نستعد منذ أشهر عديدة لانعقاد مؤتمر (مئة عام على تحرير المرأة العربية) الذي تحضره اكثر من مئة باحثة وباحث من خارج مصر, جنبا الى جنب عشرات الباحثات والباحثين من مصر, وذلك ليحتفلوا بمرور مئة عام على صدور كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) الذي ظهرت طبعته الاولى سنة 1899, وقد أثار فور ظهوره عواصف الهجوم وأعاصير الاعتراض من الجماعات التقليدية في المجتمع. واضطر قاسم أمين الى توضيح مقاصده في كتابه وتعميق مفاهيمه في كتابه الثاني الذي لا يقل اهمية عن الأول اعني كتاب (المرأة الجديدة) الذي صدرت طبعته الاولى في القاهرة سنة 1900, وكان ـ الى جانب كتاب تحرير المرأة ـ منظومة متكاملة لمشروع تحريري كبير, يهدف الى الانتقال بالمرأة العربية من وهاد الضرورة الى ذرى الحرية, ومن ممارسات التخلف الى أحلام التقدم. وقد تصورت ان مناسبة كهذه لا يمكن ان تمر مرورا عابرا. وأننا لابد من ان نحتفل بها احتفالا قوميا كبيرا يليق بدلالتها في التاريخ العربي الحديث. فمرور قرن بأكمله على صدور اول كتاب ينادي بتحرير المرأة العربية ليس بالحديث الذي يمكن اغفاله او التهوين من شأنه, فكتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) ـ ومن بعده كتابه (المرأة الجديدة) ـ كان علامة حاسمة على نهاية قرن وبداية قرن بالمعنى الزمني الخالص, كما كان علامة على نهاية زمن (الحريم) وبداية زمن المرأة الجديدة التي سرعان ما دخلت الجامعة التي فتحت ابوابها بعد ثماني سنوات فحسب من صدور كتاب (المرأة الجديدة) . وكان الكتاب علامة بالقدر نفسه على مجاوزة النظرات الجزئية الاصلاحية الخاصة بواقع المرأة الى رؤية شاملة ومشروع متكامل لتحريرها ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة ان تطلب هدى شعراوي من مجلس ادارة الجامعة الوليدة في مصر, في العام التالي على انشائها, السماح لامرأة بالتدريس لمجموعة من النساء في احدى قاعات الجامعة فاستجاب مجلس الادارة الذي كان يرأسه الامير احمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد) الى طلب هدى شعراوي وكانت تلك في بداية التعليم الجامعي للمرأة الجديدة التي سرعان ما انخرطت في العمل العام, واقتحمت النشاط السياسي في ثورة 1919. بل خلعت الحجاب عن وجهها. وخرجت الى المظاهرات المطالبة بالجلاء التام او الموت الزؤام. وللشاعر المصري الكبير حافظ ابراهيم ـ شاعر النيل ـ قصيدة فريدة في وصف مظاهرة النساء سنة 1919. وهي قصيدة لها اهميتها الفنية والسياسية والاجتماعية على السواء. ولا اريد ان ادخل في ابواب المبالغة, واقول: ان صدور كتاب قاسم امين عن (تحرير المرأة) كان مسئولا عن ثورة 1919, او حتى كان سببا مباشرا من اسبابها, ولكنه كان بالتأكيد, علامة واعدة في حركة تحرير المجتمع المصري في ذلك الوقت خصوصا من الزاوية التي أكد فيها قاسم أمين ان تحرير المرأة من تحرير المجتمع كله, وان تخلفها من تخلفه, وعبوديتها من عبوديته, وان حضور المرأة الحرة هو دليل على حرية المجتمع وتقدمه, لقد آمن قاسم امين ان المرأة نصف المجتمع, وانه لا تقدم لنصف يعاني نصفه الثاني من الوان القمع او اشكال التخلف وقسوة التقاليد الجامدة, وبسبب عمق ايمان قاسم امين بالعلاقة الوثيقة بين قضية تحرير المرأة وتقدم المجتمع بأسره, وهب حياته كلها لقضية المرأة. ولم يكتف باصدار كتابيه. بل انغمس في كل الانشطة التي تؤدي الى انهاض المرأة المصرية العربية من وقع تخلفها. وبعد ان كان يكتفى بتعليمها قبل الجامعي في كتابه الاول ازداد اصرارا على تطوير مراحل هذا التعليم فاشترك مع اقران له في الدعوة الى تأسيس الجامعة الاهلية التي كانت الجامعة الوطنية الاولى في العالم العربي, وظل يعمل في اللجنة المؤسسة للجامعة الى ان تولى رئاستها خصوصا بعد ان اضطر صديقه سعد زغلول الى التخلي عن هذه الرئاسة مع تعيينه وزيرا للمعارف وترك مهمة رئاسة لجنة الجامعة الى قاسم امين الذي نهض بها خير قيام, ودفع بمشروع الجامعة كله الى حيز التنفيذ لكن القدر لم يمهله كي يرى افتتاح الجامعة الوليدة في الشهر الاخير من سنة 1908, فتوفي قبل الافتتاح بأشهر معدودة, تاركا حلمه عن تحرير المرأة وديعة بين ايدي المرأة نفسها. ولم تقصر المرأة في انجاز المهمة الموكلة اليها, المهمة