من أمتع الفصول التي قرأتها في مذكرات هدى شعراوي (1879 ـ 1947) حديثها عن دور المرأة في ثورة 1919, وقيامها وزميلات لها بعبء تنظيم مظاهرة الاحتجاج النسائي الأولى ضد الاحتلال البريطاني في تاريخ مصر الحديثة. والواقع ان هذه المظاهرة لم تكن احتجاجا سياسيا فحسب ضد الاحتلال البريطاني الذي سجن ونفى زعماء ثورة 1919 المطالبين بالاستقلال والجلاء, وانما كانت احتجاجا اجتماعيا بالقدر نفسه ضد التقاليد الجامدة التي عملت على تقييد المرأة, والغاء حضورها الفاعل في المجتمع, وتحويلها الى كم مهمل يعاني من التخلف والجمود, ولذلك فإن صورة مظاهرة النساء التي تصدرتها هدى شعراوي, غير عابئة بالخطر أو رصاصات جنود الاحتلال الذين طاردوا النساء المتظاهرات, هي صورة تمرد سياسي واجتماعي وفكري, تمرد أدى الى خلع الحجاب الفكري عن عقول النساء الثائرات, والنقاب الاجتماعي عن سجينات التقاليد البالية, والخمار السياسي عن الوعي المتفجر للمطالبات بحرية الوطن ومواطنيه رجالا ونساء. وتقول هدى شعراوي انها وجماعتها النسائية بدأن حركتهن السياسية الفعلية بالمظاهرة التي قمن بها صباح العشرين من مارس سنة 1919, وكان ذلك بعد ان اطلق الانجليز رصاصهم على المتظاهرين اثر نفي سعد زغلول ورفاقه الى مالطة. وكانت هذه المظاهرة النسائية احتجاجاً على تصرفات القوة الغاشمة التي أزهقت الارواح البريئة التي لم تجن شيئا سوى المطالبة السلمية باستقلال البلاد, ورفع الاحكام العرفية عن كاهلها. والمناداة بإعادة سعد من منفاه. وقد حاول جنود الاحتلال قمع بركان الغضب الذي اخذ يتفجر في النفوس حالمين بامكان الانتصار على ارادة الجماهير, لكنهم فشلوا في ذلك فشلا ذريعا, وعمت الثورة كل مكان, وامتدت من الرجال الى النساء لتكون المظاهرة السياسية الاولى للمرأة في التاريخ العربي الحديث. وتروي هدى شعراوي انها كانت قد وجهت خطابا الى الليدي برونيت ـ زوجة المعتمد البريطاني ـ عقب أول مظاهرة حدث فيها إطلاق الرصاص على المصريين, واظهرت في هذا الخطاب أسفها على ما وقع من الضباط الانجليز لابنائنا. وقد اطلع زوجها على الخطاب الذي يموج بالسخط على الأفعال اللا إنسانية لقوات الاحتلال, وطلب منها ألا ترسله إلا بعد أن يعرضه على لجنة الوفد, مخافة ان تكون قد تعدت بجرأتها حدود القانون. ويعجب سكرتير الوفد بالخطاب الذي يكون اول احتجاج تكتبه هدى شعراوي في بدء الثورة الوطنية. واخذت هدى شعراوي وزميلاتها يستعددن للمظاهرة بعد هذا الخطاب, ويؤكدن ضرورة خروج كل سيدات مصر للاحتجاج على اعمال الشدة والارهاب التي كانت تصدر عن السلطة العسكرية الانجليزية. وكانت هذه السلطة قد اعلنت قبل ذلك ان جميع المظاهرات تقمع بالقوة ولا يصرح لها إلا بإذن. وقد ارسلت النساء الى مقر رئاسة السلطة وفدا منهن, يعلن السلطة اعتزامهن القيام بمظاهرة سلمية. فرفضت السلطة التصريح لهن بالمظاهرة. وكان أن تصرفت بعض الفتيات المكلفات بهذه المأمورية من تلقاء انفسهن. واتصلن بكثير من السيدات اللائي تم الاتفاق معهن على التظاهر واخبروهن ان المظاهرة قد تأجلت. ولكن قرأت النساء بعد ذلك في جريدة (المقطم) ان السلطة سمحت للسيدات باقامة هذه المظاهرة. فأمضت هدى شعراوي وزميلاتها الليل في محاولات الاتصال بالسيدات تليفونيا ليخبروهن بالتصريح. ونجحن في حشد مجموعة غير قليلة من المستعدات للتظاهر. وفي صباح العشرين من مارس, ارسلت هدى شعراوي اللوحات التي كانت قد اعدتها للمظاهرة الى منزل أحمد بك أبو أصبع, مكتوبا عليها باللغتين العربية والفرنسية بالصبغة البيضاء على قماش أسود علامة الحداد: (ليحيا ناصرو العدل والحرية) و(ليسقط الظالمون المستبدون وليسقط الاحتلال) . ووضعت هدى شعراوي خط سير المظاهرة, واعطته للفتيات اللاتي تسلمن العلم واللافتات في المقدمة. وكان الاتفاق يقضي بأن تقصد المظاهرة سفارة امريكا أولا, ثم سفارة فرنسا, ثم بيت الامة, ولكن فتيات المقدمة غيرن خط السير وقصدن بيت الامة أولا. ولم تكد المظاهرة تصل الى هناك حتى حاصرها جنود السلطة الانجليزية, واحاطوا النساء بالاسلحة بعد ان سدوا الشوارع بمدافع الماكينة, فوقفت صفوف النساء تحيط بها صفوف الطلبة الذين كانوا يتبعون النساء طوال الطريق لحمايتهن. وقد أرادت هدى شعراوي ان تشق طريقها