فرادة في المعنى والمبنى تؤكد قدرة الشاعر وتمكنه من صنعة الشعر، حب الشاعر لممدوحه حمل القصيدة الى مصاف درر الشعر، أبيات عذبة في الوصف تؤكد ان زايد قائد ملهم مزاياه الجود والعدل والكرم، الشاعر سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من الشعراء النبطيين المعدودين والمبدعين ليس على مستوى شعراء الامارات فقط وانما على صعيد الشعراء الخليجيين أيضاً يشهد له هذا الكم والكيف من القصائد التي أنتجها ولا يزال يرفد الساحة النبطية بقصائد في شتى مجالات فنون الشعر بحيث لم يترك غرضاً من أغراضه إلا وطرقه .. وتميزت له قصائد جميلة في أغراض شتى أبرزها ما كانت ولا تزال في صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله.. فلم يكن سمو الشيخ محمد بن راشد ليترك مناسبة مرتبطة بصاحب السمو الشيخ زايد إلا ونظم قصيدة فيه وأحياناً لا يرتبط بمناسبة وانما تدعوه محبته ويحمله شوقه لأن ينظم ويفصل القول فيه رقة وابداعاً وعاطفة صادقة واستجلاء لكثير من مواقفه وخصاله وخصائصه .. ولقد كثرت قصائده فيه بحيث يمكنها أن تشكل ديواناً خاصاً به وأبرزها قصيدته الاخيرة فيه بمناسبة العيد الوطني السابع والعشرين.. فقد كانت قصيدة جميلة رائعة من حيث سبكها وبيانها عميقة تحوي من الفكر والمضامين والصور ما يجعلها في مقدمة قصائده جميعها دون منازع.. ليست بالسهلة التي يتيسر فهم مضمونها وبعد مرماها من أول قراءة وانما تستقطب اهتمام الباحث وفكره وتجعله يعيد تأمله فيها خاصة في بعض أبياتها التي تحمل زخماً من المعاني والصور البلاغية وفيها بيتان يعدان فريدان في معناهما ومبناهما الأول : يخشى الفقر من كان يعطي عطاياك ياذا المطر لي ما يونّي صبيبـك والثاني : دنيا العرب في قلوبها وانت دنيـاك من عفّتك حطّيتها وسط جيبك والبيت الثالث أيضاً لا يقل عن مستوى البيتين السابقين وهو: وانك ظلمت الدهر ماجاب شرواك كيف الدهر مرّه قدر ان يجيبـك وتأتي صعوبة القصيدة أو بتعبير أدق متانتها من ناحية اتحاد قافيتي شطريها على حرف واحد وهو الكاف فالصعوبة واردة حين يلتزم الشاعر بقافيتين مختلفتين في كل شطر وان كان المجال أرحب له عندئذ في التعبير لكن القيد يكون أثقل والصعوبة أكبر حين يلتزم بحرف واحد في كلا القافيتين كما هو الشأن في هذه القصيدة. ويأتي طول هذه القصيدة أيضاً ليبين عن جانب من قدرة الشاعر على خوض غمار هذا المنحى الذي به شيء كبير من بيان تحدي الشاعر وتمكنّه من فنه وصنعته. ويظهر جمال التوقيع اللفظي في قراءة أبيات القصيدة في نهاية كل شطر سواء من حيث حرف (الكاف) وسكونه وحركة ما قبله لتشكل القراءة نغماً جميلاً في نهاية كل شطر الى نهاية القصيدة. ذكاء المديح وفي قصيدة الشاعر هذه اختلاف عن سائر قصائده حيث انه تناول صفات ممدوحه بصورة مختلفة عن قصائده السابقة يبين عن قدرته على تصريف الفاظه ومعانيه بطريقة فيها شيء كبير من الذكاء والابداع والعمق في المضمون فجعل أوصاف ممدوحه مبالغاً فيها إلى درجة تصل إلى العيب لأنها تجاوزت الحد الطبيعي إلى اللا معقول منه ولكنه يقلب بعد ذلك المعنى الى ميزة وخاصيّة ينفرد بها صاحب السمو الشيخ زايد دون غيره وقد جرى الشاعر على هذا المنوال في جميع أبيات قصيدته .. وإن في ذلك ما دعاني للتأمل فيها ودراستها..واعترف بان دراستها استغرقت منى جهداً ووقتاً عكس غيرها من قصائد الشاعر التي لم تأخذ مني ما أخذته هذه القصيدة زارك على صدق العهود وتمنّاك قلبٍ إذا الدنيا انتهت يبتدي بك زارك: فالزيارة لا تكون إلا من محب لذا جاء انتقاء الشاعر لكلمة (زارك) لتبين عن مدى حبّه لممدوحه وهي أكثر تعبيراً ووجدانية من لو استعمل جاءك أو أتاك أو غيرها لأنها تبين عن فعل مادي فقط لكن لا تحمل معنى المحبة فهي قد تكون من محب أو غيره. (زارك على صدق العهود) فالشاعر يعلل زيارته للشيخ زايد بسبب ما يتمتع به من حفظ للعهود وصدق فيها.. فالإنسان الذي تلك صفته تهواه النفس وترغب زيارته بعكس ناقض العهد وكاذبه فتتجافاه الأنفس وتكره زيارته. (وتمنّاك قلب) والتعبير بقلب يبين عن مدى عشق الشاعر لممدوحه لأن القلب موضع المحبة وموطن الشعور.. وهذا أبلغ في التعبير والإيحاء مما لو صوّر زيارته بشخصه أو ذكر الزيارة مجردة لكن ربطها بالقلب تعكس نبض الشعور والإحساس الصادق بهذه الزيارة. وربط الصدق بالعهود لبيان أهمية الوفاء وحفظ العهود ولم يفرد العهد (صدق العهد) وإنما جاء به على صيغة الجمع (صدق العهود) لبيان أن كل عهوده صادقة محترمة عنده لا ينكث أو يخلف في واحد منها.. ولأن الرجل لا يختبر من صدقه في عهد واحد وإنما من عهود كثيرة تعطي اليقين الصادق في الحكم الصحيح عليه لذلك جاء بالعهد مجموعاً (العهود.). (وتمنّاك) ولو لم يأت بها لتصور القارئ أن زيارته له كافية لتحقيق رغبته فيه.. لأن بالزيارة يطفئ الإنسان لهيب شوقه وحرّ محبته ولكن جاء الشاعر بعد ذلك بقوله (وتمنّاك) بمعنى أن قلبه لا يزال معلقاً به..