خرجت وصديقي علي ابو شادي الناقد السينمائي من الفندق الذي كنا نقيم فيه بمنطقة محطة الرمل, بعد ان اقنعته بالاستيقاظ المبكر وتناول الفطور خارج الفندق. وذهبنا الى اشهر مطعم فول وطعمية في الاسكندرية, وهو قريب جدا من الفندق, وقلت لصديقي انني تعودت على الافطار في ذلك المطعم كلما جئت الى الاسكندرية القديمة التي نشأت على حبها, وتعلمت فيها معنى الانفتاح الفعلي على العالم بمخالطة اجناسها المختلفة التي عاشت في وئام. ومازلت اذكر الملامح المتباينة للجنسيات المتباينة التي تعودت ان تتناول الفطور في هذا المطعم الشعبي, وتجتمع على الفول والطعمية في الصباح كما لو كانت تؤدي شعيرة رمزية للوفاق الذي لايعرف التمييز بين الاجناس, والسماحة الاجتماعية والدينية التي لم تعرف الوان التعصب التي ابتلينا بها مع عواصف التطرف والارهاب التي لم تكن من جنس الاسكندرية في تاريخها الذي اعرفه. ولا يبدأ تاريخ الاسكندرية التي انتمي اليها فعليا من زمن الاسكندر الذي بناها, او البطالمة الذين عمروها, او كليوباترا التي حكمت منها مصر كلها, وانما يبدأ تاريخها في وجداني وعقلي من محاولتها مقاومة الغزو الاستعماري لها في العصر الحديث وقدرتها السحرية على ان تحيل الاجانب القادمين مع الغزو ـ او قبله او بعده ـ الى مواطنين فيها, وصهرهم داخل بوتقتها البشرية التي جعلت من سكانها سبيكة انسانية تتميز بوحدة التنوع البشري الخلاق, الوحدة التي تجاوب فيها الارمن واليونانيون والايطاليون وغيرهم مع المصريين في فضاء الاسكندرية المفتوح. وقلت لصديقي علي ابو شادي ان هذا الفضاء المفتوح هو الذي جعل للاسكندرية دورا طليعيا في الحركة النسائية, ودورا رائدا في الصحافة المصرية, ودورا تأسيسيا في الافكار المحدثة. فاهم المجلات النسائية الاولى في مصر صدرت من الاسكندرية وجريدة (الاهرام) الشهيرة بدأت من الاسكندرية, وكان يعمل بها جرجي زيدان الذي انتقل الى القاهرة بعد ذلك وانشأ مجلته المعروفة (الهلال) وجاء الى الاسكندرية من طرابلس الشام فرح انطون صاحب روايتي (الدين والعلم والمال) و (اورشليم الجديدة) وغيرهما من الروايات, وسرعان ما انشأ مجلته (الجامعة) في الاسكندرية , تلك المجلة التي نقلت الى القراء افكاره الجذرية عن الدولة المدنية واهمية التسامح والعلاقة بين الطوائف والاديان واصدر فيها كتبه المهمة التي تبدأ بكتب عن ابن رشد الذي كان سبب المعركة التي دارت بينه والامام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا الذي جاء الى الاسكندرية مع فرح انطون من طرابلس الشام, لكنه آثر الاقامة في القاهرة والاتصال بالامام محمد عبده الذي ساعده على انشاء (المنار) . ولم تكن الاسكندرية اقل من القاهرة في التمرد على الاستبداد, خصوصا بعد ان برز منها امثال اديب اسحق الذي هاجر اليها مثل اقرانه الشوام, او عبدالله نديم الذي جعل للاسكندرية حضورا متمردا على الاستعمار. وقاطعني صديقي علي ابو شادي بسؤاله: لكن لماذا تلح ذاكرتك على المقاومة والتمرد في ذكريات الاسكندرية التي تذكرها لي الآن؟ فاجبته بانني لم اكد اصل الى عامي الثاني عشر, وافتح عقلي على ماحولي, الا وقد حدثت حرب 1956, وامتلأنا جميعا بالحماسة الوطنية للتصدي للعدوان الثلاثي, وذهب اخي الكبير رحمه الله للحرب مع زوج اختي, وعشنا في انتظار لحظة النصر التي سرعان ما احتفلت بها الامة العربية كلها في السادس والعشرين من يوليو سنة 1957, بعد ان رحل الغزاة, واندحر العدوان الثلاثي على مصر. وقد شهدت في ميدان المنشية, في ذلك اليوم, الذكرى الاولى لتأميم قناة السويس, وكنت بصحبة ابي الذي كان يشرح معاني ما اراه حولي