يظل التقدم العلمي والتقني رداءً جميلاً يفصّله البعض ويلبسه البعض الآخر, وبينما تتفتق عقول العلماء والباحثين واصحاب الاختراعات الناجحة عن ايجاد مخارج للعزلة الداخلية التي يعيشها إنسان اليوم بسبب الازمات والهموم والتفرقة والهيمنة يظل البعض سواء كانوا أفراداً أو دولاً مطوقين انفسهم بسياج عزلة لا تخترقه حتى أعتى المدافع في الوقت الذي يذهب فيه آخرون إلى كسر الطوق كاملاً مفككين فيه أدق الفواصل والنقاط لكي يعبروا من خلالها. وحتى لا أقف منظرا التقط طرف الحكاية لأكسر عزلتكم فأعود مجددا معتنياً بالتفاصيل, ففي منطقة اللابلاند في شمال السويد يتحدى آلاف الزوار الرياح القطبية لتمضية ليلة في الفندق الجليدي حيث تنخفض الحرارة إلى خمس درجات مئوية تحت الصفر. ورغم تلك البرودة التي تصل إلى حد التجمد تظل حماسة النزلاء, للاقامة فيه حارة جداً وتكاد تذيب الجليد, إلا أن تلك الحماسة لا تستغرق سوى ليلة واحدة لشدة البرودة إذ يندر أن يمضي احد النزلاء أكثر من ليلة بين الجدران الثلجية محشورا في كيس خاص يوفر له الدفء, بينما تزمجر الرياح القطبية في الخارج حيث تصل درجة الحرارة الى 25 درجة مئوية تحت الصفر. ويقوم موظفو الفندق بإيقاظ النزلاء بلطف ويقدمون لهم عصير الفاكهة الساخن في اكواب مصنوعة من الثلج الخالص. كانت الفكرة الجنونية المثيرة لهذا الفندق قد راودت بنجفي بير كفيست وألحت عليه كثيرا فبدأ بكوخ صغير من الثلج سرعان ما اتسع وكبر حتى وصل الى فندق يسع 50 نزيلا, لكنه لا يصمد طويلا, فبانتهاء موسم الشتاء يكون الفندق قد ذاب, وانتهى, ليعاد على الموسم الشتوي الجديد عمليات البناء والتشييد مرة أخرى, إذ تقوم جرارات باحضار حوالي 1000 طن من الثلج النقي اللازم لبناء هيكل الفندق من نهر تورني, وبرغم وفرة الثلج إلا أن معظم المستخدم في البناء يكون من صنع الانسان. وتطلق مدافع خاصة كميات من الجليد على أطر ضخمة من الالمنيوم التي تزال بعد ذلك ثم يرش الهيكل بالماء, ويترك ليلة يتجمد فيها ويصبح جاهزا للاقامة, فلا يحتاج بعد ذلك إلى صيانة حتى الربيع عندما يذوب الفندق وملحقاته وينساب بتلقائية في النهر ليصبح الموقع خاليا حتى الموسم المقبل عندما يعاد البناء في شهر اكتوبر. المثير أن الفندق يزود النزلاء بكل أدوات الطقس الجليدي وأغطية من جلد الرنة, فينامون على أسرة من الثلج ويجلسون على مقاعد من الثلج ويحتسون مشروباتهم في اكواب من الثلج, وفي الوقت نفسه يوفر الفندق حمامات سونا لمن يسعى لمزيد من الدفء بعيداً عن الجدران الجليدية. وبعيدا عن هذا التفتق الفكري والانفتاح وبعيدا أيضا عن ذاك التضييق نشير إلى العادات والتقاليد والقيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحكم نظاماً معيناً عن الآخر, إلا أن عدم تحكيم العقل وفهم ما وراء هذا الوافد من الغرب هو الذي يجعل الكثيرين منا يتأرجحون في كفتي ميزان لا يعرفون ما يريدون. نعم نحن أمة لها عاداتها وتقاليدها وقيمها ودينها الاسلامي العظيم, إلا أنه ليس كل قادم أو وافد إلينا لا يصلح لحياتنا وتواصلها, فالعلم ليس له وطن أو تراب أو منطقة محددة بل هو مشاع للناس جميعا, وما يولده هذا العلم من افكار واختراعات ما هو إلا نتاج طبيعي وشرعي علينا الاخذ به إن كان يتناسب وتطورنا, أما أن نمتنع عنه بحجة انه فكر الغرب واختراعه فهذا هو العجز والإخفاق بعينه, وإن سلمنا بمقولة الامتناع والابتعاد عن هذا الفكر فما هو البديل في نظر هؤلاء؟! في الآونة الأخيرة من القرن الحالي الذي يلفظ انفاسه تفتقت افكار الغرب عن شبكة الانترنت واصبحت واقعاً معاشاً, ورغم الانتقادات الكثيرة هنا وهناك ورغم المخاوف التي انتابت البعض في الشرق والغرب إلا أن ذلك يأتي كما يقول الواثقون مع كل جديد وحديث, وهذا ليس عيباً في الوافد الجديد بقدر ما هو ضعف في نفوس المشككين. ولأن هذا الزمن هو زمن تدفق المعلومات لم يستطع هؤلاء الوقوف في وجه السيل العارم الذي حملته شبكة الانترنت للتدليل على قوتها وصوتها المسموع في العالم الجديد, بل واستطاعت هذه الشبكة العالمية بتأثيرها الساحر أن تجذب الرأي العالمي فظهرت صحف أوروبا تتكلم باسمها وبأفكار مشتركيها. ولم يعد هذا العالم المترامي الذي اصبح بفضل الاعلام قرية صغيرة كما يقول الاعلاميون, لم يعد سوى مجلس سمر بفضل شبكة الانترنت. ولم تعد اصوات المحتجين الصاخبة تسمع رغم الهدوء والرزانة والسمعة الطيبة التي يتمتع بها اعضاء شبكة (الانترنت) . عموما تظل الاصوات العالية امام كل جديد ظاهرة صحية تدل على قوة المجتمعات, ولكن امام ذلك على هذه الاصوات ان تعرف وتحدد ما تريد قوله قبل أن تعم الفوضى كيانها وبذلك تفقد تأثيرها ومنطقيتها في الحوار والاحتجاج حتى لا نقول هذا الشرق وذاك الغرب!