والتمنّي هو طلب حصول الشيء البعيد فكأنه مهما كثرت زيارته له فإنه لا يزال يتمناه ويرغبه ولا يشبع منه أبداً. ولم يذكر أنه تمنى شيئاً منه وإنما جعل مناه منحصراً فيه كله دون تخصيص.. لأن الغالي عليك يبقى كله مني لك ولا تستطيع أن تفرد خصلة فيه دون أخرى. ملامح بلاغية ولم يقل تمنّاك قلب الشاعر وسكت وإنما أضاف جديداً على هذه الأمنية وهي أنه أغلى من الدنيا عنده فلو انتهت الدنيا فلا مشكلة عنده حيث يبقى ممدوحه لديه.. وهل يبقى منه ما لم يحصّله منه.. لا إنما يتبدى به من جديد أي يتجدد شوقه إليه كل لحظة فما أن يكاد ينتهي بانتهاء الدنيا حتى يبدأ من جديد أقوى من السابق.. وذلك لتأكيد معنى الشوق إليه.. وفي هذا التعبير لفتة وملمح بلاغي فما تكاد تنتهي الدنيا حتى يبدأ الشوق من البداية - فتنتهي في جهة ويبدأ في جهة أخرى. شفتك وشفت الناس دونك ومعناك صاب المعاني وِاقْصَرَتْ ما تصيبك (شفتك) قدم ممدوحه على الناس لدلالة مقصودة وهي أهميته عنده ولأنه في الموضع الذي يتقدم غيره حتماً (شفتك وشفت الناس) شفتك مفرد وشفت الناس جمع وكان بإمكانه أن يقول وشفت غيرك ولكنه تعمّد أن يأتي بصيغة الجمع لكل الناس لبيان أنه وحده في كفة والناس كلهم في كفة أخرى وهذه ميزة للشيخ زايد أنه يساوي الناس جميعاً ولكن الشاعر لم يكتف بذلك وإنما صوره أنه أفضل منهم جميعاً ولم يقل ذلك صراحة وإنما أتى بصيغة توحي بمدى هذه الأفضلية حيث جعل الناس دونه أي أقل منه.. والتعبير بدونه لبيان بعد الشقة بينه وبينهم لأن الدونية هي التحتية المعنوية والمكانية. وأراد الشاعر أن يبيّن في هذا البيت سبب أفضلية ممدوحه على الناس وهي معانيه الطيبة ولم يجمع الشاعر المعاني هنا وإنما أتى بها مفردة (ومعناك) وفي هذا إشارة الى مدى ما يتمتع به من معان بحيث يكون معنى واحداً فيه يصيب المعاني كلها ويستجمعها في شخصه.. فما بالك إذن بجميع معانيه إن كان معنى واحداً منها كذلك إنها لتجلّ عن الوصف والحصر (ومعناك صاب المعاني) وصاب المعاني.. أي نفذ إليها والإصابة عادة ما يعبّر بها عن بلوغ الهدف.. ويريد الشاعر أن يقول إن معنى واحداً من الشيخ زايد أصاب كل المعاني.. وهي مجموعة قصرت عن بلوغ معناه أي عن معنى واحد من معانيه .. وتعبيره (واقصرت) لمعنى مراد وهي أنها أقل من أن تصل إليه فقد أصابها من القصور ما ونى بها عن بلوغه. وقوله (ما تصيبك) نفي من أن تبلغه وهي في موضع التأكيد لتميزه وتفرّده عمن سواه. ويومٍ بدا لي الشّعر ما يدرك أقصاك دوّرت في وصفك أمورٍ تعيبك أي أنه قد وضح للشاعر وضوحاً لا ريب فيه أن الشعر أقل من أن يستوعب خصال الشيخ زايد. وقوله (ما يدرك) نفي مطلق.. أي لا يمكن له أن يدرك.. ويدرك معناه يحيط بخصاله وصفاته. وقوله (أقصاك) أي لا يمكن أن يبلغ نهاية صفاتك وإنما هو يتناول القريب منها فقط فهي كثيرة لا تحصر ويستعصي على الشعر أن يلم بها ويدركها.. والإدراك هو الإحاطة والمعرفة الكاملة. (بدا) جاء بها الشاعر لتأكده من وضوح ذلك له ولو جاء بكلمة أخرى كأعتقد أو غيرها لم يكن لها هذه القوة في المعنى. (ويوم) جاء به نكرة ليعمّ الأيام كلها لأنه لو قال اليوم معرفاً فقد يكون هذا اليوم الذي نظم الشاعر فيه قصيدته ولكن لا يبدو له في أيام أخرى لذلك جاء به نكرة لعموم معناه ليشمل كل الأيام. (الشعر) ولم يقل شعري لأنه قد يبدو له شعره وحده أنه قاصر لم يبلغ مدى ما يتمتع به الشيخ زايد من صفات دون شعره غيره الذي يمكن أن يبلغ مبلغاً لم يصل إليه شعره.. لذلك جاء بالشعر مجرداً دون أن ينسبه له ليعمّ شعره وشعر غيره وجاء به معرفاً ليستغرق جميع فنون الشعر.. ويومٍ بدا لي الشّعر ما يدرك أقصاك دوّرت في وصفك أمورٍ تعيبك وذلك لتحديد أن هذا حكمه هو نفسه أي أن الشاعر بدا له أن الشعر قاصر عن بلوغ غاية الشيخ زايد فبدا الشاعر عاجزاً عن قول شيء يضيفه الى ممدوحه فوق ما به أو يفنّد ما به من خصال وخصائص فأخذ يبحث عن معايب الممدوح.. أي أن ممدوحه كملت صفات مدحه فليس هناك ما يمكن أن يضيفه الشاعر إليه. (دوّرت) تعني في العامية عندنا البحث بدقّة وتأخذ معنى التفتيش أي أخذت أفتش في أوصاف تعيبك علّني أجد شيئاً منها وهذا تعبير دقيق يوحي ببلوغ ممدوحه درجة المثالية لأنه ليست هناك صفة من صفات المدح غير متوفرة فيه.. (ودورت) للتدليل على أنه ليس هناك من صفات ظاهرة تعيبه لذلك استعمل الشاعر دوّرت لأنها لو كانت قريبة أو ظاهرة فلا داعي لاستعمال كلمة دوّرت أي فتّشت لأن التفتيش يكون عمّا هو في السرّ والخفاء للوصول إليه. فهو يغوص في أعماقه ويفتش في دخائله ودقائقه وأسراره.. وجاءت دوّرت بالتشديد لتأكيد معنى البحث والاستقصاء. (أمورٍ تعيبك) جاء بها الشاعر نكرة ويقصد بها أي أمور تعيبك أي أنه أخذ يبحث عن أي شيء يمكن أن يشم منه رائحة عيب للمدوح.. وإذ لم يجد الشاعر شيئاً منها وهو راغب في أن يجد شيئاً سوى أن تنقلب محاسنه في عين الشاعر الى عيوب بسبب أن الصفة لم تكن عادية وإنما بالغ بها الممدوح الى درجة أن أصبحت كالعيب وذلك هو أقصى غاية المدح والإطراء له. الصدق في المحيا واذا بصدقك واضحٍ في محيّاك واذا الشهامة والشرف تنتخي بك وأول حصيلة يستجليها الشاعر في ممدوحه مما يعدّها من عيوبه الصدق الواضح فيه.. فقد يكون الإنسان مفعماً بالصدق يبين ذلك من حديثه لكن أن يبين الصدق من محيّاه فتلك غاية بعيدة فيه لا يطاولها غيره معه.. أي أنه بلغ به الصدق مبلغاً يكتشفه الإنسان فيه من أول نظرة إليه أو لقاء معه إذ يفضحه محيّاه وينمّ جبينه عن خاصيّة الصدق فيه.. وكيف يمكن أن يشي محيّا الإنسان بصدقه ما لم يكن قد تشبّع بالصدق الى درجة عرف بها وطارت شهرته في الآفاق. (وإذا الشهامه والشرف تنتخي بك) قلب الشاعر المعنى وعكس الصورة فعادة ما يوصف الرجل بالشهامة والشرف أما أن تقلب الصورة فيجعل الشاعر الشهامة والشرف تنتخي بالشيخ زايد فذلك وضع فريد ومتميز أن يكون الممدوح مطمح الشرف والشهامة. وانّك بخيل بعرضك وما تحدّاك حدٍ لأنّه يدري أن ما يصيبك البخل لا شك عادة مذمومة لكن الشاعر هنا قلب معنى البخل وعكس إيحاءه فالبخل بالعرض مدح ونخوة.. وجاء الشاعر بأن التوكيدية (وانّك) لتأكيد معنى بخله في هذا الشأن أي أنت بخيل الى أقصى غاية البخل بعرضك. (وما تحدّاك.. حدٍّ لأنه يدري أن ما يصيبك) يذكر الشاعر أنه ليس هناك من متحد لممدوحه لأن المتحدي يدرك بداية أن لا قدرة له عليه فيحجم عنه. وقوله (يدري) أي يعلم علماً أكيداً فالدراية هي الإحاطة التامة ولو استعمل كلمة أخرى بدل يدري لما أدت المعنى المقصود الذي تؤديه كلمة يدري. وقوله(حَدٍ) جاء به نكره ليستغرق عموم الناس أي لم يتحداك أحد منهم مهما كان. (وما تحدّاك.. حدٍ لأنه يدري أن ما يصيبك) أي ذلت قوته وخارت عزيمته لأنه لم يجد سبيلاً ينفذ منه إليك.. وهذا أبلغ من لو عبر بأنه لم يتحداك أحد وسكت ولكن بلاغة القول هنا تأتي بأنه لم يتحداك أحد لأنه بحث عن خلّة فيك ينفذ منها إليك فلما لم يجد مطعناً فيك عجز عن تحديك فتلك غاية من الوصف ودقة في التصوير.. أي أنه لما علم بعجزه وعدم قدرته على أن يصيبك ذلّ فلم يتحدّاك. وانّك تخاف ولكن تخاف مولاك ربّك لذي تعلم بأنّه حسيبك ويرى الشاعر في ممدوحه مفخرة خوفه من ربه دون غيره وجاء بها على صيغة الاستثناء (لكن تخاف مولاك) أي صفتك العامة الشجاعة يستثني منها خوفك من ربك.. وتلك قمة الشجاعة وغاية القوة. وأكّد خوفه بأنّ التوكيدية(انّك تخاف) وجاء بصيغة مولاك في الشطر الأول ثم أعقبها في الشطر الثاني (ربك) وذلك للتأكيد أيضاً على خوفه من اللّه تعالى.. ولمعنى ثان أيضاً بأن ترديد الاسم مرتين في بيت واحد دلالة على مدى الحب والعشق الذي يحتله ذلك الاسم في قلبه لأن من هو غال عليك يلتذ لسانك بترديده.. لذلك جاء الشاعر بلفظ الجلالة مرتين في هذا البيت ( مولاك - وربك) وانّك ظلمت الدهر ما جاب شرواك كيف الدهر مَرّة قدر أن يجيبك ويرى الشاعر أن ليس بممدوحه من ظلم سوى أنه ظلم الدهر حين عقم فلم يلد شبيهاً له.. فهو واحد متميز فريد لا مثيل له. وجاء الشاعر بالدهر عاماً ليبين منه عموم الدهر في مختلف أوقاته لأنه لو قال الدهر الماضي أو الحاضر لاقتصر على ما ذكره منه فقد يكون فيما لم يذكره منه من هو شبيهه أو أفضل منه.. لكن الشاعر جاء به عاماً قاصداً جنس الدهر في أي زمن منه وتلك بلاغة ومضمون عميق. وجاء الشاعر بأن التوكيدية لتأكيد علمه بأن الدهر لم يأت بشرواه أي مثيله. ويتعجب الشاعر في شطره الثاني من قدرة الزمان الذي عقم أن ينجب نظير صاحب السمو الشيخ زايد كيف تسنّى له مرة أن يأتي به ذاته وذكر (مرّة) ليبين أن ما جاء به كان لمرة واحدة دون تكرار منه وفي ذلك إعلاء من الشاعر لقدر ممدوحه ورفع لمنزلته الى درجة عالية من التفرّد عن المثيل والمشابه.. وفيه تعجب من الزمان أن استطاع أن يأتي به.. أي أنك غير متصور مطلقاً لذلك عبر الشاعر (كيف الدهر مرة قدر أن يجيبك) فقد بلغ الممدوح من الغاية المثلى ما يجعل الشاعر يتعجب من هذا الزمان الذي استطاع أن يأتي به مرة فكأن الإتيان به معجزة كبيرة. فضائل ومزايا وانّك جلبت لْنَا الحسد من عرفناك عليك محسودين أنّا نصيبك محسودون عليك لأن كنا من نصيبك دون غيرنا.. أي كانت تطمح فيك شعوب وتتمنّاك أمم ولكن شاء القدر أن نكون من نصيبك مما جرّ علينا الحسد على ما أصابنا من نعمة قيادتك وزعامتك لنا. وشفتك قليل الصبر والناس تخشاك إذا ظهر ظلم وبدا ما يريبك فقلّة الصبر منقصة وعيب لكنها تصبح فضيلة وميزة تجاه الظلم والظالمين.. أي أن صاحب السمو الشيخ زايد حكيم يتحلّى بالصبر والتأني إلا إذا رأى ظلماً فإنه يفقد صبره ويثور. ونكر الظلم (إذا بدا ظلم) لبيان أي ظلم يراه من أي نوع كان وبأي مقدار كان دون تخصيص لأن في ذلك ما يغضبه ويثيره ويفقد تجاهه صبره ورويّته.. وتلك ميزة من ميزات القائد العادل وطهارة نفسه. ولم يقصر الشاعر غضبه وقلة صبره على الظلم فقط وإنما إذا رأى ما يريبه من منكرات الأمور.. والريبة هي الشك أي أنه يغضب لمجرد الشك والريبة في مثل هذه الأمور الشائنة لأنه نظيف لا يطيق الصبر على ما يخدش طهارته وتلك من صفات مثاليّة الممدوح. (وشفتك) معنى الشوف هنا المعرفة والخبرة.. والتعبير بالشوف لمعنى بلاغي أي أن ذلك أصبح واضحاً لدى الشاعر كأنه يراه رأي العين. وأضفى عليه أيضاً صفة خشية الناس من غضبه حين يرى ظلماً أو ما يريبه.. لأنه ليس كل من يغضب يخشاه الناس ولكن جمع الشاعر له مع صفة غضبه عندما يرى مقتضيات غضبه خوف الناس من غضبه.. وهذه من ميزة انتصاره للحق ونفوره من الظلم ومحاربته عندما تبدو له ريبة. وكونك بشر إن كان هذا بيشناك ما في البشر مثلك بعيد وقريبك فليس هناك من يشابهك في البشر بعدوا عنك أو قربوا منك وقد يتصور أن خصاله قد يرثها من أسلافه أو يورثها لنسله فيكون مثيلاً لأسلافه أو مشابهاً لخلفه.. لكن الشاعر هنا يضفي عليه صفة التميز والتفرّد عن مشابه له في البشر حتى ولو كانوا قريبين له من دمه ولحمه سلفاً كانوا أو خلفاً.. فهو معلم واضح ومنارة بارزة لا يطاوله أحد غيره.. ولأن الشاعر في بيت آخر وصف الدهر بأنه لم يأت بأحد غيره وإنما جاء به مرة واحدة وكفى.. والشاعر يعلنها صريحة هنا أن ليس له مثيل مطلقاً حتى في أقرب أقربائه (بعيد وقريبك) (كونك بشر إن كان هذا بيشناك) تقرير بأن بشريته لا تشينه مطلقاً لهذا قال ان كان هذا بيشناك من باب السخرية.. لأن بشرية الإنسان مصدر كرامة له وشرف دون أدنى جدال. وفي الأبيات الأخرى كان الشاعر يأتي بما يصوّر أنه عيب ويقلبه الى ميزة أكثر مما لوذكر هذه الميزة بداية.. وهذه طريقة ذكية ومبالغة في المدح ولكنه عندما ذكر (وكونك بشر) في هذا البيت لم يأت بما يقلبه الى ميزة كما يفعل في الأبيات الأخرى وإنما ذكر قوله (إن كان هذا بيشناك) أي ليس في كونك بشر ما يشينك لأنه ليس بعيب. وذكر في الشطر الثاني (ما في البشر مثلك بعيد وقريبك) وفي هذا تأكيد على كونه بشر في الشطر الأول ويأتي المدح له هنا بأنه ليس في البشر من يشابهه من بعيد أو قريب. وكم تنغلب لكن سياسه وبرضاك ويْغَلبك الظبي الذي يحتمي بك لا يغلبك أحد مهما بلغت قوته ولكنك كثيراً ما تتصنّع الهزيمة سياسة ورضى منك.. وأكثر ما يغلبك الظبي الذي جاء يحتمي بك..