بكل ادب جم, وبروح من التوقير والاجلال.. يمد الشاعر العربي الليبي عبدالمولى البغدادي يده في رفق وحنو واناة يطرق باب الوالد الكبير الخليل بن احمد (الفراهيدي) .. وهو الجد الاعلى والمرجعية الاصيلة لكل من يروم الابحار في مجال الشعر العربي.. وحين يفتح الخليل الباب يقف الشاعر بكل اكبار وبصوت يكاد يكون همسا من فرط التجلة ولكنه يطرح السؤال على ما يشبه الاستحياء. ـ سيدي ومولاي في بلاط القريض.. هل يسمح لنا الاستاذ الاكبر ان نشق عليه عصا الطاعة وقد ظلت العصا مشرعة فوق وجداننا عبر القرون؟! يفتح الخليل بن احمد عينيه المكدودتين من فرط السهر وقد اضنى لياليه المسهدات جهوده في ضبط القوافي وتحرير الاوزان كيما يستقيم للعربية ابداع ابنائها شعرا رائقا.. سائغا, فاتناً على امتداد الزمن.. ساعتها يضيف صاحبنا الشاعر المعاصر مستميحا في طرح السؤال ـ هل ـ يسمح الخليل ان أثور؟ وقبل ان يجد العالم الجليل جوابا يشرع عبدالمولى البغدادي في ارسال النشيد في قصيدة تنتمي عمدا الى النوع الابداعي الذي عرفته العربية المعاصرة باسم الشعر الحديث.. وقد ابدع فيه من قبل شاعرنا ومن بعده نوابغ وموهوبون كثر في مشرق الوطن ومغربه ـ من رجال ونساء.. في مقدمتهم نازك الملائكة وشاكر السياب وصلاح عبدالصبور وفدوى طوقان وعبدالوهاب البياتي وعبدالمعطي حجازي واحمد علي سعيد (ادونيس) وغيرهم كثير.. يقول الدكتور الشاعر, أو هو الشاعر الدكتور: هل يسمح الخليل ان اثور مرة على اطلال بيته القديم أعيش لحظة واحدة محلقا على جناح نورس طليق يبحث عن اشراقة وردية من الامل ويرفض التغريد في الشرانق المعلبة ولو من الحرير لان ذاك النورس الصغير, لا يعرف القيود وشرطة المرور في الحدود ويعشق التيار والابحار وتبلغ القصيدة ذروة الدراما ـ التراجيديا ان شئت التعبير حين تختلط في نفس الشاعر الاصوات والالوان لتضعه على حافة الدوار ـ كما يقول شريكه في هذه التجربة الشعرية ـ الفكرية الفريدة, صديقنا الدكتور سعدون السويح ـ مابين اشارة خضراء تعزف لحنها الشجاع ـ وهو لحن الانعتاق والانطلاق تقول لا تقف بل انطلق, واشارات اخرى صفراء وحمراء وسوداء (تأمل سواد الاشارة وشدة عتمتها) تهتف به جميعها ان قف لا تتحرك وهو ما فعله الشاعر نفسه عند ختام لحن القصيدة حين يقول: وعدت, غير مكره الى معسكر الخليل امارس العزف على انغام سيدي مولاي ابحث في جنابه عن كل ما يشدني اليه ابحث عن سلسلة اضعها في عنقي ابحث عن لافتة حمراء حول الطرق توجه التيار والمسار حسبما يشاء لانني يا اخوتي نشأت في مستنقع لايعرف الهواء وعتمة لا تعرف الضياء وهكذا اراد الشاعر ان يستأذن الخليل في الثورة على الاوزان,.. فإذا به ينتهي الى هجائنا جميعا.. الناس... والعصر والوضع مختل الاوزان ـ وهو هجاء ممرور بكل معنى لا يخفف من وقعه سوى ان الشاعر لا يتنصل منه بل هو يؤكد انتماءه الى الناس في بلادنا والى العصر العربي والاحوال مختلة الاوزان.. ولا يكاد يخف الى اقالة الشاعر من هذه المرارات سوى قلم ناقده وهو توأم روحه كما تشف عن ذلك سطور الديوان, حين يطرح علينا سعدون رؤيته في سطور تقول: وفي تصوري الخاص, فان نهاية القصيدة لا ترضي الخليل نفسه, (لقد) اكتشف بحور الشعر وايقاعاتها, لا ليرغمنا على عبادتها, ولكن ليمنحنا الفرصة كي نولد منها دوائر لا حصر لها من الموسيقى, لكننا ظلمنا الخليل حين جعلنا منه وثنا, ومن ايقاعاته طبلا يدق دون توقف: فعولن مفاعيلن, فعولن مفاعل: الخليل قاد الاوركسترا الشعرية وعلمنا فن قيادتها, لكنه لم يصادر حق