كان مقصدنا ـ كما ألمحت لك من قبل ـ الوصول الى دير او كاتدرائية مقاطعة هنتنجتون للمشاركة في ندوة وصفوها بأنها خلوة او معتكف يدوم يوما كاملا مابين الافطار الى العشاء ويدور فيها الحوار بين عدد من المبدعين والكاتبين والمفكرين الذين ينتمون الى عقائد ورسالات وديانات شتى في عالمنا, ومن بين هذا الحشد كانت الدعوة موجهة الى كاتب مسلم.. (علماني) هو بالصدفة كاتب هذه السطور . دلفت السيارة الى مثابة الدير المرتقب فقطعت عدة اميال وسط غابات مترامية الاطراف زادت من قشعريرة البرد في الصباح النوفمبري الذي كان قارسا شبه رمادي متلهفا الى خيوط الشمس التي طال انتظارها, واذ لاحت معالم البنايات السامقة بمعمارها القوطي الشامخ حتى بدأت عقارب الغيرة تدب في صدر العبد الفقير, نعم كم كنت احسد القوم وقد اتخذوا لدراساتهم وعباداتهم مثل هذا المكان المفعم بجلال الصرح وسكينة الهدوء وسلام التأملات وهواء الغابة المنعش النظيف.. لهفى على زهرة شبابنا ممن يختاروا ان يدرسوا علوم الشرع والاصول والجرح والتعديل والتراث. وقد زرعنا معاهدهم الدينية وسط غابات الاسمنت وضوضاء المدن وتلوث البيئة وانى ان تتاح لهم فرصة التدبر والتفكر والتمعن والتأمل وسط هذه الظروف, هاهم القوم وقد شيدوا معبدهم ومعهدهم الديني اللاهوتي في ناحية هنتنجتون وسط غابة قالوا ان مساحتها تربو ـ باسم الله ماشاء الله ـ على 300 فدان بالتمام والكمال من اشجار الصنوبر والارز ( خذ بالك ان الهمزة مفتوحة) حيث تلمح العين للوهلة الاولى طاووسا يختال هنا.. وغزالا يرمح هناك, كانت الدعوة الموجهة للفقير ممهورة بتوقيع فازر توماس المحترم.. وعندما ولجنا المكان سألنا عن الاب توماس وتخيلته بعين التصور.. كهلا وقورا في خريف العمر.. تتدلى لحيته المهيبه في بياض الثلوج وكأنها في حال تناقض (كونتراست يعني) مع مسوحه الكهنوتية حالكة السواد وقد غطت رأسه طاقية الآباء الكاثوليك الصغيرة الحمراء.. او ما شابه ذلك. كان اول من لقينا رجل بالبنطلون والقميص علا الشيب فوديه يدور ويلف مثل النحلة الدؤوب وينثر تعليماته الى هذه السيدة او ذلك السكرتير لزوم ترتيب المكان, سألناه ان يدلنا على صومعة او مكتب الكاهن الكاثوليكي المحترم رئيس الدير الاب توماس. قاطعنا بابتسامة تعرق يقول: ـ انا فازر توماس تداعت على الفور اركان الصورة النمطية (ستريوتايب) التي رسمتها في خيالي لتحل محلها الصورة الجديدة لرجل الدين الذي يستعد ـ كما قد نقول ـ لدخول الالفية الجديدة مفارقا بذلك مادرج الناس عليه من قوالب التنميط ومكرور التصورات.. الاب توماس يحمل الدكتوراه في علوم اللاهوت لكنه يحمل ايضا تصميما على ان ينشىء جسورا بين الدين والحياة, هم يشعرون ان المؤسسة الدينية ينبغي ان تفارق عزلتها وان تجدد اساليب تواصلها مع جماهير الناس, وبعبارة واحدة اصبحت اثيرة في ادبيات الحياة الفكرية الامريكية ان (تعيد اختراع نفسها) . قال لنا انها فرصة يوم كامل من التفاعل والتأمل المشترك او هو التثاقف بين اصحاب الاقلام على اختلاف العقائد التي اليها ينتمون.. وكان عنوان هذا اللقاء او شعاره العام هو (الكلمة) وكان محور الاهتمام بين المجتمعين والمتحاورين هو كيف تؤثر عقيدة الكاتب, المفكر او المبدع, الروائي او الشاعر, على الكلمة التي يخرجها الى جماهير القارئين او المستمعين او المشاهدين. وحين قدمني الاب توماس عارضا شذرات من السيرة الذاتية التي قدمتها اليه مختصرة في تواضع مصطنع, انتظرت عليه الى ان ذكر تعبير كاتب.. مسلم.. علماني.. ثم استأذنت في ان اتسلم زمام الحديث قبل الدخول في صلب الموضوع المحوري المطروح.. (وكم هي لذيذة ممتعة حكاية ان يتاح لك في لحظة سعود ان تتسلم زمام اي حديث) قلت ما معناه ان حكاية كاتب هي جزء من قدري ورسالتي وأكل عيشي وربما مشكلتي ايضا.. وحكاية مسلم هي صدفة سعيدة اختارتها لي اقداري وكان يمكن لأب يعتنق ويمارس الفودو ـ السحر الأسود في تاهيتي مثلا, اما الاعتراض فهو على حكاية (علماني) التي ترددت اكثر من مرة في سياقات الحديث. نحن يا اصدقائي لانعرف في عقيدتنا حكاية علماني لاننا ببساطة لانعرف في ديانتنا لا كلمة لاهوتي او كهنوتي, اذ لا فصل عندنا بين الدين