أغلب الظن ان الخديوي اسماعيل (1830 ـ 1895) قابل الامبراطورة اوجيني (1826 ـ 1920) للمرة الأولى سنة ,1867 حين ذهب الى باريس ضمن أنشطة مصر التي اشتركت في معرض باريس في ذلك العام. وكان المعرض فرصة ملائمة للخديوي الشاب الذي لم يكن جاوز السابعة والثلاثين من عمره لتقديم نفسه الى البلاط الفرنسي . ضمن رحلته الأوروبية التي كان الهدف منها التعرف على ملوك دول أوروبا, ومن ثم الحصول على دعم هذه الدول في الاستقلال عن الدولة العثمانية, والتملص من نفوذ الخليفة العثماني. وفي باريس, التقى الخديوي الشاب بالامبراطور نابليون الثالث, زوج اوجيني التي كانت في ذروة نضجها الأنثوي, فقد كانت في الحادية والأربعين من عمرها في ذلك العام, وكانت جوهرة بلاط نابليون الثالث المتألقة بشخصيتها المسيطرة وجمالها الأخاذ وأزيائها الفاتنة. ويبدو أن الخديوي الشاب وقع في أسر الامبراطورة التي كان لها تأثير كبير على سياسات زوجها, فوجد في التقرب اليها سبيلا الى الدعم السياسي, خصوصا بعد ان سمع عن نفوذها السياسي وتأثيرها الاجتماعي على السواء. وعرف ان هذه الامبراطورة تلعب دورا فاعلا في الاحداث السياسية, وأنها نابت عن زوجها مرتين على الاقل في الحكم (سنتي 1859 و 1865) أثناء سفره, وكانت أكثر من رئيس صوري, وأن لها دورا قويا في دعم الكنيسة الكاثوليكية, وأنها معارضة شديدة المراس للأفكار الديمقراطية والليبرالية, ولا شك ان الخديوي الشاب بلغه بأكثر من سبيل الحضور الاجتماعي الساطع للامبراطورة الجميلة ذات الأصل الأسباني, وكيف أسهمت في تألق البلاط الفرنسي, وتركت بصماتها على (الموضة) وحركة الأزياء. ولعل الخديوي الشاب قد طالع لوحتها التي رسمها فرانز اكسيفير مبرزا جمال وجهها, أو اللوحة الأخرى التي رسمها ادوار ديبوف سنة ,1854 وهي اللوحة التي تظهر جمال قدها, وحرصها على استخدام الزهور في تزيين ثوبها الجميل في اللوحة التي لا تزال محفوظة الى اليوم في المتحف الوطني في فرساي. ويحتمل أن الأصل الأندلسي للامبراطورة قد اسهم في سرعة ازالة الحواجز بين الامبراطورة والخديوي الشاب الذي كانت تكبره بأربع سنوات, والذي كان حديث عهد بالحكم الذي تولاه سنة 1863 بعد وفاة سلفه, ولم يكن مثلها متمرسا على شئون البلاط التي أتقنتها منذ ان اصبحت امبراطورة سنة ,1853 أي قبل حكم اسماعيل مصر بعشر سنوات. ولعلها وجدت فيه نضارة الحاكم الشاب, أو رأت فيه ما يبعث فيها ذكرى أندلسية غائرة في اللاوعي. ولماذا نذهب الى الظن؟! المؤكد ان قوة شخصية الامبراطورة الفاتنة كان لها تأثيرها على الخديوي الشاب الذي وقع أسير حضورها الباهر, فتقرب اليها اعجابا بشخصيتها المتميزة, وحاول ابهارها بهداياه كما حاول أن يبهر الجميع في فرنسا, ووجد في التودد اليها ما يحقق أمانيه الذاتية وغير الذاتية. وتحدثنا كتب التاريخ الأوروبي ان الامبراطورة اوجيني اسمها الأصلي اوجينيا (يوجينيا) ماريا دي مونتيجو دي جوزمان, وأنها ولدت في الخامس من مايو سنة 1826 في مدينة غرناطة بأسبانيا, وعمرت طويلا الى أن ماتت عن إحدى وتسعين سنة في الحادي عشر من يوليو سنة 1920 في مدريد, وأنها تولت الحكم الى جانب زوجها الامبراطور الفرنسي في الفترة من سنة 1853 الى سنة ,1870 بعد ان انتقل أبوها النبيل الاسباني الى فرنسا التي اختار الوقوف الى جانبها خلال حرب نابليون الاول في شبه الجزيرة الايبيرية, وانتقل بأسرته الى باريس, حيث تعرفت الابنة على لوي نابليون الذي اصبح رئيس الجمهورية الثانية في ديسمبر 1848. وتزوجا في يناير سنة 1853 بعد ان تم تنصيبه باسم الامبراطور نابليون الثالث. وقد انجبت له ولي العهد الذي تولت رعايته, الى جانب مهماتها السياسية والاجتماعية. وظلت كذلك الى ان سقطت امبراطورية نابليون الثالث بعد معركة سيدان في أول سبتمبر سنة ,1870 فعاشت مع أسرتها في المنفى بانجلترا التي بقيت فيها بعد موت زوجها سنة 1873. وبعد وفاة ابنها سنة 1879. وتعني هذه المعلومات ان اللقاء الأول بين اسماعيل وأوجيني كان في ذروة نضجها السياسي والاجتماعي والأنثوي على السواء, وان اسماعيل وجد فيها نصيرا قويا سرعان ما أصبح قريبا من العقل والقلب, فكانت الامبراطورة الجميلة أولى المدعوات إلى حضور حفلات افتتاح قناة السويس سنة 1869, أي بعد عامين على وجه التقريب من اللقاء الأول, وقد