وهو كناية عن عشق الشيخ زايد للرقة والجمال. وانّك إذا ترضى وتغضب جهلناك في حالتيك العدل لانّه طليبك تغضب للحق وترضى للحق ولا يمكن أن يميل بغضبك جور على حق أو رضاك ضياع لحق وإنما أنت محكوم في حالتي رضاك وغضبك بميزان العدل الذي هو مبتغاك وهدفك.. وقد عبر عن ذلك بقوله (لأنه طليبك).. وما أجمل تعبيره وأرق بيانه في قوله (في حالتيك العدل) تعبير موجز بليغ لكنه كبير المعنى كثير الفِكَر والمضامين. ولماذا نسب الشاعر العدل إليه في هاتين الحالتين.. لغرض أن الإنسان في هاتين الحالتين بالذات يكون عرضة لطغيان العواطف والميول الرضائية والغضبية والإنحراف بالعدل عن وجهته من الجور في حالة الغضب أو اللين ومجافاته في حالة الرضى لذلك ذكرهما الشاعر دون غيرهما لأهميتهما. (وانك إذا ترضى وتغضب) فقدم الشاعر رضى الشيخ زايد على غضبه لبيان مدى طيبه وأن الأصل فيه الرضى لكن الغضب طارئ عليه عند حدوث موجبة. وتكتم معاناتك وياكم ظلمناك ما نْحِس بهمومٍ سَرَتْ تلتظي بك تحمل همومك وتكتم معاناتك حتى أنه لا يكاد يشعر بها أحد.. تتصنّع الراحة وتتجمل بالطمأنينة لأنك لا تريد أن تشغل بمعاناتك أحداً غيرك.. لا يدري الناس بما تطوي عليه سرائرك من هموم تحترق بأعماقك وتتلظى بداخلك كالنار المشتعلة ونحن مخدوعون بأمر ظاهرك عما أنت فيه من معاناة فنحسبك خالياً من الهموم.. ويرى الشاعر أن انشغال الناس وعدم احساسهم بهموم الشيخ زايد التي يكتمها عنهم ظلم منهم له ان كانوا غير مدركين لكنه معاناته وهمومه. المعاناة والمواساة وفي المعاناة التي يتحملها الشيخ زايد من أجل بلده وسعادة شعبه ما يرفع ويبرز خاصيّته.. وقد يلاقي الإنسان في إظهار معاناته للغير ما يخفف من وطأة ثقلها عليه بمواساتهم له.. وقد يكون في حديثه عنها تنفيس عن وقع عبئها عليه أو أنه باظهارها يسمع من الثناء والإطراء ما يرفع معنوياته ويقوي من طاقته ويشدّ من عزيمته.. فكل ذلك أو شيء منه يساعد الإنسان على التخفيف من معاناته.. بينما يكون وقع الشدة ثقيلاً عليه عند كتم المعاناة وعدم البوح بها لذلك عبر الشاعر عن حال الشيخ زايد بقوله: (وتكتم معاناتك) وفي كتمها ما يبين أيضاً عن خاصيّة الإيثار فيه للغير على النفس.. فالذي يبذل ذلك الجهد الكبير والعمل المضني ويتحمل عبء معاناته لوحده ويبقيها طيّ نفسه دون أن يشكو أو يبديها للغير ففي ذلك قمة الإيثار والإخلاص ومن يفعله لا يريد صيتاً ولا شهرة وإنما يطمح للأجر والثواب لأن في إظهاره تقليلاً من ثوابه فهو يريد أن يتحمل بصبر وسرّ حتى يكمل له الأجر.. ومن شدة صبره وتحمّله يبقى أمر معاناته سراً في أعماقه لا يطلع عليه أحداً فلا يكاد يبين أثرها عليه حتى أنه لم يتسنّى لأحد حتى المقربين إليه أن يحسّ بما يعتمل بداخله لفرط تكتمه وحرصه أن يظل ذلك بعيداً عن أعين الناس لذلك عبّر الشاعر عن محاولة معرفة أمر هذه المعاناة بقوله (ما نحس) أي لم نشعر بها فالمعاناة التي تكون نتيجة هموم تتلظّى في نفس الشيخ زايد تكون كبيرة جداً وكتمها أكثر إيلاماً حتى أنه من شدة كتمانها لم يترك لأحد فرصة كشفها أو الشعور بها فجاء تعبير الشاعر عن ذلك بقوله ( مانحس) وانّك سريعٍ في الغضب لاعدمناك إذا المعادي طمع وامسى عطيبك ذكر في بيت سابق أنه قليل الصبر عندما يرى ظلماً أو يشعر بريبة وعبّر هنا عن ذات الخاصية بشكل آخر من التعبير (وأنك سريعٍ في الغضب) وهذه السرعة تكون نتيجة طمع العدو. (لا عدمناك) دعوة له بطول العمر وتعبيره (إذا المعادي طمع) يفيد أن ثورة الشيخ زايد وغضبه لا تبدأ حين ينتهك الأعداء أرضه وحرماته وإنما يكون ذلك منه بمجرد طمع العدو وذلك لفرط الحفاظ على الأمانة التي تحمّل مسئوليتها.. (وأمسى عطيبك) نتيجة مترتبة مباشرة على مجرد طمع العدو لا يسلم منها مطلقاً.. (عطيبك) من العطب ويعني بها الهزيمة هنا.. فبمجرد طمع العدو يمسي عطيباً خاسراً خسارة فادحة.. وإتيانه بلفظ أمسى لتناسب العطب مع الظلام الذي يأتي به المساء وهي أبلغ وأصح تعبيراً من أضحى أو أصبح لعدم تناسبها مع الهزيمة حيث أن المساء هو بداية الظلام وانتهاء النور كذلك الهزيمة بداية الدمار والخراب الذي يناسبه مضمون الظلام. وياكم بتتعبنا إذا احنا تبعناك سيرك صعود وكلنا نهتدي بك فالشيخ زايد صعب المراس بعيد مرمى النظر والهدف ومن أراد أن يتبع خطواته أجهده التعب وأضناه التتبع لأن سير زايد دائماً صاعداً الى المعالي (سيرك صعود). فتعبيره (صعود) لبيان مدى ما ينتاب الصاعد من تعب غير ما يكون عليه النازل من يسر وسهولة ولكن الشاعر صوّر صعود الممدوح بقوله (سيرك صعود) فسير لبيان مدى سهولة الطريق له حيث يكون صعوده سيراً دون عناء. (سيرك صعود) السير هو المشي بسهولة فكأنه أراد أن يصور صعوده إلى المعالي بيسر وسهولة لذلك جاء بكلمة (سير) وإلا كان بإمكانه أن يقول (صعودك). (وكلّنا نهتدي بك) ذكر ذلك لأن الحديث عن السير في المناطق الوعرة التي تتيه بالإنسان فيريد له هادياً يدلّه على المسالك فيها بعكس قوله في مكان آخر (نقتدي بك) لأن القدوة أن ترى في إنسان ميزات معينة فتريد أن تجعله قدوة لك تقتدي به في كل شئونه. وتعبيره بياكم لبيان كثرة التعب الذي يحصل لنا من جرّاء متابعته وعندما عبّر الشاعر عن ذلك لم يقل (بتتعبني) وإنما قال بتتعبنا