أصدقكم القول إنني قد حاولت القراءة والاطلاع وإثراء معلوماتي في موضوع العولمة قدر ما أسعفني الوقت والجهد والجلد على القراءة في موضوع تجد نفسك مجبراً على القراءة فيه إما لزيادة المعرفة التي هي في حد ذاتها هدف يستحق الجهد والعناء , وإما مسايرة لموجة تجدها تفرض نفسها فجأة على الكتّاب والمطبوعات من صحف ومجلات وكتب حتى لتظنها أحياناً المنفذ لكثير من كتّاب الدراسات والزوايا والمقالات حينما تستعصي عليهم الموضوعات فلا يجدون ما يكتبون عنه, وربما كان هذا هو ما يحدث معي الآن, وإما إدعاء لدفاع عن مبدأ يصوغونه في نظريات حول ما يمكن ان تحدثه العولمة من تغيرات أيديولوجية واستراتيجية واقتصادية بعد رصد حركة المتغيرات العربية والاقليمية والعالمية في هذه المرحلة الانتقالية التي تشهد تبلور نظام عالمي جديد ليس الجديد فيه فقط هو التغير في طبيعة القطبية ذاتها والتي يتم التعرف عليها من خلال سيادة شبكة هائلة ومعقدة من التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على الشئون العالمية تتمثل في وجود منظومة رأسمالية عالمية تعتبر المصدر الحقيقي لعملية الهيمنة, وهي تعمد الى اتباع استراتيجيات محددة لانجاز مشروع النظام العالمي الجديد, وفي طليعتها عولمة الاقتصاد والثقافة والاتصال. (هل فهمتم شيئاً؟!). هذا هو ما يطفو على السطح عند الحديث عن العولمة, أما إذا غصنا قليلاً في أعماقها فستقابلنا إشكاليات العصر الكوني ونجد أنفسنا أمام عدد من القضايا المهمة مثل مفهوم الدولة الكوزموبوليتية والتعددية الثقافية والديمقراطية الكوزموبوليتية والحكم الكوني والأصولية السوقية على الصعيد العالمي وعناوين أخرى لو واصلت استعراضها لوجدت نفسك ـ أيها القارىء العزيز ـ ووجدتني معك نتوقف عن مواصلة القراءة عائدين إلى صفحة المنوعات وكفى الله المؤمنين شر القتال. المهم أنني ظللت فترة طويلة قارئاً جيداً ـ كما أزعم ـ لكل ما يكتب عن العولمة ظناً مني أن التوقف عن ذلك نقيصة لا يجب أن تلحق بالمثقف ادعاءً مني أو محاولة للحاق بزمرة المثقفين, وكنت في ذلك كمن يتجرع دواءً مراً دون أن يجأر بالشكوى حتى قيض الله لي مزارعاً فرنسيا طيباً انتشلني من دوامة محاولة فهم هذه الظاهرة العالمية الجديدة وقدمها لي ببساطة متناهية جعلتني أعض أصابع الندم على ما ضيعت من وقت وجهد وأنا ألهث خلف مقالة هنا وأخرى هناك كي لا أتهم بالتخلف والتقوقع وقلة المعرفة. فمن هو هذا المزارع الفرنسي, وما هي قصته؟ إنه (جوزيه بوفيه) فلاح من بلدة ميلهو الفرنسية, وقد أصبح يلقب بروبن هود بعد أن قام بتحطيم مطعم تابع لسلسلة (ماكدونالدز) الأمريكية للوجبات السريعة أثناء تظاهرة فلاحية. وقد اعترض بوفيه على تسديد غرامة مقدارها نحو مئة ألف فرنك فرنسي حكمت بها المحكمة لاطلاق سراحه بعد ان اعتقل وفضل البقاء في السجن على دفع تعويض للشركة الأمريكية التي يعتبرها رمزاً للتدهور الاقتصادي الذي طرأ على وضعه ووضع سواه من المزارعين. وأعلن بوفيه أمام القضاء أنه لم يحطم المطعم الذي لا يزال قيد الانشاء صدفة أو نتيجة فورة كما يحصل عادة خلال التظاهرات وإنما تنفيذاً لقرار اتخذ في إطار النقابة التي يرأسها واسمها (الكونفدرالية الفلاحية) . ويعتبر بوفيه ومؤيدوه من المزارعين أن اعلان العداء لمطاعم (ماكدونالدز) يشكل موقفاً شرعياً للرد على العولمة على حساب حقوق الشعوب وصحتها. ولكن ما الذي حرك بوفيه وصحبه للثورة على سلسلة المطاعم الامريكية الشهيرة ودفعهم الى تحطيم أحد مقارها؟ إنها المصالح التي تلخص النظرية كلها, فقد انخفضت أسعار المنتجات الزراعية الفرنسية بسبب الاجراءات العقابية التي فرضتها الولايات المتحدة عليها إثر رفض السلطات الفرنسية السماح بدخول لحوم الابقار الامريكية المغذاة بالهرمونات الى الاسواق الفرنسية بعد الشكوك التي اثيرت في دراسات علمية حول تغذية الابقار بالهرمونات وارتباط ذلك بالامراض السرطانية رغم عدم التوصل الى دليل قاطع بهذا الشأن, وهو ما تطالب به الولايات المتحدة كمبرر لمنع دخول هذه اللحوم. المهم أن التحركات من قبل المزارعين الفرنسيين لم تتوقف بعد اعتقال بوفيه واستهدفت العديد من المطاعم التابعة لسلسلة (ماكدونالدز) في مناطق فرنسية عدة حيث أقدم المزارعون على إغلاق المداخل المؤدية إليها بالقاء كميات من منتجاتهم الزراعية في محيطها, أما قرار بوفيه الرافض لدفع الغرامة وتفضيله البقاء في السجن فانما يأتي لتأكيد موقفه المبدئي دافعاً إلى المزيد من التعبئة في صفوف المزارعين. ففي منطقة بلفور شهد مطعم (ماكدونالدز) تظاهرة نظمتها مجموعات من المزارعين قبل أن يقابل وفد منهم رئيس بلدية المدينة ويقدم له سندويتشات همبرجر وقطعاً من الجبن الفرنسي لحمله على المقارنة بين جودة الصنفين. حركات احتجاج أخرى شهدتها مناطق فرنسية عدة أُلقيت خلالها أطنان من الفواكه والخضار في الشوارع أما حركة جنراسيون إكولوجي (أنصار البيئة) فقد دعت في بيان لها إلى إطلاق سراح بوفيه دون قيد أو شرط باعتباره ضحية الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة تحت شعار العولمة ولأنه كبش محرقة العجز الحكومي عن حل أزمة المزارعين. هذا الدرس الذي قدمه لنا المزارع الفرنسي الطيب (جوزيه بوفيه) لخص لنا قصة العولمة كلها في صراع بين الجبنة الفرنسية ولحوم الابقار الامريكية, وليته فعل ذلك قبل أن استهلك كل هذا الوقت والجهد في قراءة ثقيلة على النفس عن نظام القطبية الثنائية والقطب الواحد والدولة الكوزموبوليتية والحكم الكوني واتفاقية (الجات) ومنظمة التجارة العالمية وسلطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودورهما في اعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية والعولمة الثقافية والخوف على الهوية الوطنية والقومية إلى آخر هذه العناوين الرنانة التي ينثرها إخوتنا المثقفون بين ثنايا كلامهم ونسكت نحن المغلوبين على أمرنا في كثير من الأحيان عن السؤال عن مدلولاتها خشية اتهامنا بالجهل وعدم الاستعداد الكافي لدخول الالفية الثالثة وعصر المعلومات والعولمة. ولا يخامرني شك في أن أغلب هؤلاءهم من مدعي الثقافة الذين لا تزيد معلوماتهم في العولمة عن معلوماتي في اللغة الصينية التي يقال ـ والله أعلم ـ أن عدد حروفها تسعة آلاف حرف, وهو عدد يتناسب مع عدد المتكلمين بها إن لم يكن قليلاً عليهم. ما يهمنا في هذا كله وقد نبهتنا له حركة الفلاحين الفرنسيين (بوفيه وزملاؤه) هو وضع مقاهينا ومطاعمنا الشعبية في زمن العولمة الزاحف علينا لا محالة بعد أن اجتاح فرنسا وجاراتها من بلاد الفرنجة. هذا الوضع الذي يضع الاخوة أصحاب المطاعم الشعبية لدينا أمام تحد كبير حيال زحف مطاعم الوجبات السريعة الامريكية ومقاهي الـ (كافيه دي باري) التي انتشرت لدينا وأصبحت منافساً قوياً لهم. فهم إن لم يتداركوا أنفسهم ـ كما فعل مزارعو فرنسا ـ ويوحدوا صفوفهم في حركة سلمية بعيدة عن تحطيم مطاعم العولمة ورموزها فان الخطر القادم سيحرمنا من هذه الجلسات الممتعة التي تعيدنا الى الزمن الجميل الذي قد كان, وعندها فقط نقول: ليتنا استفدنا من الدرس الفرنسي ووضعنا كل ما كتبه أصحاب الدراسات وكتّاب المقالات جانباً ولم نرهق عقولنا وأعيننا فيما لا طائل من ورائه. غير أنني أعود فأقترح حلاً وسطاً يحفظ لمقاهينا ومطاعمنا الشعبية هيبتها ومكانتها ولا يقطع ـ في الوقت نفسه ـ حبل الود بيننا وبين كتّاب العولمة من أنصارها والخائفين منها, وهو أن ننشيء سلسلة على غرار (ماكدونالدز) نطلق عليها (مقاهي العولمة الشعبية) فنكون بذلك قد ضربنا عشرة عصافير بـ (حجر) واحد وجمعنا المجد من أطرافه.