لبت الامبراطورة الدعوة مع غيرها من الأميرات والأمراء والملوك, ونابت عن زوجها الذي لم يذهب معها, والذي تعود ان يوكل إليها تمثيله في غيابه, ولأمر ما سبقت الامبراطورة موعد الاحتفال, وقدمت إلى القاهرة في الأسبوع الثالث من شهر اكتوبر, فأنزلها الخديوي اسماعيل في قصر الجزيرة الذي بناه خصيصا لها, وقام بشئون ضيافتها قياما فاق كل ما اعتاده الملوك وأعاظم عواهل العالم, فيما يقول إلياس الأيوبي في كتابه عصر الخديوي اسماعيل. ويقال ان بعضهم ذكر أمام الخديوي المفتون بالامبراطورة الحسناء, قبل حضورها انها لابد ان تزور الأهرام, وان الطريق إلى الأهرام غير لائقة, فأمر اسماعيل على الفور بتمهيد الطريق, وجعلها سالكة للعربات, وغرسها بأظل أنواع الأشجار, وسخر وزير الأشغال العمومية ومدير الجيزة الأيدي لعمل ذلك ليل نهار, فاكتملت الطريق في أقل من ستة أسابيع, كأن ملوك (الجن فيما يقول إلياس الأيوبي ـ قد اشتغلوا فيها وتفننوا في اعدادها ورصفها وتزيينها, وبات العالم المشتاق إلى زيارة الاهرام مدينا بها للامبراطورة أوجيني التي كان الخديوي اسماعيل يتفنن في الاستجابة إلى ما يحسبه رغباتها. وبعد ان قضت أوجيني أسبوعا في القاهرة, وسط الاعياد والاحتفالات الآخذة بالألباب, قامت للسياحة في النيل, والتفرج في الصعيد على آثار الفراعنة, وسافر معها الخديوي بشخصه متطوعا في خدمة جلالها وجمالها, فحفها بصنوف من الأبهة والفخامة, ونثر تحت قدميها من أنواع الترف ما لم يقع في خلد كيلوباترا في أبهى أحلامها الذهبية, كما يقول إلياس الأيوبي, ولما انقضت تلك الرحلة التي لا تنسى, وعاد المتنزهان إلى القاهرة, ارتاحت أوجيني في قصرها الذي بني من أجلها ليومين, ثم تركت اسماعيل ليستقبل الملوك والأمراء الذين حضروا لافتتاح القناة, وعندما اكتمل الجمع, صحب اسماعيل ضيوفه من الاسكندرية إلى بورسعيد, حيث لحقت بهم أوجيني على سفينتها (النسر) التي كانت تقف عليها, يحف بها كبار نبلاء الدولة البونابرتية وقريناتهم ووصيفاتهم, ولما رست باخرتها في المرفأ, قصد اسماعيل إليها وقبَّل يديها ودعاها إلى ترؤس الاحتفالات. وبعد ان شاهد الجميع التقاء مياه البحر الأحمر بالبحر الأبيض في بورسعيد رحلت الامبراطورة بسفينتها مع بقية السفن عبر القناة, ولم تتوقف إلا على ضفاف بحيرة التمساح التي بنى عليها اسماعيل قصرا جديدا آخر لاستقبال ضيوفه, وعلى رأسهم الامبراطورة الجميلة التي تركت سفينتها لتمتطي صهوة جواد مطهم, انطلقت تعدو به نحو القصر الذي استقبلها فيه اسماعيل بكل ما لم تكن تحلم به من مظاهر الأبهة والاعزاز والمحبة, ولا تخرج من القصر إلا بعد ان استعدت للقاء بقية الضيوف, وترؤس الاحتفالات الاسطورية التي ضاعفت بها ديون مصر, وفرغت ميزانيتها من أجل تدليل أوجيني الجميلة التي أطارت عقل اسماعيل. ولم تكن الامبراطورة الساحرة تدري ما تخفيه الأقدار لها ولزوجها الامبراطور, فبعد أقل من عشرة أشهر أطيح بزوجها من على عرش الامبراطورية التي سقطت, وتفر أوجيني من قصرها الامبراطوري خائفة مذعورة بينما الثورة تهدر وراءها, وتفر إلى انجلترا معفرة الثياب والوجه, وتهبط في احدى محطات لندن غريبة مطاردة بعد ان كانت في صدارة المجالس والقصور, وبعد ان ظلت طوال سبعة عشر عاما فريدة الفرائد في بلاط نابليون الثالث, ولكن الخديوي العاشق لم يتخل عن الامبراطورة التي سقطت امبراطوريتها سنة 1870, ومات زوجها سنة 1873, فظل على رعايته لها, كما ظلت على محبتها لمصر التي لم تتوقف عن زيارتها, ووجدت فيها ما لم تجده في غيرها من صنوف التدليل, وظلت كذلك إلى ان أجبر اسماعيل على التخلي عن عرشه لابنه توفيق سنة 1879, السنة نفسها التي توفي فيها ابن أوجيني الذي كان نهاية آمالها في العودة إلى البلاط, وترك اسماعيل عرشه ليعيش في المنفى الذي احتواه إلى ان مات سنة 1895 عن خمسة وستين عاما, وتعمر بعده أوجيني التي عاشت على ذكريات تدليله, وظلت على العهد بأسرته بعد وفاته, بل بعد وفاة ابنه توفيق, وتولى حفيده الخديوي عباس حلمي الثاني, والمؤكد انها ظلت تذكر ليالي ألف ليلة التي عاشتها في مصر إلى ان توفيت في العاصمة الاسبانية مدريد سنة 1920 عن احدى وتسعين سنة, غير بعيدة عن غرناطة التي ولدت فيها, والتي وصلتها على نحو أو غيره بالخديوي الذي مات قبلها بربع قرن من الزمان.