لأن الفرد قد لا يستطيع أن يلحق بمن هو أفضل منه ولكن الجموع إذا أتعبها اللحاق بواحد ففي ذلك الواحد ميزة وأفضلية على الجموع المتعبة في اللحاق به.. فطرفا المعادلة شخص مقابل جموع أو شعب يتعب في اللحاق به فتأتي الميزة له هنا من ناحيتين أنه شخص وهم كثير ثانياً لأنه يقدر على ما لا يقدرون عليه فإن تبعوه تعبوا لأن سيره دائماً صعود للمعالي.. والميزة الأخرى أن الجميع يهتدي به ويتبعه لكونه قائداً محبوباً. الكرم والجود يخشى الفقر من كان يعطي عطاياك ياذا المطر لي ما يونّي صبيبك أي أن من يعطي عطاياك يخشى الفقر والفاقة ويفهم منه أنهم بقدر ما يخشون الفقر لو أعطوا ما تعطيه بقدر ما تنفق وتجود به ولا تخشى فقراً ولا قلة وإنما يغدق الله عليك من خيره ونعيمه. وتعبيره (عطاياك) مجموعة وكان بإمكانه أن يقول عطاءك ولكنه جمعها لبيان مقدار ما يعطيه وكثرة ما ينفقه. (يا ذا المطر لي ما يونّي صبيبك) ولو وصفه بالمطر لتحقّق المقصود من بيان كثرة كرمه ولكنه أضاف على المطر (لي ما يونّي صبيبك) لأن المطر قد يتوقف أو يكون خفيفاً ولكن الشاعر أراده مطراً منهمراً قوياً في هطوله لذلك وصفه بالمطر الذي لا يونّي صبيبه. وهذا من الأبيات الجميلة في القصيدة وأكثرها رقة ورومانسية ووجدانية.. وتعبيره (ما يوني) تدليل على كثرة المطر وتواصله وأبلغ مما لو قال ما ينقطع مثلاً لأنه لو جاء بكلمة غير ما يونّي لما كان لها هذا المعنى القوي والجميل.. فما يونّي لكثرته وتواصله. (وصبيبك) أي يصبّ صبّاً دون انقطاع وتعبيره بذلك لبيان أن المطر كان بكثرة كالمياه المصبوبة.. فالمطر ينزل وقد يتوقف أثناءه ثم يعود ولا ينفي عنه معنى ما يوصف به الكريم بأنه كالمطر ولكن هنا أراده الشاعر مطراً متدفقاً متواصلاً لا يتوقف ولا يخفّ ليستوعب صفة كرم الشيخ زايد الموصوف به. وفي نهاية البيت قال (صبيبك) ولم يقل صبيبه أي للمطر.. ولقد صور الشاعر الشيخ زايد بالمطر (يا ذا المطر) أي أنت المطر ذاته ولم يشبهه بالمطر حتى لا يبدو أقل منه هطولاً ونفعاً فناسب أن يقول (صبيبك) والبيت في شطريه منفردين أو مجموعين من أجمل وأورع الشعر اسلوباً وألفاظاً ومعاني.. وكل شطر يستقل بمعناه عن الآخر ويمكن أن يستعمل في موضعه كالحكمة وإن جمعا معاً كانا أروع بياناً ومعنى وجمالاً. فالشطر الأول يحمل دلالة على الكرم الزائد عن الحدّ الذي يخشى منه الفقر ومعناه أن غيرك لو كان يعطي كما تعطي لخشي الفقر لأنك تبذل دون حساب وكأنك تغرف من بحر. وفي الشطر الثاني أنت المطر في عطاياك حال كونه متدفقاً لا يتوقف. واذا نخالف غصب عنّا وصاياك من هو الذي به حيل يورد جليبك يبين هذا البيت أن الناس لا يمكن أن تخالف وصايا الشيخ زايد وعبّر عنها (وصاياك) ولم يقل مثلاً أوامرك لأن الأوامر مفروغ من وجوب تنفيذها وعدم التباطؤ فيها أما الوصايا فتدخل في تنفيذها رغبة الإنسان نفسه واختياره لأن ليس بها من إلزام سوى الناحية الأدبية فقط.. لكن الشاعر يرى هنا أن وصايا الشيخ زايد يجب تنفيذها كأنها أوامر صادرة لا يمكن مخالفتها وذلك لمدى محبة الناس له. والمخالفة التي تحدث عنها في البيت لوصايا الشيخ زايد كانت غصباً عن الشاعر وان حدث هذا فمن ذا الذي يملك القدرة الى أن يرد قليبه أي بئره خوفاً من ناحية وتحرجاً من ناحية أخرى. وانّه ينقّصنا بلا نقصْ يغشاك إذ ما نروم فْ كل شي نقتدي بك ويعتبر الشاعر أن عدم القدرة على الاقتداء بالشيخ زايد هو ذاته نقص في حقنا وقصور منا (انّه ينقّصنا) (بلا نقص يغشاك) دعاء له بالكمال وبقاؤه في مكان القدوة والأفضلية. ويرى الشاعر في الشيخ زايد المثل والقدوة التي يجب علينا أن نقتدي به في كل شيء وإننا إذا لم نقتد به فإن ذلك يعيبنا ويورثنا نقصاً فعبر عنه (ينقّصنا) بالتشديد لتأكيد هذا النقص ولم يرد الشاعر منا أن نقتدي به إجمالاً وإنما في كل شيء من أموره التفصيلية (ان ما نروم ف كل شي نقتدي به). وتعبيره (ف كل شيء) لبيان أن الإنسان الذي تبقى أفعاله كلها موضع القدوة إنسان كبير بلغ الغاية المثلى بحيث يتيح للناس أن يقتدوا به في كل شيء من أموره دون تخصيص.. ولبيان أنه ليس قدوة في فعله أو قوله أو فيهما معاً وإنما في كل شأن من شئونه صغر أم كبر وهو ما عبر عنه (في كل شيء). وتعبيره (نقتدي بك) أبلغ وأكثر إجلالاً للمدوح من لو قال (نقلدك) أو نعمل مثلك أو غيرها لكن أراد أن يجعله في موضع القدوة وفي ذلك بيان لرفعة منزلته التي هو عليها بحيث يصبح في مكان القدوة لكل الناس. يا من إذا ضاقت على الناس الافلاك تلقى العرب عند الخطر تلتجي بك تعبيره (يا من) فيه وجدانية وانجذاب ومحبّة بالغة (إذا ضاقت على الناس لافلاك) أي بلغت الشدة أقصاها ولم يهد البحث الى ناصر ومعين من البشر حتى ضاق الكون على الناس.. وضيق الكون على رحابته تصوير دقيق لاستحكام حلقات الشدّة وصعوبة الموقف وتعبيره (على الناس) أي على جميع الناس دون استثناء أحد منهم وذلك لبيان شدة الخطر الذي عمّ الناس جميعاً. (تلقى العرب تلتجي بك) أي تستنجد العرب بك.. فلماذا اختار كلمة العرب واختار قبلها في الشطر الأول الناس.. لقد كان ذلك منه لدلالة مقصودة ومضمون بليغ.. لأن الشدّة تعمّ الجميع فعبر عن ذلك بالناس.. ولكنه عبّر عن عقلاء الناس وأهل الرأي فيهم بالعرب الذين عند تحقق الخطر يلتجئون بالشيخ زايد.. والعرب كما نعلم ليس كل الناس وإنما فئة منهم وهم سنامهم وأفضلهم لأنهم حملة الدين وحفظته في بداية عهده فكانت لهم هذه الميزة والأفضلية على سائر الناس لذلك عبّر عن الفئة الحكيمة المتدبرة للرأي من الناس بالعرب بجامع الخصوصية والتميز في كليهما فالعرب