فرضت حكاية ريم وكولين نفسها عليّ هذا الأسبوع, فطوال الأسبوع الماضي وريم منشغلة بالتفكير في الهدية التي ستختارها لكولين, والطريقة التي ستصل الهدية بها إلى صديقتها العزيزة, فبين ريم وكولين آلاف الأميال من الأراضي والبحار تقطعها الطائرة في ساعات ربما زادت على العشرين تقلع وتهبط خلالها في محطات عدة, فما هي الحكاية من أصلها ؟ ريم زهرة من نبت هذا الوطن, تعدت الثالثة عشرة من عمرها بشهور قليلة, طالبة في الصف الاعدادي الثاني, اما كولين فهي صبية في مثل سن ريم وفي المرحلة الدراسية نفسها, لكنها من بلد يقع على بعد آلاف الاميال منها, فهي من نيوزيلندا ذلك الارخبيل الواقع في جنوب المحيط الهادي جنوب شرقي استراليا, اما العلاقة التي تربط كلا من ريم وكولين فهي صداقة من نوع قد يكون غريبا بالنسبة لنا نحن لكنه ليس غريبا بالنسبة لجيل يلج عتبات الحياة وفي خانة التاريخ الاخيرة الرقم 2 بدلا من الرقم 1 الذي لم نر غيره ردحا طويلا من الزمن. تعود ريم من مدرستها لتتناول طعام الغداء وتقوم بحل واجباتها المدرسية ـ ان كانت مكلفة بواجبات ـ ثم تتجه الى جهاز الكمبيوتر وعبر الانترنت تبدأ بتحية صديقتها كولين في نيوزيلندا والسؤال عن صحتها وتفقد احوالها واخبار دراستها. وغالبا ما تجد في بريدها الالكتروني ـ قبل ان تقوم بذلك ـ رسالة مسجلة من كولين التي تكون قد عادت من مدرستها وتهيأت للنوم, ففرق التوقيت بين الامارات ونيوزيلندا يجعل من الصباح لدينا ظهرا لديهم والعصر ليلا. قبل شهور ثلاثة كان موعد عيد ميلاد كولين, وقد بادرت ريم فاشترت هدية مناسبة ارسلتها لها بواسطة البريد.. ورغم بساطة الهدية فقد كان لهذه اللفتة من ريم وقع كبير في نفس كولين عبرت عنه من خلال البريد الالكتروني بعبارات حملت اقصى ما يمكن ان تحمله مشاعر فتاة في الثالثة عشرة من عمرها لصديقة تتذكرها على البعد في مناسبة كهذه رغم انها لم ترها قط ولم تلتق بها ولم تسمع حتى صوتها, فكل ما يربطها حروف تظهر على شاشة الكمبيوتر سهلت هذه الثورة العظيمة في عالم الاتصالات نقلها لهما. اقول لريم متسائلا: لماذا لم تفكرا في التواصل عبر الهاتف ولو مرة واحدة وقد مضى على علاقة الصداقة التي تربطكما ما يقارب العام الآن؟ فيكون جوابها غريبا بالنسبة لي.. تقول ريم.. ومن قال لك اننا لا نكاد نسمع اصوات بعضنا البعض ونحن نتحاور عبر الانترنت؟ صدقني ان اصابعنا التي تنتقل من حرف الى حرف على لوحة حروف الكمبيوتر (الكي بورد) تنقل احساسينا بصدق وحرارة تقرأها عيوننا بنفس الحميمية التي يمكن ان تسمعها بها آذاننا. اقول لها محاولا الدخول الى عالمهم الغريب متصنعا عدم الفهم: ولكن بإمكانك ان تكوني صداقات مع زميلاتك اللواتي ترينهن امامك كل يوم في المدرسة.. أليس ذلك اسهل واكثر واقعية من انشاء صداقة مع صبية تبعد عنك آلاف الاميال لم تريها ولم تسمعي صوتها؟ تجيب وقد غلب على كلامها منطق الشهر الاخير من القرن العشرين: وما ادراك انني ابحث عن صداقة عادية تقليدية بالمفهوم الذي تتحدث عنه؟ انا لا انكر ان لي صداقات عدة مع زميلات لي في الفصل والمدرسة.. وهي صداقات قوية لا استطيع الاستغناء عنها.. لكن الصداقة التي تربطني بكولين صداقة من نوع آخر.. صداقة لها مذاق خاص.. ألم تجرب مثل هذا النوع من الصداقة عندما كنت في مثل سني؟ اقول لها على استحياء: ولكنني عندما كنت في مثل سنك لم تتوفر لي التقنية التي تمتلكينها الآن.. فأقصى ما كان متوفرا لنا هو البريد العادي.. وقد استهوتني لفترة هواية المراسلة فنشرت اسمي في احدى مجلات القصص المصورة, وقد جاءتني رسائل عدة من دول مختلفة رددت على اصحابها, غير ان المراسلات اخذت تتباعد حتى انقطعت الصلة, فالرسالة تستغرق اسبوعين او اكثر حتى تصل للمرسل اليه والمدة نفسها كي اتلقى الجواب, ومع ذلك فإنني ارى في الرسالة المكتوبة بخط اليد بعدا انسانيا وحرارة لا اجدها في هذه الحروف الصماء التي تظهر على شاشة الكمبيوتر. قالت وكأنها واعية تماما لمحاولتي استفزازها وجرها الى جدل استغل فيه العزف على وتر المشاعر واستعرض من خلاله ثقافة فلسفية من عهد الدراسة: ربما كان هذا الكلام صحيحا بالنسبة لجيلكم, ولكن ألا ترى ان الجيل الحالي آخذ في التخلص من الورق وان احد شعاراته على سبيل المثال (ادارة بلا اوراق) ؟ ولو دخلت عالم الانترنت لرأيت تجارة بمليارات الدولارات تتم عبر هذه القناة, ثم ان الصحفيين والكتاب اصبحوا يكتبون مادتهم على اجهزة الكمبيوتر مباشرة ولم يعد للاقلام والاوراق مكان في عدة شغلهم, ان بامكانك ان تحتفظ بكتاب مكون من مئات الصفحات على قرص مدمج لا يتعدى حجمه كف اليد. شعرت وكأنني على مشارف هزيمة لست مستعدا لتقبلها بروح رياضية فعمدت الى تغيير دفة الحديث قائلا: دعينا نعد الى موضوعنا الاصلي وتلك الهدية التي لم تحددي نوعها ولا مناسبتها حتى الآن. قالت في براءة لم تفطن معها الى غرضي من العودة مرة اخرى الى موضوع صديقتها كولين: نوع الهدية هو ما سأحتاج الى مساعدتك في اختياره, اما مناسبتها فتحمل من الطرافة ما اخشى ان تتهمنا ـ انا وكولين ـ بالسذاجة ان انا رويتها لك, ولكنها على كل حال مناسبة تستحق ـ من وجهة نظر كولين على الاقل ـ ان تكون من اسعد المناسبات في حياتها. قلت لها والفضول يدفعني : اعدك بأنني لن افعل ذلك, وسأحترم رغبتكما في الاحتفال بالمناسبة. قالت مبتسمة : اسمع اذن.. تعلم ان كولين من بلد اكثر من نصف سكانه يهتمون بالفلاحة وتربية الحيوانات كالابقار والاغنام.. وعائلة كولين واحدة من هذه العائلات.. لكولين بقرة اثيرة تهتم بها وتوليها عناية خاصة.. هذه البقرة ولدت منذ ايام بقرة صغيرة تقول كولين: انها في غاية الجمال والروعة, وقد اصبحت هذه البقرة الصغيرة تشغل كل وقت كولين منذ ان تعود من المدرسة وتنهي واجباتها وحتى تأوي الى سريرها للنوم. قلت لها في غير تصنع: وماذا في ذلك؟ اليس من الطبيعي ان يرتبط الانسان بالبيئة المحيطة به وتصبح مكوناتها جزءا من حياته اليومية؟ قالت وقد اتسعت ابتسامتها: ولكن ليس هذا هو الطريف في الموضوع. نظرت اليها وكأني احثها على مزيد من التوضيح فأكملت: الطريف في الموضوع انها لشدة حبها لها وتعلقها بها وتعبيرا عن حبها لي واعتزازها بصداقتي فقد اطلقت عليها اسمي! قالت ذلك ثم اخرجت لي من حقيبتها صورة فوتوغرافية لفتاة شقراء في منتهى الجمال والبراءة تحتضن بقرة صغيرة في حنان ثم واصلت حديثها: لقد ارسلت لي منذ أيام هذه الصورة مع هدية تحمل شعارات من بلدها.. ولذلك فأنا حائرة الآن في الهدية التي انوي ارسالها اليها. دار هذا الحوار بينما كانت السيارة تشق طريقها وسط الشوارع المزدانة بالانوار واعلام الدولة والاقواس المقامة بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثامنة والعشرين لعيدنا الوطني المجيد.. كنا في طريقنا لشراء الهدية التي سترسلها ريم لصديقتها المقيمة في نيوزيلندا.. ورجعت سنوات الى الوراء متسائلا: ترى.. لو لم يهىء الله لنا قيادة حكيمة تجمعنا في كيان واحد وبلدا آمنا يوفر لابنائه المناخ المناسب للنهل من منابع العلوم والاستفادة من تقنيات الحضارة فهل كان لابنائنا ان يستخدموا احدث ادوات العصر وتجمعهم بأقرانهم في شتى انحاء المعمورة مثل هذه الصلات الانسانية العميقة على بساطتها الظاهرة؟ بين كل المنجزات التي كانت وسائل الاعلام من صحافة واذاعة وتلفاز تتحدث عنها وجدت ان الانجاز الاكبر للثاني من ديسمبر هو هذه الاجيال الواعية المتفتحة من البنات والابناء.. فهنيئا لنا وللوطن بها في هذه المناسبة العزيزة الخالدة الراسخة في وجداننا.