ضحكت عندما قرأت خبرا يقول أن المخابرات المركزية الأمريكية نشرت أعلانا على الإنترنت تطلب فيه عملاء, وكلمة عملاء هي التعبير المهذب لكلمة جواسيس, وهي كلمة سيئة السمعة منذ أن بدأت الجاسوسية حتى الآن. ولا أدري مدى صحة الخبر, وهل هناك فعلا إعلان بهذا الشأن أم أن إحدى وكالات الأنباء أرادت أن تمازح القراء أو المخابرات, أو ربما وقعت في خطأ نتيجة سوء الفهم أو سوء النية . وفورا تذكرت أحد معارفي والذي عمل في المخابرات, وان كان إعلان المخابرات المركزية بعيدا عن قصته, فلقد كان صاحبي هذا من أكثر الناس طيبة, وكان والده قد توفي وهو صغير, ورعته وأخوته أم قدرية, ركزت كل جهدها على حماية أولادها , ولذلك كبروا وهم قليلوا الخبرة بالحياة, وكان صاحبي أكبرهم سنا, ولذلك كان أقلهم خبرة لأن الأم ركزت عنايتها عليه. ودخل كلية الآداب بمجموع كبير فقلد كان دائما من المتفوقين, ولأنه لم يكن له مزاج شخصي, ولا يسعى لدراسة علم في حد ذاته , فلقد اختاروا له دراسة اللغة العبرية. ونجح صاحبي بتفوق, ولما تخرجوا جمعهم أحد الأساتذة وذهب بهم إلى مبنى المخابرات, وبالطبع المبنى لم يكن مكتوبا عليه ما يدل على عمله, والأستاذ لم يقل لطلبته انهم يعملون الآن في المخابرات, إذ كان ذلك من البديهيات. وظل صاحبي يذهب إلى العمل شهرا, وأمه تسأله عن المكان الذي يعمل فيه, فيعجز عن الإجابة , وعندما ذهب ليتسلم راتبه تمدد إلى الموظف وسأله عن المكان الذي يعملون به. وبعدها بلحظات طلبه المدير, وشكر له جهوده وقال له أنهم استغنوا عن خدماته, فلقد كان من المستحيل أن يعمل في المخابرات شاب بهذه السذاجة. ولم ينزعج صاحبي مما حدث, فلقد استمر في تفوقه حتى حصل على الدكتوراه واصبح أستاذا للدراسات العبرية, وربما لم يعرف حتى الآن أين يعمل. وعندما دخلنا إلى الجامعة في الخمسينات كانت كلمات جاسوس ومباحث وعميل وغيرها من المترادفات هي أكثر الكلمات انتشارا. فلقد كانت هناك تنظيمات عديدة من حزب الحرية والأخوان المسلمين إلى الوفد إلى تنظيمات الحكومة إلى التنظيمات اليسارية من كل الأنواع , وكانت هذه التنظيمات تأخذ الحروف أسما لها, وكان اشهرها (حدتو) التي تختصر الحركة الديمقراطية لظهور الوطن, وكان هناك (ط.ش) أي طليعة الشعب, وغير ذلك. وذات يوم قبض على مجموعة من الطلبة, وعرفنا أنهم ينتمون إلى تنظيم (ن.ض) تسرب الخبر من جهات التحقيق مباشرة, وسألنا الخبراء في التنظيمات فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا من قبل عن تنظيم بهذا الاسم, وربما قال بعضهم في ثقة أنه تنظيم جديد. وفيما بعد تكشف الأمر عن فضيحة كبرى, إذ ظن أن تنظيم (ن.ض) لا علاقة له بالسياسة, وأنه مجرد جماعة من الطلبة الفاسدين أرادوا الاستيلاء على النقود الضائعة. ففي الجامعة مثلما يحدث في أي مكان آخر يضيع من البعض نقودهم أو أشياؤهم الثمينة, وربما عثر عليها أحدهم, وفي هذه الحالات كان يسلم ما عثر عليه إلى حرس الجامعة, وكان للجماعة عضو على علاقة طيبة بالحرس, يعرف ما وجده بعضهم فيشي به إلى زملائه, فيذهب الزميل إلى الحرس ويصف ما ضاع منه أو ما يزعم أنه ضاع منه وصفا دقيقا فيأخذه. ولأن التنظيمات كثيرة جدا, ومختلفة إلى أقصى الحدود, فلقد استحدثت أسلوب التحذير من البوليس, وكنت في كل يوم أسمع تحذيرا من شخص لأنه يعمل مع المباحث, وكنت أصدق هذا, فلابد أن الدليل كان في يدهم, إلى أن حذروني من شخص كان يسكن معي, وكنت أعرف أنه مشغول طوال اليوم بالنوم والفساد والبلاهة, ولم يكن لديه ساعة يلتقي فيها بالبوليس, ولم يهتم في يوم من الأيام بالسياسة, ولم يسأل أحدا في شيء. ومن أطرف الشخصيات التي عرفتها في تلك الفترة شاب جاءته فرصة للدراسة في الولايات المتحدة, وحسبها فوجد أنه من الأفضل أن يبيع القضية, وأن يستسلم لاغراءات المخابرات المركزية, وأن هذا هو الطريق