في عام خمسة وتسعين زرت أسبانيا للمرة الثانية, أقمت في مدينة الاسكوريال الشهيرة بديرها العتيد الذي يحوي كنوزا من المخطوطات العربية, كنت أحضر ندوة أدبية, وبعد انتهائها انتقلت إلى مدريد, نصحني الصديق صلاح فضل بالفرجة على الفلامنكو, وحدد لي مكانا شهيرا يقدم الرقصات الشهيرة, أسمه الكوراي دي موريا . في المساء كنت أجلس إلى منضدة بصحبة أصدقاء مصريين وأسبان, مسرح قديم, بدأ نشاطه في نهاية الأربعينيات , لكن المبنى نفسه قديم, المسرح مساحة صغيرة, حوله تصطف الموائد, انه مطعم ومسرح معا, أشهر راقصة فلامنكو تقدم رقصاتها هنا أسمها بيانكا راي, وقد رقصت في حفلات عالمية, في عواصم شتى, ارتبط عندي المكان بلحظات بهجة, إذ استمتعت حقا بالرقص ذو الأصول الغجرية, الهندية, العربية, عدت إليه مرة أخرى خلال زيارتي في نوفمبر الماضي إلى مدريد لحضور الاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيس معهد الدراسات الإسلامية . ان سرورا اضافيا وامتنانا أفيض به عندما أعود إلى مكان زرته من قبل, بالتأكيد سببه الفرصة التي تتاح مرة أخرى, هكذا ذهبت مرة أخرى إلى الكوراي دي موريا, تبدأ السهرة بدخول الراقصات والعازفين, الجيتار أساسي, والمغني الذي ينشد قصائد مجهولة المؤلف تتخللها أصوات تميل إلى الحزن, شاكيا حزينة, وهذه الأصوات الخالية من الكلمات انتقلت إلى النوتات الموسيقية الأندلسية والتي نستمع إليها في المغرب, بعد الغناء يعزف الجيتار, تتأهب الراقصة الأولى, نعرف ذلك من تقلصات تبدو على ملامحها, ان العصبية ملمح أساسي من الملامح المصاحبة لرقص الفلامنكو, تتطلع الراقصة إلى جهة مجهولة, إلى نقطة ما تتجاوز كل الجالسين, ثم تبدأ مد ذراعيها مع تثني أصابعها وتقاطعهما, كل راقصة حالة خاصة لا تتكرر. رقص فيه كبرياء وغضب وعتاب ورقة, فيه نسيم وفيه عاصفة, فيه محاولة المرأة أن تقترب, ثم انثناؤها مبتعدة, ثم إقبالها وادبارها معا, راقصة صريحة, أخرى غامضة, ثالثة مرحة, لكن هذا كله ليس إلا تمهيدا لظهور الملكة, أنها الراقصة الأولى الشهيرة بيانكا, بالتأكيد تجاوزت الستين, لكن مصادر الطاقة داخلها تثير الدهشة, إنها تحاكي أحوال الطبيعة في رقصها, مرة كسحاب رقيق, ومرة تنفجر مثل بركان, لكن في كل الأحوال هي أنثى تستعصي على الإمساك بها, لا يمكن للنظر إلا أن يرهق بمتابعتها, إنها لا تثبت على حال لثوان معدودات, وهذا سر الرقص العظيم الذي يؤديه الإنسان , فالأحوال تتغير بسرعة مذهلة, يظل الجسد مستعصيا على الادراك . ثمة شبه بحركات المصارع في الحلبة, التحدي, الخيلاء, لكن في الحلبة يمكننا أن نرى الثور, أما في الرقص فنحن لا نرى الطرف الآخر الذي تخاطبه الراقصة أو تتحداه أو تسعى من أجله, وعند لحظة معينة لا نرى الراقصة نفسها رغم أنها أمامنا. غجر على باب المطعم الذي يقدم رقصات الفلامنكو الأسبانية الشهيرة يقف اثنان غجريان, أحدهما ممتلئ, يرتدى معطفا, وقميص صوف عالي الرقبة, يحيط معصمه بسلاسل فضية غليظة. بشكل ما أخشى الغجر مع أنني متعاطف إنسانيا معهم إلى حد بعيد بسبب ما تعرضوا وما يتعرضون له من اضطهاد وظروف حياة صعبة غير مستقرة, ربما ترجع الخشية إلى زمن الطفولة في الصعيد, عندما كان يصل الغجر إلى مشارف القرية, تشتد الخشية على الأطفال خوفا عليهم من الخطف, أما خطف الرجال فيتم بأسلوب آخر يحتاط منه النساء. ورغم الحذر تفتح أبواب البيوت لنساء الغجر إذ يتقن قراءة الطالع وضرب الرمل والإصغاء إلى أسرار الودع. توقف صديقي ليتحدث إليهما, لم أدر من أوقف من, نظر مرتدي المعطف إلى آلة التصوير التي أحملها, طلب من صاحبي أن ألتقط له صورة, ألتقط له صورتين مع رفيقه, أستأنف الحديث مع صاحبي الذي يتقن اللغة الأسبانية , وعندما لاحظت انه لم يهتم بذكر عنوانه لكي أرسل إليه الصورة, سألته لماذا تحرص على صورة لن تصل إليك ؟ .. قال الغجري: أنني أوجد في اللامكان, وأريد أن أوجد في الصورة, ليس مهما أن تصلني, المهم أن أوجد, ولو في صورة لا أعرف مقرها. عم نجيب في فرنسا السبت المقبل يحتفل نجيب محفوظ بتمام العام الثامن والثمانين أمد الله في عمره, الاحتفال الأكبر هذا العام يقام في فرنسا, ينظم الاحتفالات المكتب الثقافي المصري, ومدينة أجد في الجنوب, وجامعة أكس آن بروفنس, ومؤسسة فناك للمكتبات ذات الفروع المتعددة في فرنسا وأوروبا. ستشهد مكتبات الفناك معارض لكتب نجيب محفوظ التي ترجمت إلى الفرنسية, والملاحظ أن أديبنا الكبير يكاد يكون الوحيد الذي حصل على نوبل ويتزايد الاهتمام به سنة بعد أخرى , كثيرون حصلوا على الجائزة قبله أو بعده , ولم يستغرق الاهتمام بهم أكثر من الضجة التي صاحبت حصولهم على الجائزة. أما نجيب محفوظ فالعالم مازال يكتشفه, بعد مرور اثنى عشر عاما من حصوله على الجائزة, أعماله تصدر بانتظام في فرنسا والبلدان الأوروبية كلها, وتوجد الثلاثية الآن في خمس طبعات شعبية, وآخر ما صدر (صباح الورد) عن دار (أكتوسود) التي حققت معدلات مرتفعة جدا في التوزيع. تشهد مدينة مونبلييه ندوة كبرى في مقر مكتبة الفناك يتحدث فيها عن محفوظ محمد سلماوي وكاتب هذه السطور, ويدير اللقاء الدكتور ريشار جاكون المستعرب الفرنسي الشهير, الذي قام بدور نشط في التعريف بالأدب العربي في فرنسا, والأدب الفرنسي في مصر. ستشهد مدينة أجد ندوة مماثلة, وكذلك مدينة اكس ان بروفنس, حيث جامعتها الشهيرة بقسم اللغة العربية العريق الذي أنشئ بناء على اقتراح الدكتور طه حسين عندما كان وزيرا للمعارف عام خمسين. خلال السنوات الماضية وعقب إعلان جائزة نوبل لمحفوظ, نظمت ندوات عديدة في أسبانيا وإيطاليا وروسيا احتفاء بأعمال واحد من أعظم الروائيين في القرن العشرين, ونتيجة لضعف الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى لم يعرف العالم محفوظ إلا من خلال نوبل, حيث كانت أعماله المترجمة قليلة جدا ومحدودة. وبدأ العالم يكتشف عبقرية محفوظ. وأذكر أثناء زيارتي لجامعة (هالة) بألمانيا الشرقية عام سبعة وثمانين ان عددا من الأدباء الألمان الشرقيين قالوا لي أن رواية محفوظ (ثرثرة فوق النيل) تعبر عنا وكانت هذه الرواية قد ترجمت في الستينيات وحظيت بشهرة واسعة هناك. نفس العبارة سمعتها في المكسيك عام تسعة وثمانين عندما أخبرني السفير عصام عبد الرحمن برغبة إحدى الشركات السينمائية في إنتاج فيلم عن رواية (زقاق المدق) , وقيل لي وقتئذ ان الرواية تعبر بدقة عن المشاكل الاجتماعية في المكسيك, وبالفعل أنتج الفيلم وعرض في مهرجانات دولية وأصبح مشهورا, لقد وجدت حميدة القاهرية, قرينة لها في المكسيك, وفي كثير من اللغات التي ترجمت إليها أعمال نجيب محفوظ يجد القراء أنفسهم في شخوص رواياته, وفي الحقائق الإنسانية الخالدة التي عبر عنها من خلال القاهرة مدينته الأثيرة التي لم يفارقها قط لكنه نبش طبقاتها الإنسانية وأكسب شخصياتها المنسية الخلود, وهذا بالضبط دور الأدب العظيم, وهذا ما يجعل لمحفوظ الحضور المتجدد باستمرار في الأدب العالمي.