الاخرين في قيادة هذه الاوركسترا من بعده شريطة ان يكونوا عازفين مهرة قد تمرسوا بقواعد الفن.. الشاعر الذي نردد اناشيده في هذه السطور ليبي نشأ وتربى في طرابلس الغرب, الثغر العربي الافريقي الجميل الذي يومىء إلى شطوط وربوع المغرب العربي, والشاعر يحمل لقب البغدادي وكأنما يؤكد صلة نسب قد تجمع بينه شخصيا وبين الخليل بن احمد العم الكبير, ساكن بغداد في زمان حضارتنا المونق الجميل, ولكن ها هو الشاعر وقد باح بشغف عميق, اقرب إلى العشق المدنف بجزيرة العرب اذ هي تتوسط وطن امتنا بين مشرقه ومغربه, انه عشق باليمن على وجه الخصوص وهو عشق يكاد يشاركه فيه العبد الفقير كاتب السطور, فانظر وتأمل تلك الوشيجة التي تجدل مشاعرنا وانتماءاتنا ما بين المغرب إلى المشرق, إلى الجنوب, وهي وشيجة الوطن العروبي الواحد, وهي جديلة الانتماء القومي الموحد لا يهمه ان تقوم دعائمه على اساس الدم أو الاعراق بقدر ما تنشأ وتزدهي على اساس اللغة والفكر والتاريخ والثقافة, ثم الرسالة الحضارية التي ما برحت تحملها على عاتقها امة عريقة مازالت تناضل كي تؤكد مكانتها ـ رغم الاوصاب ـ في التاريخ يفصح الشاعر عن هواه (اليمني) في نونية محكمة السبك, وقبل ان نقطف من ثمارها, تستلفت انظارنا سطور راويته ورفيق تجربته الدكتور سعدون حين يصدر القصيدة بقوله: للشاعر (د. عبدالمولى البغدادي) قصائد اخرى في اليمن لم تكتمل بعد, وقد اختار عنوانا لواحدة منها (لماذا اعشق اليمنا) ولست ادري ـ يتابع الدكتور سعدون السويح ـ كيف سيفسر لنا الشاعر ما لا يفسر, فأمر العشق هو كأمر الروح, قد استأثر بعلمه الله سبحانه وتعالى. على ان القصيدة التي نعرض لها, كتبت خلال محنة الصراع الداخلي الذي كان قد تعرض اليمن الكبير لنيرانها منذ سنوات ليست بالبعيدة, ومن وحي النيران والجراحات والحدب الملهوف على المصير, كتب الشاعر يقول: يا من يغار على اليمن ويذود عن شرف اليمن تلك الجراح الداميات الدافقات, جراح من؟ تلك الخناجر والسيوف المشهرات بوجه من؟ وشرعت تهدم بيت من؟ وبأرض من؟ ولاجل من ثم تصاعد الغصة في حلق الشاعر فتتوالى ابيات القصيدة إلى أن يختمها بثلاث نغمات تقول: لو أننا لم نتخذ من كل طاغية وثن لو أننا ـ بالشرك ـ لم نعص الاله ولا الوطن وطن عزيز غير ان الحر فيه بلا ثمن وحتى لا نختم السطور بهذه الزفرة الحرى يرسلها الشاعر من غربته التي اختارها في مالطا حيث يعمل استاذا للعربية وادابها, فقد يطيب لنا ان نسوق ابياتا سجل بها الشاعر لحظة اسى عاشها (ايام السادات غفر الله له) حين كانت طائرته تعبر أجواء الفضاء في مصر, وحيل بين الشاعر وبين النزول ـ ولو ترانزيت ـ زيارة القاهرة وقد تعلم فيها ومازالت بالنسبة له مهوى الصبا ومثابة الذكريات, هنالك كتب الدكتور البغدادي قصيدته بعنوان على سلم الطائرة وقال فيها: على قمة السنة العاشرة من الشوق واللهفة الغامرة وفوق لظى لهب من حنين يحرق آمالي العاثرة أمر بأرضك .. مر الكرام وأرتد من سلم الطائرة فقلبت طرفي صوب المطار اسائل ابراجه الساهرة فيرتد طرفي ذليلا حسيرا ليغمد في مهجة حاسرة وارسلت شكوى قريب بعيد إلى النيل من سلم الطائرة ثم تنقشع الغمة التي صنعتها اهواء السياسة ويعود الصفاء إلى البلدين في مصر وليبيا, ويخاطب الشاعر النيل في عذوبة متجددة يقول: ايها النيل, هل تراقصت نشوانا على نغمة اللقاء الشهية. وتمددت في ضفافك مرتاحا على رفرف الورود الندية يا ربيب الخيال يا مبدع السحر ويا بسمة الخلود الشذية امطر العشق في صميم الروابي ينبت العشق وحدة عربية