الصراع بين الرئيس الامريكي بيل كلينتون والكونجرس اخذ منعرجا تصاعديا في المدة الاخيرة, اذ اصبحت كل مشاريع كلينتون لا تجد القبول والاستحسان لدى شيوخ امريكا, ويبدو ظاهريا ان الكونجرس يتخذ هذا الموقف العدائي من السيد (بيل) بعد انفجار(مونيكا جيت)إلا ان الستار يخفي حقائق اخرى بعيدة كل البعد عن هذه الخلفية اذا كانت هذه الخلفية في ذاتها هي ايضا مجرد واجهة لخفايا اكبر. آخر اخفاقات كلينتون في اقناع الكونجرس, كانت رفض المصادقة على معاهدة منع التجارب النووية, اذ رفضها مجلس الشيوخ جملة وتفصيلا رغم الدعوات المتكررة لكلينتون ولفريقه الحكومي بضرورة التصديق على هذه المعاهدة, ورأى انصار التصديق على المعاهدة ان ذلك يوفر وبشكل دائم مركز الزعامة والقيادة لامريكا في العالم, وذهب كلينتون الى حد القول ان عدم التصديق عليها يشكل اسوأ تراجع قيادي في تاريخ امريكا, ولا غرابة ان يكون الرئيس بيل كلينتون هو اول رئيس دولة يوقع على المعاهدة. والمعاهدة المقترحة من قبل الامم المتحدة والمزكاة من قبل ادارة كلينتون وحتى تدخل حيز التنفيذ, لابد لها ان تحصل موافقة 44 دولة وفي مقدمتها طبعا الدول المتمكنة من الصناعة النووية, لقد سارعت دول كثيرة الى الترحيب بالمعاهدة وهي مراكز نووية كبرى كروسيا, فرنسا, الصين, المانيا, اليابان, وحتى الهند العنصر النووي الجديد, إلا ان ترحيب العالم خارجيا بالمعاهدة وبمساعي الرئيس كلينتون الشخصية لم يلق القبول عند الشيوخ الامريكيين فبالتأكيد لموقف العداء عند الكونجرس اسباب تقف وراء ذلك. يعتقد الشيوخ الامريكان ان اجهزة المخابرات الامريكية عاجزة على رصد وضبط حركة الصناعة النووية في العالم ويأخذون في ذلك نموذج الهند والباكستان, وكيف تمكنت الدولتان من تحقيق برنامجهما النووي دون ادراك للمخابرات الامريكية, وتلقى استخبارات امريكا انتقادات لاذعة حول هذا التقصير ويضاف الى هذا الاتهام اتهام ثان, مرده ان المخابرات الامريكية ليس في وسعها ايضا ان تضبط الحركة النووية لدى الشريك النووي الاول في العالم وطبعا هو روسيا. هذا التخوف يضاف اليه تخوف آخر, والذي مفاده ان الميزانية المخصصة حاليا في واشنطن لرصد الصناعة النووية والمقدرة بأربعة مليارات ونصف المليار غير كافية لضمان نجاح التجارب النووية مسبقا, وهو ما قد يهدد المكانة القيادية لامريكا في الصناعة النووية, وتجد مشاريع كلينتون معاداة ساخنة من قبل الجمهوريين بصفة خاصة في الكونجرس فهم الذين صوتوا بالرفض ضد مشروع سابق لكلينتون يقضي بإلغاء ديون الدول الاكثر فقرا في العالم, شريطة ان تلتزم هذه الدول بأن توجه مداخيلها في غير اوجه الفساد. ورغم ذلك كلينتون يصر على ممارسة قناعته في التأكيد على تمرير مشاريعه وفي اعادة الكرة على الكونجرس كلما دعت الضرورة الى ذلك, وهذه روح قتالية تحسب له. أمر آخر لقد بات واضحا الآن ان جمهوريي الكونجرس لا يعارضون كلينتون دفاعا عن شرف مونيكا ولا دفاعا عن أمن امريكا, انما دفاعا عن مشروع انتخابي رئاسي في امريكا سيحصل بعد اقل من سنة من الآن, وفي امريكا.. الوجبة تحضر بسنة قبل موعد استهلاكها وهذا سر فشل كلينتون امام الكونجرس, ولاكثر من مرة, فالرئاسات في امريكا بدأت باكرا وأول مظاهرها خروج كلينتون للبحث عن سكن جديد قبل سنة من موعد ترك البيت الابيض.