يعبر سيدني بواتيه قاعة الطعام في الفندق بخطوة الواثق من نفسه التي تتميز به مشيته التي اصبحت علامته الفارقة وترتسم على وجهه ابتسامة الـ500واط التي اشتهر بها ايضا, اتيا لواحدة من مئات المقابلات الصحافية التي اجراها خلال 50 سنة من العمل في حقل السينما . لقد عاش ثلاثة ارباع القرن العشرين ولكن اذا استثنينا بضعة خيوط شائبة في شعره القصير فلاشيء يجعله يبدو انه في سن الخامسة والسبعين. ولكونه واحدا من رواد نجوم السينما الزنوج في هذا القرن يتأنى بواتيه في الاجابة على الاسئلة التي تطرح عليه حرصا منه على ان يعكس كلامه آراءه بدقة. ولانه اول ممثل زنجي رئيسي في افلام هوليوود التجارية وكممهد الطريق الى الافلام الهوليوودية امام نجوم سود معاصرين مثل ويل سميث ودنزيل واشنطن, يسمى البعض بواتيه (جاكي روبنسون الصور المتحركة) تيمنا بالرياضي الذي حطم حاجز اللون في لعبة البيسبول ويعتبر الممثل هذا الوصف اطراء له الا انه لايحتاج اليه كثيرا. ويقول: كان جاكي دوبنسون اسطورة حقيقية, لقد كان يمتلك قوة اريد ان اعتقد انه بوسعي ان احوز عليها في مثل تلك الظروف المؤلمة التي واجهته غير انني متأكدة تماما ان تشبيهي بجاكي روبنسون هو اطراء كبير ولكن لا اعتقد انني استحقه لقد كانت رحلتي سهلة اذا ما قورنت بمسيرة جاكي روبنسون. والواقع ان سيدني بوتيه اخذ اسوأ وافضل ما في هوليوود وامريكا فعمله في السينما حقق له الثراء وعطف ملايين الناس واطنان من المديح والثناء والجوائز بما في ذلك جائزة الاوسكار وهو يقيم في بيفرلي هيلز مع زوجته وابنتهما منذ 23 سنة. الا انه ذاق ايضا مرارة التفرقة العنصرية في فلوريدا الاربعينيات والتمييز العنصري في سنواته المبكرة في نيويورك وهوليوود اضافة الى التصعب المستمر الذي يتعرض له السود في امريكا ومع ذلك فإنه يتحدث عن تلك التجارب كواقع معاش دون مرارة. ولد سيدني بواتيه في 20 فبراير سنة 1924 في ميامي حيث جاء والده لتسليم شحنة من الطماطم من مزرعتمها في جزيرة (كات) الصغيرة المحرومة من الكهرباء التي لم يتجاوز عدد سكانها 1500 نسمة. وعندما حظرت الولايات المتحدة استيراد الطماطم من الباهاما انتقلت العائلة الى ناسو حيث انبهر الفتى سيدني بمنظر السيارات واللافتات الكهربائية وطعم الآيس كريم. وتخلى عن الدراسة وهو في سن الثانية عشرة ليساعد ابويه في تأمين الرزق. ولما بلغ سيدني الخامسة عشرة من عمره ارسله والده الى ميامي للاقامة مع شقيقه اذ كان يخشى ان يكون لحياة الشوارع في ميامي نفوذ سيء على الفتى اليافع. وقد سافر سيدني على متن سفينة شحن وبريد وفي جيبه ثلاثة دولارات. ويتحدث بواتيه عن تلك المرحلة بقوله: كانت الرائحة كريهة للغاية في القسم الذي نزلت فيه من السفينة فأمضيت الليل بالغثيان, وصبيحة اليوم التالي رسونا في ميناء ميامي فشاهدت ابنية عالية جدا لايوجد مثيل لها في ناسو, والحقيقة عندما اتذكرها اليوم ارى انها لم تكن عالية الى هذا الحد, انما تركت اثرها المغناطيسي عليّ. كما