بالقوة لتخرج المظاهرة من سجنها, فتقدمت الى الامام, واذا بجندي انجليزي يجلس القرفصاء بسرعة ويصوب فوهة بندقيته الى صدرها. وعندما حاولت ان تتقدم نحوه, اسرعت احدى السيدات تجذبها من الخلف لتمنعها من التقدم, فقالت لها هدى شعراوي بصوت عال: (دعيني اتقدم, ليكون لمصر اليوم مس كافيل) . فما كاد الجندي يسمع هذا الاسم حتى خجل وقام على الفور. ولم تهدأ هدى شعراوي زعيمة المظاهرة بعد ذلك, فحاولت اختراق صفوف الجنود, طالبة من السيدات ان يتبعنها ولا يهبن من رصاص الانجليز, فإذا بذراعين تحيطان بها, واذا بصوت صديقتها حرم الدكتور حبيب خياط تقول لها: (ما هذا الجنون؟ اتريدين اراقة دماء هؤلاء الاولاد اذا رأوا قطرة من دمك تسيل؟) . وتعيد هذه الكلمات الزعيمة المتمردة الى تعقلها خوفا على حياة الطلبة الذين ظلوا يحيطون بالنساء لحمايتهن, وكانوا على استعداد للموت في سبيلهن إذا مست إحداهن رصاصات الانجليز. ويبدو أن هدى شعراوي تصورت المئات من ابنائها الطلاب يخوضون معركة غير متكافئة ضد الانجليز, وتخيلت كم سيخسر الوطن من ابنائه بسبب مجازفتها, فوقفت في مكانها لاتتحرك, وبقيت مع زميلاتها على هذا الحال ثلاث ساعات تحت وهج الشمس, متمنية ـ فيما تقول ـ أن تصيبها ضربة شمس لتقع مسئولية ذلك على السلطة الغاشمة, ولكن للأسف ـ فيما تقول ـ لم يحدث لهن أي اذى. ويتوجه الطلبة, خلال ذلك الوقت, الى السفارة الامريكية ثم الى سفارتي ايطاليا وفرنسا, ووقفوا يصرخون (لقد حاصرت السلطة الانجليزية سيداتنا امام منزل زغلول.. نطلب الانصاف والمساعدة) . وقد توجه سفير امريكا الى موقع الحصار والتقط بعض الصور الفوتوغرافية. وهال هذا الامر السلطة البريطانية. فجاء اللواء رسل باشا حكمدار العاصمة, ورجا هدى شعراوي أن تعود بزميلاتها الى منازلهن بدعوى أنهن خالفن اوامر السلطة بهذه المظاهرة, واجابته بأنها قرأت في جريدة (المقطم) ان السلطة البريطانية قد صرحت بإقامة هذه المظاهرة, والكل يعلم أن (المقطم) هي جريدة الإنجليز, فبأي حق يعترض جيش الاحتلال على مظاهرة النساء. ويجيب رسل باشا بأن جريدة (المقطم) قد أخطأت, ومن الافضل ان تعود النساء الى منازلهن حتى لايحدث لهن مالا تحمد عقباه. وامام القوة والتعسف, لم يكن بوسع النساء المشتركات في المظاهرة الا الإذعان هذه المرة. على أن يعاودن القيام بالتظاهر باعداد أكبر, تضم نساء العاصمة جميعهن, ولكن قبل ان يعدن إلى بيوتهن, قادتهن هدى شعراوي الى السفارات, وابلغن احتجاجهن لسفارات امريكا وفرنسا وايطاليا, وأعلن رفضهن لظلم الاحتلال البريطاني, ورفضهن مسلك السلطة ازاءهن, واستمرار الحماية غير المشروعة وقيام الاحكام العرفية في بلادهن دون مبرر. وقد لقين التعاطف والاحترام ولكن بلا نتائج ايجابية. واخذت المظاهرة تتفرق تدريجيا وتنصرف النساء الى منازلهن. لكن لم يفت مشهدهن عين الشاعر الكبير حافظ ابراهيم الذي تمعن في دلالة مشهد المظاهرة المؤثر, وكتب واحدة من اكثر قصائده ثورية, وهي قصيدة كلها سخرية من قوات الاحتلال التي استعرضت قوتها الغاشمة إزاء نساء لم يكن لهنّ حول ولا قوة في مواجهة مدافع المحتلين وبنادقهم, ولذلك يختم حافظ قصيدته بتهنئة الجيش البريطاني على هزيمة جيش النساء, وعودتهن مشتتات الشمل نحو قصورهن, مخاطبا هذا الجيش بقوله: فليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسر هنه فكأنما الألمان قد لبسوا البراقع بينهنه واتوا بهندنبرج مخ تفيا بمصر يقودهنه فلذاك خافوا بأسهن وأشفقوا من كيدهنه ولكي يعرض حافظ بالانجليز, واستغلاله اسم القائد الالماني المعروف في الحرب العالمية الأولى. يبين عن المرارة التي أحدثتها المواجهة العنيفة التي تصدى بها جنود الاحتلال لمظاهرة النساء. ويبدو أن وطأة الاحكام العرفية قد انتقلت من مواجهة مظاهرة النساء الى مواجهة قصيدة حافظ ابراهيم, فلم تنشر القصيدة في الصحف, وانما طبعت في منشورات وطنية وزعها الثوار في كل مكان, فخورين بما قامت به المرأة في الثورة, وما أضافته الى هذه المظاهرة من اعمال وطنية جليلة أسهمت في تحرير الوطن والمرأة في الوقت نفسه, ولم تعرف قصيدة حافظ طريقها الى النشر في الصحف الا بعد انتهاء الثورة بسنوات, وتأخر نشرها إلى الثاني عشر من مارس سنة 1929 على وجه التحديد.