والدنيا.. وليس لدينا مؤسسة دينية بمعنى القداسة او الكهنوت او الرهبنة او السلطة المستمدة بشكل او بآخر من السماء. نحن ندخل الاسلام بشهادتين من عشر كلمات ليس الا.. وبها يخرج المرء الى دنيا البقاء. لا عندنا كاهن يرش علينا عند الميلاد ماء التعميد ولا واحد من الاحبار يناولنا الاسرار المقدسة, كما تسمونها لحظة ان يؤذن بالرحيل, وان اردنا الاعتراف لا نؤديه خلف دريشه الى قسيس بل يناجي به الفرد منا ربه مباشرة بغير وساطة او وسيط وعندنا في كتابنا الكريم ما يفيد ان الرب اقرب الى الفرد البشر من حبل الوريد ( كم جهدنا كي نترجم في الجلسة الافتتاحية حكاية حبل الوريد هذه وظلال معانيها ودلالة كنايتها وحسبنا الاجتهاد والله اعلم). ثم دار حوار موجز شارك فيه مؤرخ وشاعرة وروائية حول ظروف دخول مصطلح (علماني) الى القاموس العربي الحديث وقد تسرب ـ في رأينا ـ عبر كتابات المفكر التركي (ضياء قلب) منذ سنوات القرن الماضي وكان متأثرا في ذلك بتاريخ اوروبا ومشكلتها المزمنة في الصراع بين المؤسسة الدينية بسلطتها الكهنوتية (البابا بالذات) وبين المؤسسة الحاكمة بسلطتها الزمنية (وهو صراع وصل الى حد الحرابة الدموية احيانا واتسم بالتمرد والعداوة والانكار والاستنكار المتبادل في كل الاحيان.. مابين الاصلاح الديني او هكذا يسمونه في عهد ملك انجلترا المتلاف المزواج هنري الثامن وما بين دعوات الثورة والعصيان والتجديد التي اعلنها رجال من امثال ولسلي ومارتن لوثر وكالفن ومن اليهم) وكان حوارا مثمرا رأينا الا نثقل على كاهلك بتفاصيله وكان من حسن حظنا ان كنا على شيء ـ علم الله ـ من متابعة تاريخ اوروبا ومشكلتها بل ازمتها من حيث علاقة المؤسستين الدينية والدنيوية او العلمانية ان شئت التعبير وهو صراع اوصل اوروبا الى دعوات الالحاد التي بلغت ذروتها المؤسسية كما قد نسميها في دعوة كارل ماركس ومن بعده فلاديمير ايليتش لينين. ومثل كل حوار متحضر.. يحترم فيه كل طرف رأي الآخر... اظن اننا قد استفدنا بقدر ما افدنا. بعدها دارت وقائع الملف الاصلي الذي جئنا من اجله وتحدث الشعراء والقصاصون والمسرحيون عن اثر عقيدتهم واحيانا ممارساتهم الدينية على ابداعاتهم من حيث رسم الشخوص واستقاء عبرة التاريخ وتوخي دراما الصراع بين القدر والبشر وبين الانسان والظروف وبين الانسان والانسان.. واسهبت الاستاذة (كاثلين هيل) وهي تدرس فنون واصول الكتابة بالجامعة وقد اصدرت في الشهر الماضي آخر رواياتها بعنوان (المياه الهادئة في نهر النيجر) ـ اسهبت في شرح متعة القراءة ومصاحبة الكتاب وساقت فيما ذهبت اليه تأملات المبدع الفرنسي الشهير (مارسيل بروست) وكنت قد نلت نصيبا لابأس به من اطراف الحديث.. جلست استمع وافهم واتعلم.. واذا بالاب توماس, تاني! ـ يناولني الميكروفون النقال او المحمول ويطلب التعليق.. ولم يفتح الله على الفقير سوى بان يلفت النظر الى اننا قد نكون فلولا من الاجيال التي مابرحت تعشق الكتاب بصفحاته التي عهدناها وشكله الدفتري المعروف.. واحسب ان الامر مآله التغيير جذريا وجوهريا وقد يكون صاعقا مع سنوات القرن الجديد, ولصالح الاجيال الفتية وحتى اجيال الاطفال الذين اصبح الحاسوب امتدادا لعقولهم او امتدادا لوجدانهم ومشاربهم واذواقهم ومصادر معارفهم.. او يكاد يكون. هنالك تغير مسار الحديث.. فانتقل الى صعيد الكمبيوتر بين الوعود والتحديات. وحانت ساعة الغداء وكان متواضعا بكل المقاييس وكنت قد غبت عنه ربع ساعة او نحوها اطالع محتويات مكتبة الدير العتيق ـ خلال دقائق الغياب. توجهت الدكتورة مورين هوارد وهي استاذة بكلية الاداب جامعة كولومبيا (حيث يعمل ايضا البروفيسور العربي ادوارد سعيد) ـ توجهت الى صديقنا الدكتور العيوطي بعبارات من مديح على توضيحه حكاية (علماني) وعلى تحويله الاهتمام الى تحديات الكمبيوتر. تدفقت الاستاذة الجليلة في الثناء المستطاب.. وكان الرجل يصغي بابتسامة مهذبة.. فالاستاذة نظرها ضعيف وقد خلطت بينه وبين العبد الفقير وحين انضممت اليهم قال الدكتور العيوطي: البروفيسورة كانت تثني عليك وادركت السيدة غلطتها, اومأت برأسها في خجل وتقبلت ايماءتها في استسلام وضاعت علي فرصة السماع الى عبارات الثناء.