراني القدامى.. صباح الورد, صباحنا فل.