انه انبهر اكثر عندما نقله شقيقه بالسيارة عبر ميامي الى منزله الجديد في ضاحية ليبرتي سيدني ويقول: كنت قد سمعت اشياء عن ميامي من الناس التي زاروها ولذلك كنت اعرف ماذا ينتظرني وما لم اتوقعه هو التركيبة العنصرية, فقد علمت بسرعة ان ثمة اماكن لا استطيع ان اذهب اليها وانني سوف اتعرض لمضايقات اذا دخلت بعض الاحياء. وذات يوم حمل سيدني أغراضاً من محل البقالة الذي يعمل فيه الى منزل امرأة فدهش لإصرارها على تسليم الأغراض من الباب الخلفي للمنزل. وفي تلك الليلة جاءت جماعة الكوك كوكس كلان لتوجه إنذاراً الى شقيقه. وبعد عدد من مثل هذه المواجهات التعصبية أيقن سيدني أنه لا يستطيع الاستمرار في العيش في فلوريدا فتوجه الى نيويورك حيث كانت الأبنية أطول والطرق مزدحمة أكثر. ويقول: (ولكن في نيويورك كان المجال مفتوحاً أمامي لأعيش دون التنازل عن القيم التي أؤمن بها. نعم, التفرقة العنصرية كانت موجودة ولكن أقل بكثير مما يسمح به القانون. كان بوسعي أن أدخل أي محل لشراء زوج من الأحذية) . والعمل الوحيد المتوفر لصبي لايملك مهارات حرفية في نيويورك كان (الغطس من أجل اللؤلؤ) ـ أي غسل الصحون في المطاعم. وقد كانت هذه الفرصة مثالية إذ أنه لايتقاضى أجراً فحسب بل يستطيع أن يأكل ثلاث مرات في اليوم. وكان الشاب ينام في منزل للفقراء حتى تبين أن مدخوله لايكفيه, فحاول أن ينام على بنك خشبي في محطة بنسلفانيا. فأوقفته الشرطة بتهمة التشرد, وكان واضحاً أنه سيدخل السجن إذا أوقف مرة أخرى فأقنع احدى الراهبات بإيوائه في ميتم كاثوليكي في بروكلين. وجاء الشتاء قاسياً في نيويورك في تلك السنة, فعانى الفتى الآتي من الباهاما حيث الطقس حار كثيراً, واعتقد أن الوسيلة الوحيدة للوصول الى مناخ دافىء هو أن ينخرط في الجيش لأن أمريكا دخلت الحرب. وقد كبر عمره بسنتين (18 سنة) ليحقق حلمه, إلا أن آماله انهارت عندما أمضى مدة الخدمة بكاملها في لونج ايلند, حيث كلف للعمل في مستشفى عسكري للأمراض العقلية وصعق لقسوة الأطباء والممرضين في معاملة الجنود المرضى. وفي سيراته الذاتية سنة 1980 بعنوان (هذه حياتي) روى كيف هرب من الجيس متظاهراً بالجنون. ولعل هذه كانت أول مرة يمارس فيها التمثيل. ولدى عودته الى هارلم بحث في اعلانات الصحف عن طلب عامل غسل صحون فرأى اعلاناً بطلب ممثلين (للمسرح الزنجي الأمريكي) , فذهب الى هناك فأعطي نصاً وطلب منه اعتلاء الخشبة وقراءة النص. ولم يسبق لبواتيه ان حضر مسرحية ولم يكن يتقن القراءة, فتلعثم في قراءة النص بلهجته الكاريبية. فأراه المخرج الباب قائلاً: (لماذا لاتحصل على عمل كغاسل صحون؟) . ويقول سيدني: وعندما توجهت نحو الباص شعرت بالإذلال لأنه أوحى بأنه لايعتبرني غير غاسل صحون, وإذا رضخت له فأنني سأساعده في تحويل مفهومه ذاك الى نبؤة, ويضيف: (ولقد أزعجني ذلك الى درجة إنني صممت أن أصبح ممثلاً ـ مهما كان يعني ذلك. لا أكن أريد أن أصبح ممثلا ًولكن ينبغي أن أصبح حتى أعود لأريه إنني استطيع أن أكون