بعضنا يحسد الغرب على كل شيء, وذات مرة سمعت احدهم يبدي الغيظ لانه ليس لدينا مفكر سياسي مثل ميكافيللي, ورغم انني قرأت كتاب (الامير) في زمن الصبا, وانني قرأت عن ميكافيللي, الا انني اتذكر كلما جاء اسمه ذلك الحوار الساحر عنه في فيلم(سانتا فاتوريا)فلقد كانت القرية الصغيرة موضع اقتحام من القوات النازية لا لسبب الا انها تنتج افضل انواع النبيذ, وطلبت القرية من شخصية تافهة يمثلها انتوني كوين ان تكون العمدة في مواجهة النازي. ويبدأ انتوني كوين يمثل دور العمدة الذي لا يناسبه, وفي موقف معين ينصحه المثقف باتباع رأي ميكافيللي, ويحس العمدة امام الآخرين بالحرج, فهو لم يسمع من قبل عن ميكافيللي, ويذهل المثقف فيقول له مؤكدا: نيقولاي ميكافيللي, ويلتقط العمدة الموقف وكأنه وجد طوق النجاة فيصيح: نعم نيقولاي! وكأنه صديق عزيز تعود على مناداته باسمه الاول حتى نسي اسمه الكامل. وميكافيللي هذا من الذين كانوا يعملون في القصور, فلما ابتعد لاسباب لا اذكرها الان, وضع خلاصة آرائه في السياسة وشئون الحكم في كتابه الذي يعتبر اسوأ الكتب سمعة, ذلك لانه يفصل تماما بين الاخلاق وادارة شئون البلاد, ويكرس نظرية (الغاية تبرر الوسيلة) حتى ان هذه النظرية تنسب إلى ميكافيللي, واظنها قديمة قدم السلطة. وانا ارى حسد الغرب حتى على ميكافيللي ليس له ما يبرره, فلدينا والحمد لله الف ميكافيللي ربما كان عيبهم الوحيد هو انهم لم يؤلفوا كتبا يقولون فيها آراءهم بصراحة. ولقد تذكرت واحدا من هؤلاء الالف أو الآلاف هو احمد بك المعروف احيانا بأحمد باشا, وفي الغالب احمد الجزار, وكان احمد بك هذا مملوكا في زمن المماليك, ولما كان لكل مملوك مهمة, فلقد اخذ احمد بك يبحث لنفسه عن مهمة دون جدوى. وكان السلطان ـ في هذا الزمن ـ يحكم احيانا على شخص بالاعدام, فاذا كان الشخص مثل كاتب هذه السطور اخذوه واعدموه, ولا من سمع ولا من اهتم, ولكن بعض المحكوم عليهم كانوا يمتلكون قوات حراسة أو (بودي جارد) بلغة زماننا هذا, فاذا ذهبت قوات الاعدام إلى دار المحكوم عليه, حدث عكس المفترض اي أن قوات المحكوم عليه تنفذ حكم الاعدام في رجال السلطان وفي كثير من الاحيان كان يذهب المحكوم عليه إلى قصر السلطان مع رجاله يحملون على رماحهم رؤوس رجال السلطان, زاعما للسلطان ان هؤلاء من قطاع الطرق, وان رجاله خلصوا الامة من هؤلاء النهابين, وكان السلطان الذي يخفي حرجه يبدي سعادته بمصرع هؤلاء المجرمين, ويجزل الهدايا للمحكوم عليه, وربما عينه في منصب هام. وعرض احمد بك, أو ربما عرضوا عليه, ان يقوم بتنفيذ حكم السلطان دون كل هذه التمثيلية التي تقلب الاوضاع, ويخرج منها المحكوم عليه منتصرا, فائزا بكل شيء. فكان السلطان يصدر حكمه على فلان, ولا يعلن الحكم بالطبع ففلان هذا متحصن برجاله الاشاوس, لذلك كان يميل على أحمد بك ويهمس له باسم فلان. ويترصد احمد بك المحكوم عليه حتى يجد فرصة لقتله, ثم يذهب ليأخذ أجره. ويبدو ان احمد بك استمتع بالعمل وتوسع فيه, حتى لقب بالجزار, ولكن الاسوأ انه كان يثير الذعر في اي مكان يظهر فيه. اذ ربما كان ظهوره يعني مصرع شخص ما. وربما ـ وهذا طبيعي في هذا العصر ـ حاول البعض القضاء على آلة القتل هذه. وبالتأكيد كثرت المؤامرات للتخلص منه. ولكن احمد بك نجا من كل المؤامرات فلقد كان ذكيا جدا, وكان قدره ان يعيش حتى يدخل التاريخ فيما بعد عندما كسر عسكر بونابرت اعظم قادة التاريخ عند عكا. وهرب احمد بك من مصر بعد ان تحول الجميع الى اعداء له, وسافر الى بلاد الشام يبحث عن وظيفة, وبذكائه استطاع ان يلتحق بخدمة الامير فخر الدين, وبذكائه استطاع ان ينتزع منه مدينة بيروت ويستقل بها, ليجد كل قوى المنطقة تحاصره برا وبحرا, ولانستطيع