هنا للدلالة على حكماء الناس وأهل الرأي والمشورة فيهم وليس جنس العرب لأنه لو أريد به ذلك لفقد المعنى الصحيح.. وفيه أيضاً ابراز لمنزلة الشيخ زايد وإظهار لمدى ما يتمتع به من عقل وحكمة وتدبير وشجاعة بأن يلتجئ به أولئك المتميّزون من عقلاء العرب ويسلّمون أمرهم إليه في مثل ذلك الخطر المحدق أي حين يعجز أهل الرأي والحكمة عن تدبير شئون الناس في أخطر وقت يأتون إليه ليأخذ على عاتقه العبء بدلاً منهم.. ففي ذلك إظهار لخاصية القيادة والزعامة فيه وتعبيره (تلقى العرب) أي تجد العرب تلتجئ بك واختار كلمة تلقى لمعنى قوي أي أنك وجدت العرب حقيقة تلتجيء به وتعبيره بالمضارع (تلقى) لإفادة الاستمرارية أي ولا يزالون. وذكره عند الخطر لبيان نوع الشدة التي وصلت الى درجة الخطر.. ولبيان دقة الوقت وصعوبته بحيث لم يجد العرب سبيلاً آخر لهم سوى قصد الشيخ زايد.. ولو عبر تلقى العرب تلتجي بك لما كان له هذا المعنى المتميز لأن قصد إنسان في غير وقت الخطر ليس له تلك الأهمية لكن أن يلتجئ عقلاء القوم ومدبرو أمرهم الى الشيخ زايد وقت الخطر وعبر عن ذلك (عند الخطر) أي عند تحقق الخطر فلهذا معنى ودلالة كبيرة وتصوير بليغ لما يمثّله الشيخ زايد من أهمية وعلّو في مجتمعه. الفطنة والحكمة والتدبير وهنا ملمح لعلني أكون فيه قد أصبت هدف الشاعر.. وهو لماذا عبّر بتلتجي بك ولم يقل تلتجي لك رغم أن تلتجي لك يستوعبها سير النص الشعري دون كسر للوزن أو القافية فلماذا يا ترى عدل عن لك الى بك.. أرى أن ذلك لسبب مهم جداً.. فتلتجي لك هي من خصوصيات الإله الذي تلتجيء إليه الناس وحده دون غيره وقت الشدّة أما تعبير الشاعر عن الشيخ زايد بتلتجي بك أي يستنجد العرب بمشورته وتلتجي بحكمته وبعد رأيه وفطنته وغير ذلك من خصائص طبعه وعلمه وتجاربه لأن تتغلب على الخطر وتفك أزمته.. أي حين يدلهم الخطب ويحدق الخطر بالناس لا يجد عقلاؤهم إلا الاستعانة برأيك وتدبيرك. وتعبيره (ضاقت على الناس) أي جميع الناس فذلك وصف لغاية الشدة بأن يضيق الكون بما رحب على جميع الناس دون استثناء أحد منهم. وصدّر الشاعر البيت بقوله (يا من) ولو حذفها واقتصر على قوله (إذا ضاقت على الناس) لما تغيّر معنى البيت أو نقص منه شيء ولكمل به المعنى.. ولكن ذكره يا من في صدر البيت لتقرير النتيجة من البداية أي أنت الذي تقصده الناس عند ضيق الأفلاك لا غيرك من البشر. ما غَرّتك نفسك ولا وسع دنياك يا كثر معروفك وياكثر طيبك (ما غرتك).. فالغرور عادة ما يكون إذا بلغ الإنسان غاية كبيرة من دنياه.. ورغم ما أصابه الشيخ زايد من جاه ومال ودنيا عريضة واسعة لم يغتر وإنما اختار لنفسه حالاً من البساطة والتواضع.. أي أنه ملك مقتضيات الغرور لكنه باعد نفسه عنه لذلك عبر الشاعر عن ذلك بقوله (ما غرّتك نفسك). وتعبيره (ما غرّتك نفسك) ولم يقل دنياك التي هي سبب الغرور الذي يمكن أن يصيب الشيخ زايد لبيان أن النفس هي موضع غرور الإنسان لذلك ذكرها هنا (ما غرّتك نفسك) ووصف نفس الشيخ زايد بذلك يعني بيان تواضعها وصفائها.. وقد يفهم القارئ أن النفس مجرّدة لا تغرّ فقد تعيش في حال غير مؤهلة للغرور فما في ذلك مدح لها ولينفي من الذهن هذا التصور جاء بتعبير (وسع دنياك) أي دنياك الواسعة المنعّمة.. ولم يقل الشاعر الدنيا لأنه قد لا يرد على الدنيا من النعيم والوسع ما يجعل الإنسان يغتر لذلك ذكرها منسوبة إليه (دنياك) لأن دنيا الشيخ زايد بها من أسباب النعيم والرفاهية ما يمكن أن تدعو للغرور أي لم يغتر بنفسه وما تحقق له ولا بما يعيشه في دنياه من نعيم وجاه. تعبير الشاعر (وسع دنياك) تعبير جميل مختصر فكلمة واحدة تدخل فيها معاني كثيرة وصور عديدة من أسباب النعيم والرفعة والتمكين. ولم يقل الشاعر (دنياك) لأنه يقصد دنيا الشيخ زايد في حال وسعها ونعيمها وهي المقصودة هنا لأنها داعية الغرور والكبر فقال (وسع دنياك) فلم يقصد جميع دنيا الشيخ زايد وإنما دنياه حال نعيمها وسعتها. (يا كثر معروفك) لم يغتر في نفسه ولا في دنياه وتلك من محامده وقد يكون الإنسان كذلك ولكنه يكون قاصراً عن بلوغ مرام الكرم وغاية الجود لذلك عبر الشاعر عنه (يا كثر معروفك) أي ما أكثر عطاؤك.. وتعبيره بياكثر للدلالة على أنه جواد كثير الكرم أي بلغ الغاية في الكرم.. وقد يكون مع الكرم خلة من الغلظة والنفور أو أنه مع كرمه عادي في طيبه مع الناس لكن الشاعر أراد أن ينفي من ذهن القارئ أي شيء من هذا المعنى فقال (ياكثر معروفك وياكثر طيبك) للمبالغة في هاتين الصفتين. وكيف السحاب اللى تجرّا وتعلاّك جارك وسامحْ زلّته ما تريبك (كيف) سؤال للاستغراب فالشاعر يستغرب كيف يتجرأ السحاب ويعلو الشيخ زايد.. وجاء بكلمة (تجرّا) لبيان أن علو السحاب تجرأ منه وأخذ حق ليس له وإلا كان يجب عليه أن يكون في موضع أنزل وأدنى منه.