أكثر من غاسل صحون. وقد اصبح ذلك هدفاً لي) . واستغرق الأمر عدة أشهر, واشترى جهاز راديو لكي يتعلم طريقة اللفظ الأمريكية. فقوبل بالرفض مرة أخرى. فعقد اتفاقاً: سيصبح حاجباً مقابل تلقيه دروساً, وعندما طرد مجدداً سعى زملاؤه الطلاب لدى الأساتذة لضمه الى مسرحية طلابية. وكان بين هؤلاء طالب حديث القدوم من الكاريبي أيضاً: هاري بيلافونتي, الذي كان يؤدي الدور الرئيسي. وعندما غاب بيلافونتي عن العرض التجريبي, صعد (بديله) بواتيه الى الخشبة. وكان بين الحضور منتج من برودواي أعجب ببواتيه فاسند اليه دوراً في احدى مسرحياته التي كان كل أفراد طاقمها من الزنوج. وعرضت المسرحية أربع مرات, إلا أن استحسان النقاد ساعده على الحصول على دور تدريبي في مسرحية آنا لاكاستا, ولاحقاً حصل على الدور الرئيسي عندما أخذت المسرحية تنتقل من مدينة الى أخرى وقد اصبح بوايته محترفاً في مرحلة ندرت فيها فرص العمل للممثلين السود, وما توفر منها لا تنظر الى الزنوج بطريقة ايجابية. وعن ذلك يقول بواتيه: (كانت كل فرص العمل المتوفرة تعكس المفهوم المتأصل عن الزنوج وهو مفهوم تفشى في وعي البلد. وقد كنت غير قادر على أداء مثل تلك الأدوار. انها ليست لي, وكنت قد اخترت أن أدع عملي يعكس قناعاتي) . وبدأ بوايته عمله السينمائي بفيلم عنوانه (لا مفر) سنة 1950 في دور طبيب يتم استدعاؤه لمعالجة مجرم جريح اشتهر بعنصريته الجنوبية ((ريتشارد ويدمارك) ). وكان هناك عدد من السينمائيين الذين يريدون أن يعبروا بأفلامهم عن آرائهم فيما يجري في حياتهم, وان يبرزوا بعضاً من الظلم والإجحاف المتفشيين في عالم الترفيه وان يعكسوا نظرة المجتمع الى الأقليات بصورة عامة. ولم يكن بواتيه أول ممثل اسود يمر بهوليوود. فقد كافح العديد منهم في الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات, حيث ظهر بعضهم في أفلام زنجية وبانتاج زنجي ولا تعرض في الصالات التي تمارس التميز العنصري, إلا أن كثيرين حصلوا على أدوار صغيرة في الأفلام البيضاء كحاجب غبي ودهان أحذية وأدوار مهينة مماثلة. وقد خرج من بين هؤلاء نجوم مثل بول روبسون, وفي أيام بواتيه, جيمس ارل جونز. بعد فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل سنة 1963 لدور عامل متجول في فيلم زنابق الحقل أخذ عمله يزدهر. ومع حلول عام 1968 كان قد أصبح نجم شباك التذاكر الأول في الولايات المتحدة. ومع ذلك لم تنهل عليه المشاريع مثلما كانت تنهال على زملائه بول نيومان وجولي أندروز وجون وين. وخلال تلك السنوات ألف بواتيه كتابين وبعض النصوص للشاشة ودرس علم الفلك والفلسفة. وهو يقول ان طريقه لم تكن سهلة (ولكن المصادقات كانت في كل مكان في تلك السنين, وان هناك فضلاً للطف الكثير من الناس: (عمل طيب هنا أو هناك, وفكرة جيدة هنا وهناك, كلها أمور ساهمت في بناء عملي السينمائي بطريقة من الطرق. ولذا كانت طريقاً طويلة إلا أن الرحلة كانت جيدة إجمالاً) . الممثل سيدني بواتيه في مشهد من فيلم زنابق الحقل