للحياة الرغدة, ثم للوزارة فيما بعد, وبدا أخونا هذا يوحي أنه جاهز للمهنة ذات السمعة السيئة , فلما مضى الوقت ولم يحاول أحد الاقتراب منه, أخذ يلمح برغبته, فلم يجد صدى, أخذ يقول لكل من يقابله: يا أخي أنا مواطن عربي قررت التخلي عن كل القضايا العربية وخاصة قضية فلسطين, ومستعد للتعامل بكل ذمة وأمانة مع المخابرات المركزية. وعاد أخونا من أمريكا ولم يفاتحه أحد في الوظيفة ولو أن الجميع قالوا له ان هذه الوظيفة لا تطلب وأنما يعرضها عليك أصحابها ويلحون عليك. فقال لم اطلبها إلا لأنهم لم يعرضوها. وأظرف من عمل في المباحث واحد من مثقفي ريش المشهورين, وريش أن كنت لا تعرف هو مقهى في شارع طلعت حرب كان أحد مراكز المثقفين خلال ثلاثة عقود وكان موضوعا لإحدى أغاني الشيخ أمام ( يعيش المثقف في مقهى ريش ... يعيش يعيش ) كما كان موضوع لديوان نجيب سرور (بروتوكولات حكماء ريش) وكان صاحبنا المثقف وطنيا سكيرا أي أن فيه كل مؤهلات الزعامة في ريش. وذات يوم ـ وكانت الأمور السياسية قد تغيرت حدث خلاف بين اثنين من زعماء الشباب وكشف كل واحد عورات الآخر. ووقف صاحبنا المثقف الوطني السكير غاضبا مستنكرا اعترافهما بأنهما كانت لهما علاقة بالأجهزة وإذا بالاثنين يتفقان على أن صديقنا المثقف الوطني السكير كان يعمل معهما في الأجهزة ..! وكاد صديقنا يموت من الانفعال والغضب لهذا الاتهام الظالم لكنهما أخذا يتحدثان إليه ويهزآن من انفعالاته.. ألم تكن تقترض مني نقودا ؟ وكانت النقود مبلغا محددا إذا تجاوزته كنا نعتذر لك.. أما إذا لم تقترضه كله كنا نفرضه عليك. ومهمتك كانت بسيطة جدا, وكنت تقوم بها على خير وجه. كنا إذا أردنا نشر شائعة حكيناها لك وطلبنا إليك أن تظل في الكتمان, لكنك لم تكن تستطيع كتمان السر فكنت تنشر الشائعة كما كنا نريد.!! ولقد تطورت الجاسوسية وتغيرت عبر العصور, وكان التغيير الأكبر في المخابرات المركزية ما حدث في إيران , فلقد كانت تقاريرها تؤكد أن نظام الشاة ثابت لا يمكن المساس به, وذات يوم استيقظت المخابرات الأمريكية التي تعرف (دبة النملة) فإذا بالنظام قد تغير وفي بلد من أكبر حلفائها . هذا معناه أن النظام التخابري القديم قد سقط فلم يعد يساوي أكثر من تقرير للخبر الذي ينقل الاخبار أو المعلومات, بل لم يصبح في نفس الأهمية الجاسوس الذي يفتح الخزائن ويسرق منها المعلومات عن عدد الطائرات والدبابات. كان لي زميل في المدرسة صار من أهم المسئولين في المخابرات قال لي أن كل المعلومات عن أي بلد متاحة في التلفزيون والاذاعة والصحف, وما عليك إلا أن تجلس أمام الكمبيوتر وتحلل ما ترى لتصل إلى كل ما تريد من معلومات. على أي حال ضحكت كما ذكرت في بداية الحديث عندما قرأت الخبر الذي يقول أن المخابرات المركزية أعلنت عن طلب عملاء وتذكرت صاحبنا الذي عرض نفسه على الجميع في الولايات المتحدة فلم يقبلوه , وتذكرت أيضا أنني لم أره منذ عشر سنوات. وكان ذلك في أحد المطارات وكان متأنقا وأبديت إعجابي بأناقته, وداعبته بأنه لابد أنه وجد وظيفة في المخابرات الأمريكية فأبدى أسفه لأن ذلك لم يحدث حتى الآن, لكنني قلت له أن ذلك لابد أن يحدث مادام يملك الأمل . فقال حزينا: وما فائدتها الآن وقد ولى الشباب ! لكنه تقبل تمنياتي بأن يعثر على ضالته قريبا! وبالطبع سيطر على تفكيري طوال كتابة هذا المقال وتوقفت عند سطور سابقة لأن صديقا طلب التحدث في موضوع هام. ولما حدثته سألني في مأساوية: هل قرأت الصحف؟ أجبته بالنفي. قال لي إذا لم تقرأ النعي وإذا بصاحبنا قد مات دون أن يصل إلى غايته في خدمة المخابرات المركزية. لا حول ولا قوة إلا بالله.. مات الرجل قبل أن يعمل بالمخابرات المركزية , وربما قبل أن يقرأ إعلانها , وأيضا قبل أن أسأله: لماذا يريد العمل في المخابرات المركزية, فلقد نسيت ثلاثين عاما أن أسأله هذا السؤال!