(جارك وسامح زلّته ما تريبك) واعتبر الشاعر أن هذا التجرؤ من السحاب زلّة له لهذا فهو يطلب منه أن يسامح السحاب على علوّه عليه لأنه جار له.. ويفهم من كلمة جار أنه قريب منه ليس ببعيد عنه لأن الجار من الجوار وهو القرب أما البعيد فلا يقال له جار فيعني أن الشيخ زايد مجاور للسحاب أي أنه في مرتبة من العلو والرفعة تصل به الى أن يجاور السحب. وفيها معنى آخر يركّز عليه الشاعر أن الجار يجب أن يُسامح على زلته وذلك بحكم جواره.. وان علو السحب لا يريبه لأن ما يحمله الشيخ زايد من الخير والعطاء أكثر مما به في السحاب. وعيبك طموع ولا تغانت بغاياك تبغي يعمّ الكون عدلٍ ينيبك (طموع) صيغة مبالغة من الطمع أي كثير الطمع لأنه لو قال طامع لم يكن به من المبالغة ما أراده الشاعر لذلك جاء بلفظ طموع وقد يصل الطموع الى مطمعه فيقنع به ولكن ليس ذلك الذي يبغيه الشاعر من وصف الشيخ زايد بأنه طموع فأعقب بعده مضيفاً أنه لم يصل الى بغيته بعد. وتعبيره (تغانت بغاياك) فعبّر عن الوصول الى الأهداف بتغانت من الغنى. (وبغاياك) جمعها لبيان أن أهدافه كثيرة ومتعددة وليست بغية واحدة. أي أنك لا زلت ظمآناً الى أهدافك.. وأكرم بذلك الهدف النبيل الذي يسعى إليه ويشغل عليه نفسه وهو أن يعم العدل أرجاء الكون قاطبة.. ولم يقل الشاعر (يعم العدل الناس) وإنما أراد الناس وغيرهم من الأحياء والجمادات في الأرض وغيرها من الأفلاك فلذلك عبّر بالكون وتلك نظرة واسعة في عشق العدل وتمنّي تحقيقه.. وأكرم بالشاعر الذي صاغ المعنى بهذه الصورة من العمومية التي تبين عما يحتله العدل من منزلة في قلب الشيخ زايد ووجدانه.. وهل هناك أهم من العدل في الحياة. نظرة شاملة وعامة وعبر بالكون ولم يقل الدنيا مثلاً لبيان أن نظرة الشيخ زايد أعم وأشمل في طلب تحقيق العدل من أن ينحصر بالدنيا فقط وإنما يريده عاماً لكل الكون. (يعم) ولم يقل يتحقق فالتعبير بيعم أشمل وأعم لأن يعمّ فيه معنى الانتشار والظهور ولا يكون له هذا المعنى إلا بعد أن ينتشر ويعرف. (عدلٍ ينيك) أي ينالك قسط منه فأنت ضمن المشمولين بهذا العدل الذي تبغيه يعم الكون أو أن معناه ينيبك أي يمسّك أجره وينالك ثوابه على هذه البغية التي تريدها وتسعى إليها وتبذل من أجلها ما أمكنك. وعيبك تحرّض بين هذا وهذاك بالخير واللّه في المساعي مثيبك التحريض مذمّة ولكنه عندما يكون في الخير يكون مزيّة كبيرة والتحريض دفع لكل واحد واستثارة له ليقدم وينافس في مجال الخير والإحسان ولو استعمل كلمة غير التحريض لما كان لها هذا المضمون المراد من التدافع والتنافس للغلبة في الخير. (والله في المساعي مثيبك) دعاء له بأن يجزيه الله ثواباً وإحساناً على مساعيه في تنمية الخير بين الناس .. وما دام الشيخ زايد محرضاً بالخير بين الناس فناسب أن يأتي الشاعر في عجز البيت بأن الله يثيبه على هذه المساعي جزاء سعيه في الخير.. واعتبر الشاعر التحريض على الخير من المساعي الحميدة التي يثاب عليها الإنسان. وعيبك شحيحٍ ما تفرّط لمن ياك لاذ بحماك وفي الوغى يعتزي بك أراد الشاعر أن يبيّن مدى تمسك الشيخ زايد بحماية من لاذ به فعبّر عن ذلك بكلمة شحيح والشح أقوى من البخل فكأنه أراد أن يعطيه أعلى صفة في هذا المعنى (شحيح). (ما تفرط لمن ياك) وعدم التفريط غاية التمسك وعدم التنازل عن أي شيء ولو كان صغيراً مهما كان الثمن المقابل. (لمن ياك) أي لاي إنسان قدم إليك وطلب حمايتك لا تفرق بين واحد وآخر وذلك لبيان أن نخوته تدعوه لحماية من لاذ به دون نظر الى من هو ذلك اللائذ به. (لاذ بحماك) أي من حط رحله في أي ناحية من أرضك فمن دخلها امن من خوفه. وتعبيره عن أرضه بالحمى لبيان ما عليه بلده من الحماية والصون فلا يكاد يمسها أحد بسوء. (لاذ بحماك) لبيان أن حمايته تكون عند طلبها. وعيبك صريحٍ صادقٍ من عرفناك اسناد لي شحّ الزمن نحتمي بك سمتك الصدق والصراحة وهذه من الخصال الكبيرة. (من عرفناك) أي منذ أن عرفناك عرفنا فيك الصدق والصراحة وذلك لبيان خبرة الشاعر بالشيخ زايد الذي يقول مايقوله عنه من منطلق معرفة يقينية به قوامها الخبرة الطويلة عنه. (صريحٍ صادقٍ) الصراحة صفة والصدق صفة أخرى ويتطلب من الشاعر أن يعطف الثانية على الأولى فيقول صريح وصادق مثلاً لكنه قال صريحٍ صادقٍ وذلك للدلالة على تلازم هاتين الصفتين مع بعضهما فيه حتى كأنهما صفة واحدة. (اسناد لي شحّ الزمن نحتمي بك) اسناد - سند وقوة وليس في أي وقت فقد يتسنى للإنسان في وقت ما أن يعتمد على نفسه ويتقوى بذاته نسبياً وفي هذه الحالة ربما لا يحتاج لسند من خارجه مساعد له لكن الشاعر يبيّن أن الشيخ زايد سند إذا شحّ الزمن أي إذا اشتد الخطب ولم يبق من سند سواه وذلك لبيان شجاعته وبطولته وانك تجده حين تخلو الساحة من سند غيره. (نحتمي بك) قد يتصور أن مساعدته وسنده يكون بلسانه يقوي العزائم أو بإرسال من يقوم بالمساعدة ولكن مجيء الشاعر (نحتمي بك) للدلالة على أنه في معمعة المعارك ووسط الحروب يتقدم الصفوف وهم خلفه يحتمون به وتلك غاية في الشجاعة والإقدام. (نحتمي بك) إذا كان رجلاً يحتمي خلفه أناس كثر فلا شك أنه شجاع بطل مقدام ومن يصوّر ذلك إنه الشيخ محمد الشجاع الجسور فما دام الشيخ محمد يحتمي بالشيخ زايد فتصوّر مدى شجاعته وقوته وبطولته وهذا مدح لشجاعة الشيخ زايد من نواح. أولاً: لأنه اسناد, وثانياً: اسناد في وقت شح الزمن, ثالثاً: إذا اشتد الخوف يحتمون به. أي أنه يقود الجموع متصدياً بنفسه للخطر ومن خلفه لا يسنده وإنما يحتمي به.. وعادة ما يكون السند في الخلف يتقوى به لكن أن يكون سنداً وهو في مقدمة الصفوف ومن خلفه يحتمي به فذاك وصف لشجاعة نادرة وتضحية كبيرة.. وكان الأنسب أن يوصف شعبه بأنه سند له في الملمات لكن الشاعر قلب الصورة فجعله سنداً لهم وجعله أمامهم يدفع عنهم الخطر ويحميهم بنفسه. وعيبك تبيّن في مساعيك وخْطاك وِخْطاك في هَدْي الرسول اتهدي بك وصف خطاه بأنها في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.. أي ملتزم بدينه متخذ من رسوله قدوة له وما دام ربط خطاه في هدي الرسول صلى عليه وسلم فقد وضحت نتيجتها التي ذكرها في نهاية البيت (اتهدي بك) أي أن خطواتك تهديك الى الرشد والسداد لأنك تستهدي بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يستهدي به فلا يضل ولا يشقى. (وخطاك) جمعها لبيان أنه في كل تصرفاته يتخذ من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم هدياً له. وقوله (تبيّن في مساعيك وخطاك) أي أن الرشد بأن في مساعيك وتصرفاتك ولا مجال لأن يصفها الشاعر إلا بذلك لأنها في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كانت مساعيه كذلك فلابد أن يبين منها السداد لكل ناظر. ومن يقرأ الشطر الأول لا تكتمل معلومته أو تبريره لحكم الشاعر بأن مساعيه وخطواته بأن فيها العيب الذي اتفقنا على أنه يقصد عكسه ولكن يأتي الشطر الثاني ليجلي حقيقة الأمر في هذه المساعي الموفقة بسبب أنها نابعة من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم. سيرة ومنهج حياة وعيبك تعدّى كل وصفٍ وصفناك فوق النظر واعْلى البشر ينهجي بك أي أننا مهما وصفناك فلن نحيط بك ولا تزال فيك أوصاف كثيرة لا نقدر أن نلمّ بها. (تعدّى كل وصف وصفناك) أي أنك لست فوق كل الأوصاف مجموعة وإنما كل وصف منها قاصر أن يبلغ حقيقتك فأنت فوق كل وصف وفي ذلك رفع وإعلاء من شأن الشيخ زايد الى درجة كبيرة بحيث تصبح كل ميزة فيه أكبر من وصف الشاعر لها.. (فوق النظر) أى أنك أبعد من نظرنا وفوق ما نراه فيك من خصال ومزايا. وقال (فوق النظر) ولم يقل نظر الشاعر وإنما فتحها وعممها لتستغرق نظر كل إنسان بما فيهم الشاعر. وتعبيره (أعلى البشر) يبين عما يحمله الشاعر للشيخ زايد من حبّ بحيث يقرر أنه أعلى البشر..ويقصد علوّ منزلته ورفعة مقامه فعبّر عن ذلك بقوله ( أعلى البشر) ولم يربط ذلك بوجهة نظره أي أنني أرى أنك كذلك وإنما فتحها وكأنه يقرر حقيقة ما عليه الشيخ زايد من منزلة ومقام. (ينهجي بك) أي أصبح سيرة ومنهج حياة يقتدى به. وعيبك تحب اتخدم غيرك بيمناك تبني شبابك والمعالي طليبك صفة من صفات تواضعه تتجلّى واضحة في خدمته لغيره وهو من هو في رفعة منزلته. (اتخدم غيرك) لم يكشف عمّن هو هذا الغير وإنما جعلها عامة أي تخدم أي إنسان فالبعض يمكن للإنسان مهما علت منزلته أن يخدمهم ولكن أن يخدم قائد وزعيم جميع الناس.. فتلك ميزة من مزايا الرفعة المتمثلة في تواضع الشيخ زايد. (بيمناك) لأن ذكره اليمين إعلاء لشأن الخدمة المقدمة من الشيخ زايد فإعلاء جانبها من أمرين: أولاً: لأنها من الشيخ زايد.. ثانياً: لأنها من يمينه لأن الخدمة من اليمين أو العطاء منها دليل البركة واليمن والسعادة بعكس الشمال وهذا ما يبين ويفهم من أبجديات اللياقة العربية الإسلامية. (تبني شبابك) بيان لنظرة الشيخ زايد للشباب واهتمامه بهم حتى أن الشاعر نسبهم إليه (شبابك) ولم يقل الشباب أو شباب الوطن ولكن ربطهم به مباشرة لبيان أهميتهم لديه وحبّه لهم ومن ناحية أخرى رفع لقدر الشباب لحثهم على طلب المعالي وان يكونوا كما ينبغي لهم حيث سماهم الشاعر شباب الشيخ زايد. وعيبك تحب الناس في خير ويّاك من أجل هذا صار شعبك حبيبك (في خير ويّاك) لو قال في خير لكان التعبير في مكانه ولكنه أضاف ويّاك أي أن الخير الوفير الذي تنعم به تتمناه للغير معك.. وقدم الشاعر الناس (تحب الناس في خير) ثم ذكر (وياك) وذلك لدلالة بليغة تبين عن محبة الشيخ زايد للناس وما يحتلونه في قلبه من منزلة حيث قدّمهم على نفسه وأخرها عليهم وتبين عن خاصية التواضع فيه أيضاً. (من أجل هذا صار شعبك حبيبك) لأجل طبيعة هذا الحب الكبير الذي تفيض به جوانحك لكل الناس وتحيا به صار شعبك حبيبك.. اي أنك لمدى حبّك الزائد له صار حبيبا لك.. والحبيب لا يصير كذلك إلا إذا فاض الحب له وبلغ منتهاه وعندها يستحق هذا الوصف (الحبيب) أما الحب المنقطع أو الفاتر لا ينتج حبيباً.. فأنت لقوة حبك واستمراريته لشعبك الذي احتل منزلة في قلبك صار هذا الشعب حبيبك. ولماذا خص هنا شعبه بهذه الصفة.. لأنه في الشطر الأول وصف حبّه للناس وتمنيه أن يعيشوا في خير ونعيم معه ثم أعقب في الشطر الثاني بتخصيص شعبه بأنه حبيبه لابراز منزلة شعبه لديه بصورة خاصة لأنه لاشك أن شعبه أكثر إيثاراً لديه وحبّاً له إلى درجة أن أصبح شعبه حبيبه وهذه ميزة خصّ بها شعبه وحده. وعيبك تعلّيت بْمجرّات الافلاك شرق وشمالٍ والجنوب ومغيبك لو قال الشاعر تعلّيت لكفى لكنه أراد علوّاً بعيداً مميزاً فنسبه الى مجرات الأفلاك ولم يشأ أن يجعلها مجرّة واحدة أو فلكاً واحداً وإنما جمعها لبيان أنه تعلّى وملأ الآفاق وذلك أبلغ في الدلالة على المراد من المنزلة الرفيعة التي عليها الشيخ زايد. (بمجرات الأفلاك) لبيان المنزلة والشهرة والصيت أيضاً وبعد أن ذكر مجرات الأفلاك أعقبها بذكر الشرق والشمال والجنوب والمغرب.. والشطر الثاني يعتبر تفصيلاً لما أجمله في الشطر الأول أي أن شهرته بلغت جميع الجهات وأطبقت الآفاق. الوفاء والاحسان من صفاته وعيبك وفا واحسان في الأرض وابراك مثل الحيا يكسي عراها خصيبك لم يكتف بوصفه بالوفاء والإحسان ويقف به عند هذا الحد وإنما جعل إحسانه عاماً الأرض كلها وأن يكون الإنسان وفياً ومحسناً في آن واحد فذاك مبلغ من الندرة لا يصل إليه إلا قليل من الناس ولكن الشاعر لم يكتف بذلك وإنما أضفى عليه خاصية البركة ولم يفردها وإنما جمعها (أبراك) لبيان كثرة بركاته.. فأينما حلّ جاء معه الخصب والنماء كالمطر الذي عبر عنه بالحيا يكسي الأرض خصوبة من بركته. (يكسي عراها) فلو قال يكسي الأرض لكان المعنى كافياً لكنه لم يكتف بذلك فوصف الأرض بأنها عريانة أي جرداء من جراء المحل الذي أصابها بمعنى أن الشيخ زايد إن حلّ بأرض جرداء مقفرة أحالها الى خصب وخضرة يانعة ووصف أثره في المجتمع بأثر المطر على الأرض.. وكان على الشاعر أن يكمل بعد (يكسى عراها) فيقول خصيبه لأن الحديث عن المطر لكن الشاعر التفت عن المطر وصوّر أثر الممدوح فقال (خصيبك) أي أنه يكسي عر