كتب لي احد القراء يقول انه يعاني من حالة اكتئاب وانحراف نفسي, ثم اضاف: منذ فترة طويلة اعاني وحدة شديدة, اشبه ما تكون بالغربة الذاتية الداخلية التي يعيشها المرء مع نفسه. واخيرا يتساءل القارئ فيما اذا كان يشجع ذهابه الى طبيب نفسي, طالبا اسداء النصيحة . بدا القارئ من رسالته ان ثمة امرا كئيبا يمر في حياته, إما نتيجة لغربة يحياها او عزلة انتهى اليها. وقد نصحته بزيارة طبيب نفسي لتشخيص حالته, وللعلم ليس كل الذين يزورون الطبيب هم مرضى, بل اغلبهم اصحاء. كثيرون هم الناس الذين يعانون من كبت لكل التصورات والذكريات الحاصلة لهم في حياتهم. اذ ان الجنسية السوية تفترض من جانبها كبت بعض المركبات المبكرة وثباتها, ذلك ان الشذوذ يأتي من نقص في الكبت. الا ان الكبت بحد ذاته يمكن ان يشكل ظاهرة مرضية لها صلة بالفكرة, فهو يتعلق دائما بالجنسي, ويحيل الى الرغبة الطفلية. الكبت لا يمكن تلافيه, لا شيء ينسى وكل شيء يكبت, فحفظ الذكريات شامل. ليس الكبت غير قابل للتجنب. فالمنسي يمكن ان يكون غير مكبوت, عندها لا يكون من الممكن ايجاد كل شيء, والذاكرة تصبح عند ذاك مستقلة نسبيا. يوجد كبت وحيد, قد يكون كبتا عضويا, مرتكزا على دونية العضو الحقيقية التي يعمل الفرد على طمسها, وعلى تعويضها فكريا. ومن هنا يأتي مفهوم (التعويض المفرط). وهكذا, شيئاً فشيئاً يغير معنى الكبت ويخفف من دوره ويحد من مداه, يجعله يتطابق مع ذاكرة مشوهة, مع وهم معين او (لعبة متبادلة). (ما كان يستخدم حقا للكبت, يصبح عامل عودة للمكبوت, داخل الركن الكابت وخلفه ينتهي المكبوت الى تأكيد ذاته بانتصار) . لكن تم تعديل هذا التفسير البارع الى التالي: (ما يجب ان يكبت يصل مع الزمن الى التوغل بانتظام داخل ما يكبته) . يجب التخلي عن فكرة ان الكبت يعود كما يلي: (او اليه العودة لا تتعلق بإوالية الكبت... لقد افترضت عن خطأ بأن الاوالية كانت ذاتها... ان اوالية العودة تتعلق بنمو الانا وبتطور كبت المرحلة الليبيدوية) . وللتمييز بين مراحل الكبت: التثبيت, الكبت بحد ذاته, واخيرا عودة المكبوت التي تحدث عند نقطة التثبيت ذاتها. ان المشكلة تكمن بالتحديد في تمفصل الكبت وعودة المكبوت, كما في اختلافهما. ان للكبت اصلا, وهو موجه, والمكبوت لا يعود وفق الطرق التي اتخذها الكبت.