ان نقول جوا لان الطائرات لم تكن قد اخترعت بعد. ولكن هذا الحصار كان معناه الاعتراف بأحمد بك قوة بين هذه القوى. وهكذا خرج من بيروت لكنه استمر طول حياته أحد حكام الشام. وكان بين القوى التي صارعت احمد بك السلطان العثماني الذي ادرك ان البك خصم صعب , فهو مغامر أفاق لايهاب شيئا. ومن طرائف احمد بك في حصار بيروت, انه كان يحاصره بحرا ما كان يسمى بالاسطول الروسي, ولم يكن روسيا, ولكنه كان اسطولا من المرتزقة ربما كان يقوده روسي, وكان الامير فخرالدين قد استأجره ليخرج احمد بك من بيروت ويعيدها اليه. ونتيجة الحصار كان احمد بك في حالة لا يحسد عليها, وارسل احد رجاله الى الاسطول يطلب التوقف عن اطلاق المدافع, ويذهب رجله الى قائد الاسطول بالهدايا, ويقول له ان احمد بك اصبح غير قادر على القتال لاعتلال مزاجه, فلقد نفدت كميات (الكونياك) الموجودة لديه, ولذلك فهو يرجو من قائد الاسطول ان يعطيه صندوقا او صندوقين من (الكحول) حتى يروق مزاج سيده ويصبح قادرا على القتال. ادرك السلطان ان رجلا كهذا لا يمكن محاربته, ولذلك قرر استخدامه على مضض, وحكم الجزار والغريبة انه احيانا كان حاكما جيدا, وكالعادة كان السلطان في حروب مع روسيا وغيرها من الدول, ولذلك كان يطلب من ولاته ـ وبالذات من الجزار ـ ان يرسل له جيشاً يساعده في حربه. ولم يكن الجزار ـ الاكثر ميكافيللية من ميكافيللي نفسه ـ راغبا في مساعدة احد وبالذات السلطان, ولذلك اخترع شيئا يدل على موهبته, فلقد اعلن ان هناك حركة تمرد على الدولة العلية, وان الثور يجتاحون بلاد الشام وانهم يسعون للاستقلال, ومنع الخراج عن الباب العالي, لذلك فلقد قرر وفاء لسيده السلطان, ان يعلن الحرب على هؤلاء المتمردين, واخذت قوات الجزار تجول شمالا وجنوبا وتعلن في قصره البيانات عن انتصارات وخسائر. لقد اخترع احمد باشا الجزار حربا! فهل اخترع ميكافيللي حربا؟! كفى عقدة التبعية للغرب. ها نحن. ومن المحتمل ان السلطان لم يصدق فكرة الحرب هذه رغم ان المحطات الفضائية الاخبارية لم تكن موجودة واصر على الجزار ان يرسل له الجنود والمال ليشاركه حروبه, وطلب الجزار من قواته ان تكمل اللعبة, فكانت كل بضعة ايام تنزل الى القرى تحز رؤوس بعض الفلاحين المساكين, ويرسلها الجزار الى السلطان معطيا كل رأس اسما لثائر لا يقل عن جيفارا. وأنا أرى ـ ولي الحق ان أرى ما أريد ـ أننا لو لم نبتكر سوى هذه الحرب الوهمية, لكان لنا فضل على باقي الأمم. ويكفينا فخراً أن ايهود باراك وهو قائد عسكري متمرس اقتبس هذه الحرب, وبرع في تنفيذها. فلقد حمل زجاجات المخدر ورش علينا بعض رذاذه العطر, ثم اطلق قواته لتدك المستوطنات.. دكاً. وجلسنا أمام شاشات التلفزيون مخدرين بأحلى المخدرات الاعلامية, ونحن نرى في سعادة تفوق سعادتنا عندما نسجل هدفاً في مباراة كرة قدم, قوات باراك تندفع الى (المستوطنة) . حقاً نحن لانرى من المستوطنة الا برج مياه, ولكن هل هناك أهم في الحياة من الماء؟ ربما شكك البعض في وجود مياه في هذا البرج, ولكن الاعمال بالنيات, وحتى لو انه كان برجاً فارغاً, اليس الصفيح والخشب له قيمة, على الاقل قيمة رمزية. والاعظم ـ كما رأيناه ونحن مخدرون ـ الهجوم الكاسح على محطة الكهرباء, حقاً انني لم أر أية محطة كهرباء. لكنني اعترف ان نظري ضعيف وفي الشهر الماضي التفت لاصافح ميرفت أمين فاذا بها أحد معارفي! ولذلك فلابد ان هناك محطة كهرباء, رغم انني لم أرها, ولابد ان (ربعنا) رآها فنظره أقوى. وأحسسنا بانتشاء هائل وباراك الجزار يدمر المستوطنة المسكينة, ويعيد لنا الحق العربي كاملاً غير منقوص. لكنني حانق عليه, كان عليه على الاقل ان يعترف انه سرق منا فكرة الحرب الوهمية, ورحم الله أحمد باشا الجزار.