التي اندفعت اليها بقوة رغبتها في التحرر من سجون التقاليد الجامدة التي حالت بينها وحقها في التعليم, كما منعتها من ممارسة ما هي جديرة به من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكانت ثورة 1919 قوة دافعة الى الامام في حركة تحرير المرأة خصوصا بعد ان انتقلت قضية تحرير الوطن من معناها السياسي الضيق الى معناها الاجتماعي الواسع وهو المعنى الذي فتح للمرأة ابواب العمل العام واتاح السباق الثوري الذي خلعت فيه هدى شعراوي ـ زعيمة النساء في ثورة 1919 ـ حجابها بتشجيع من سعد زغلول زعيم الامة مؤدية بذلك الشعيرة الرمزية التي سرعان ما تبعتها فيها طليعة النساء والثائرات في الامة, الطليعة التي سرعان ما اصابت بعدوى ثورة التمرد في داخلها غيرها من نساء المجتمع كله. والمسافة بين صدور كتاب قاسم امين (تحرير المرأة) سنة 1899 وبين قيام المرأة الاولى بالتعليم في الجامعة المصرية هي مسافة جد قصيرة لا تجاوز عشر سنوات من عمر الزمن. ولكنها مسافة اختزنت من شحنات التمرد ما انفجر في ثورة 1919 التي كانت البداية الفعلية لحركة تحرير المرأة على كل المستويات: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية, كما كانت الانطلاقة الجذرية لاحلام قاسم امين التي سرعان ما تحققت بل التي سرعان ما جاوزتها احلام المرأة التي صهرتها ثورة 1919 وصنعت منها الرموز التي تواصلت في ممارسات هدى شعراوي وصفية زغلول ودرية شفيق وغيرهن من اعلام الحركة النسائية العربية. والواقع انه يكفي لادراك الفارق بين حضور المرأة في المجتمع ما قبل ثورة 1919 وما بعدها ان نتذكر واقعة الاحتفال بوضع حجر الاساس للجامعة المصرية التي لم تمتلك ارضا خاصة بها, ولامبنى معدا لها, إلا بفضل الاميرة فاطمة اسماعيل, ويقول لنا المؤرخون انه ما كان يمكن لرواد الجامعة المصرية, ان يحتفلوا بوضع حجر الاساس لمبانيها في الحادي والثلاثين من شهر مارس سنة 1914, وبحضور الخديوي عباس حلمي الثاني وكبار رجال دولته, لو لم تكن الاميرة فاطمة اسماعيل قد اوقفت للانفاق على الجامعة اكثر من ستمئة فدان ووهبتها ستة افدنة لتقيم عليها مبانيها, وتبرعت بالمال الذي اعان الجامعة على مواجهة ازمة نقص مواردها واضافت الى ذلك التبرع مجموعة من مجوهراتها النفيسة, ولم تكتف بذلك كله بل تكفلت بجميع نفقات الاحتفال نفسه, ومع ذلك لم تحضر ذلك الاحتفال الذي ما كان يمكن ان يحدث لولاها, ولم تكن الى جانب ابن اخيها الخديوي عباس, ولا اخيها الامير احمد فؤاد, وهما يضعان الحجر الذي نقش عليه عبارة (الجامعة المصرية) الاميرة فاطمة اسماعيل سنة 1332هـ, ولم تستمع الاميرة مع الحضور الى قصيدة احمد شوقي الذي مدحها بها. واضطرت الى ان تنيب عنها ابناءها الذكور ووكيل اعمالها وظلت هي حبيسة جدران قصرها والسبب في ذلك ان تقاليد المجتمع المصري ما كانت تسمح لامرأة ان تحضر احتفالا عاما للامة وان تشارك فيه او ان تكون موضع التكريم منه حتى لو كانت قد فعلت ما لم يفعله الرجال وحتى لو كانت هي السبب في الاحتفال وحتى لو كانت عمة الخديوي واخت الامير الذي يرأس مجلس ادارة الجامعة. ولكن حال هذه التقاليد الجامدة لم يستمر على هذا النحو لسنوات معدودة فبعد سنوات خمس على وجه التقريب اندلعت ثورة 1919 جارفة الكثير من عوائق تحرير المرأة محققة احلام قاسم امين عن حريتها ومجسدة احلام المرأة التي جعلت منها احداث الثورة نموذج المرأة العربية الجديدة بالفعل, فسقط الحجاب وخرجت المرأة الجديدة الى الحياة العامة, واسهمت في كل مجالاتها جنبا الى جنب الرجل, ولم يعد من الممكن لاحد ان يمنع امرأة من صنف هدى شعراوي او لبيبة هاشم او نبوية موسى او ملك حفني ناصف او نظيرة زين الدين او مي زيادة او درية شفيق او حتى من صنف حفيداتهن من حضور الاجتماعات او الاحتفالات العامة وممارسة الانشطة الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية, فقد مضت المرأة في طريق تحررها ووصلت الى ما يتيح لها اليوم القدرة على تحطيم كل القيود الباقية ومجاوزة كل العقبات القائمة رغم كل المصاعب والتحديات وكلي ثقة في انها سوف تفعل ذلك, فماضى انجازها وافعال حاضرها علامة على وعود مستقبلها الذي لا يمكن لاية قوة من قوى التخلف ـ مهما كانت سطوتها ـ ان تحول بينها وبينه.