نسائم الحرية التي تهب هذه الأيام باردة على وجوه الصحافيين ساخنة على وجوه غيرهم تجعل المرء مضطرا الى استغلال هذا المناخ الربيعي الجميل الذي تعيشه صاحبة الجلالة لارتياد حديقتها طمعا في اقتطاف وردة من هنا أو زهرة من هناك ولا يخلو الأمر من أن تصطاده شوكة مختبئة في زاوية من الزوايا فتدمي يده وهي في طريقها لاقتطاف تلك الوردة لينطبق عليه بيت أمير الشعراء الشهير: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق ورحم الله شوقي وسامحه فقد مضى دون ان يعدد لنا ألوان الحرية بعد ان أدخلها لعبة الالوان التي تجد لها سوقا رائجة في حياتنا, ففي الصحافة هناك صحف صفراء, وفي التجارة سوق سوداء نرجو ألا يكون لها شبيه باللون في مجال الحرية حتى لا نكرّس اتهام البعض لنا بالتفرقة العنصرية ـ التي يحاربها العالم اجمع ـ حينما صنفنا الاسواق الى سوق حرة وسوق سوداء في عالم الاقتصاد والتجارة علماً بأن السوق السوداء أكثر رواجاً وأثمن بضاعة من السوق الحرة. ويبدو أننا لسنا الوحيدين الذين نعيش فصول الصحافة المختلفة, فقد شهدت منطقة الخليج خلال هذا العام أكثر من مناسبة كانت الصحافة فيها هي بطلة الموقف وحديث الساعة حتى غدت الاضواء تسلط عليها بعد ان كانت هي التي تسلط الاضواء على الآخرين, فمن أحداث ثورة الطلبة في ايران التي أشعل شرارتها قرار الحكومة باغلاق احدى الصحف, الى الملتقى الاول للصحافة الخليجية الذي أقيم في الكويت في النصف الاول من هذا الشهر وشهد حوارات كانت حرية الصحافة أبرز عناوينها, الى الاجتماع الثاني لرؤساء تحرير الصحف اليومية الخليجية الذي عقد في الكويت أيضا في مطلع الاسبوع الماضي, الى تعطيل صحيفة (السياسة) الكويتية لمدة خمسة أيام انتهت مع بداية اجتماع رؤساء التحرير لتهيئ الاجواء وتتيح للمجتمعين مادة دسمة للحديث. وكعادة رسامي الكاريكاتير الذين تتفتح قرائحهم عادة في مثل هذه الاجواء ويبحثون عن جنازة ليشبعوا لطماً ـ على رأي اخواننا المصريين ـ فقد أمسك الفنان جعفر رجب رسام الكاريكاتير بجريدة (الرأي العام) بزمام المبادرة واستقبل المجتمعين مستبقاً الاجتماع بمجموعة طريفة من ابداعات ريشته اللاذعة أذاقت رؤساء التحرير من نفس الكأس التي يسقون منها غيرهم, وهو يعلم جيداً أنهم لن يستطيعوا إظهار غضبهم أو التعبير عنه صراحة حتى لا تبدو صورتهم أمام الناس متناقضة, وهم يطالبون بمساحات واسعة من الحرية للصحافة بينما تضيق صدورهم عندما تتناولهم ريشة أحد العاملين في بلاط صاحبة الجلالة بالنقد فيصورهم على أنهم قد جاءوا إلى الاجتماع ليأكلوا ويناموا ثم يأكلوا ويناموا, ويشهد الله أننا لم نذق من النوم سوى سويعات قليلة لازدحام جدول الاجتماع خلال يومي انعقاده, وفي رسم آخر يصورهم وقد صفوا مجموعة من الأقلام في جيوبهم العلوية من أجل الزينة فقط بينما هم يبصمون بأصابعهم, ثم يلبسهم نظارات سوداء تقلب لهم النهار ليلا ويضعهم في النهاية داخل أقفاص يقول انها هي مكانهم الطبيعي عندما تطبّق عليهم المادة (35) من قانون المطبوعات الكويتي. ولم يكن حال الصديق العزيز جاسم بودي رئيس تحرير جريدة (الرأي العام) التي أفردت صفحة كاملة لهذه الرسوم أفضل من حالنا, ولذلك فهو لم يزد على ان رسم الابتسامة المعهودة على وجهه عندما سأله أحد الزملاء ـ في خبث ـ ان كان هذا يمثل موقفا من الاجتماع أم هو مجرد دعابة بريئة. أما الزميل محمد مساعد الصالح الذي أطلقت عليه الصحافية والاذاعية الكويتية الشهيرة السيدة فاطمة حسين لقب شيخ الصحافة الكويتية فقد استعار ـ كما تقول الزميلة وهي ترد عن المجتمعين هذه الحملة ـ مقعد أحد نواب مجلس الأمة ورأى في الضيوف كتلة حكومية لابد من استجوابها بالجملة فانهالت على ضيوفنا أسئلته: ـ كيف وصلتم إلى مراكزكم؟ ـ ما علاقة كل واحد منكم بالسلطة في بلده؟ ـ هل يوجد بينكم من يسمي نفسه رئيس تحرير لصحيفة خليجية معارضة؟ ـ هل لديكم قوانين مطبوعات؟ ـ ثم تبدي الزميلة العزيزة بعد ذلك رأيها الذي نشرته في الشقيقة (الأنباء) والذي ربما لا يستطيع الضيوف أبداءه, وهم يرفلون في كرم الضيافة المعروف عن الشعب الكويتي ممثلا في الشقيقة (الوطن) صاحبة الدعوة للاجتماع ورئيس تحريرها الدمث الزميل محمد عبدالقادر الجاسم الذي يشعرك في كل لحظة انك في بيتك. وتلخص السيدة فاطمة حسين رأيها في عبارات أشبه ما تكون بالاعتذار تقول في أولها: (شخصيا لا أرى جدوى من تساؤلات الأخ محمد ولا من رسوم الزميل جعفر إلا الرغبة العارمة برفع المقاصل في وجوه ضيوفنا الأعزاء.. وكأننا الشعب الفاضل في المدينة الفاضلة) ثم تمضي بعد ذلك في عتاب قاس الى حد ما لزملائها تنهيه باعتذار لنا نحن الضيوف. ومع تقديرنا وامتناننا لشعور الزميلة العزيزة فإننا نطمئنها إلى أننا لم نأخذ كل ذلك بكثير أو قليل من الحساسية, ولم يداخل نفوسنا ذرة من زعل, ومازادنا ذلك إلا حبا للكويت وأهلها الذين لم نتعود منهم إلا الصراحة والبعد عن النفاق والمجاملة, ولعلنا نحن الذين ندعي أننا قادة الفكر والتنوير أولى الناس بانتهاج طريق المكاشفة والمصارحة, وقد تمثل ذلك بوضوح في جعل جلسات الاجتماع مفتوحة للصحافيين والجمهور, وهو أسلوب أشاهده يمارس للمرة الأولى منذ أن وعيت على عالم الاجتماعات التي عادة ما تجرى داخل غرف وقاعات مغلقة نخرج بعدها بتوصيات وبيانات لا تعكس في ظاهرها وصياغتها مقدار الجدل وحجم الخلاف الذي ساد المناقشات التي تمخضت عنها تمخض الجبل المعروف للجميع. وقد دفعتني هذه الاجواء الصحية إلى أمنية لا أعتقد انها سهلة التحقق, بل هي مستحيلة دون شك, وهي ان تتحول جميع اجتماعاتنا ومؤتمراتنا العربية بمستوياتها المختلفة ـ لاسيما العليا منها وهذا شرط أساسي ـ إلى جلسات علنية ان لم تتيسر دعوة الجمهور إلىها لدواع أمنية وأخرى تتعلق بعدم اتساع المكان حتما لحجم الجماهير التي ستتدفق لحضورها فلا أقل من ان تنقل على الهواء مباشرة عبر شاشات التلفزيون وأمواج أثير الاذاعة, وساعتها ربما رأينا وسمعنا العجب العجاب. ولأن هذه الفكرة جنونية وغير واردة إلا في خيالنا الصحفي المسكون بنسائم الحرية التي نتحدث عنها فدعونا نعود إلى أرض الواقع, ونتمنى ألا تكون هذه النسائم عابرة أو حلم ليلة صيف نفيق منه مهرولين إلى المرايا لنجد فيها تلك الوجوه التي صورها فنان الكاريكاتير جعفر رجب في رسومه, وعندها لا مفر من ان نستخدم تلك الأقلام التي رصعنا بها جيوبنا للبحث عن اجابات لأسئلة شيخ الصحافة الكويتية مع الاعتذار للزميلة العزيزة الأخت فاطمة حسين ولأنفسنا ولقرائنا الكرام الذين نستمد عزمنا من ثقتهم الغالية. ثم إننا نعود فنقول: سامح الله أمير الشعراء الذي لم يكمل لنا (كتالوج) ألوان الحرية كي نختار منها ـ على ذوقه طبعاً ـ ما يناسب ظروفنا وأحبار أقلامنا وألوان ربطات العنق التي تحيط برقابنا على فرض أننا قد استبدلنا الملابس الغربية بملابسنا الوطنية الأكثر راحة وملاءمة لنا, وعلى الله أرزاقنا جميعا.