في ميدان المنشية. وهو الميدان نفسه الذي شهد قرار تأميم القناة الذي كان سبب الحرب في السادس والعشرين من يوليو 1956 . واحسبني تعلمت معنى الوطنية من خطب عبدالناصر التي تعود ان يلقيها في ميدان المنشية كل عام, والتي اصبحت احتفالا قوميا يتكرر في ذكرى قرار تأميم القناة وانتصار الامة العربية كلها على العدوان الثلاثي, وتصاعد حركة المد القومي الى ذروتها الصاعدة التي كانت تتردد اصداؤها كل عام في ميدان المنشية, حيث كان عبدالناصر يخطب دائما من شرفة مبنى (البورصة) التي تواجه الميدان المستطيل الذي استوعب الآلاف المؤلفة من الجماهير الهادرة. وقلت لصديقي علي ابوشادي ان هذا المبنى قريب فالمسافة بين محطة الرمل والمنشية قصيرة, يمكن ان نقطعها على الاقدام من ناحية البحر, على الاقل لنستروح نسمات الصباح, ونجدد العهد بمباني الكورنيش العريق التي لا تزال تحمل جمال معمار مدن البحر الابيض المتوسط الساحلية وملامحها المشتركة ونطوف حول المبنى الذي كان عبدالناصر يحرك الوجدان العربي كله من شرفته ويفتح امام ابناء الامة العربية وعود الحرية والوحدة والعدل الاجتماعي. وسرعان ما وصلنا الى ميدان المنشية بعد ان انعطفنا من ناحية البحر صوب اليسار ومررنا على النصب التذكاري الجميل الذي يواجه البحر ومنه الى قلب الميدان, حيث مضينا نتأمل (سراي الحقانية) القديمة, وهي تحفة معمارية لم يغادرها جمالها بعد واخذنا نتحدث عن التناسق المعماري لمباني الميدان, وندعو الله ان يبعد الاشرار عنها, وان تظل على ما هي عليه ولا تتحطم تحت زحف كتل الاسمنت والحديد والصلب التي تناطح السحاب وتخنق الفضاء وكنا اثناء ذلك نقترب شيئا فشيئا من مبنى (البورصة) التي كان عبدالناصر يقف على شرفتها ليخطب في الجماهير التي لم تحب زعيما مثلما احبته وكانت تتطلع الى هذه الشرفة في يوليو من كل عام تنتظر خطاب الزعيم الذي حملته في قلبها الى اليوم, واطلقت اسمه على شوارعها الرئيسية في جل العواصم العربية, ولكن كانت المفاجأة المحزنة اننا لم نعثر على المبنى , ووجدنا مكانه فضاء يستخدم لانتظار السيارات واصابنا الذهول ودخنا في حيرة التائه ونظرنا الى انفسنا كما لو كنا قد اخطأنا المكان, ولكن لم يكن هناك خطأ. المبنى كان هنا في هذا المكان, وعلى امتداده الطولي في الميدان تعودت ان احشر جسدي وسط الالاف المحتشدة لسماع خطب السادس والعشرين من يوليو في سنوات عبدالناصر, ولكن المبنى اختفى, ازيل او هدم او صدر عليه حكم ما بالاعدام, واخذنا نسائل انفسنا والاسى يملأ جوانحنا كيف يمكن ازالة هذا المبنى الذي اصبح رمزا من رموزا الوطنية وعلامة من علامات نضالنا القومي الذي لا يخصنا وحدنا ومعلما من معالم تاريخ الاسكندرية المجيد في الوجدان العربي كله. واستوقفت رجلا في حوالي الخمسين من عمره كان يمر الى جانبنا وسألته عن مبنى البورصة وشرفة عبدالناصر فقال بلهجة ابناء الاسكندرية أيووه! هدم المبنى منذ اكثر من عشرين عاما, كيف لم تنتبه الى ذلك إلا اليوم؟! يبدو انك لست من اهل الاسكندرية, وذكر الرجل ان المبنى هدم في زمن السادات وان الارض التي كان عليها تحولت الى مكان لانتظار السيارات ما عدا شريط صغير استقطعته ادارة المرور, واقامت عليه هذا المبنى القبيح. واضاف الرجل قائلا: سبحان مغير الاحوال يبدو انكما مثلى من المتعلقين بذكريات الماضي القومي حين كنا نحارب الاستعمار لكن من الذي يتحدث عن الاستعمار الآن؟! انتهى ذلك الزمن ودخلنا في زمن آخر منذ ان هدم نظام السادات ذلك المبنى الذي تعودنا ان نرى عبدالناصر على شرفته, ولعلهم فعلوا ذلك حتى لا نقول لابنائنا او احفادنا: هنا وقف عبدالناصر واعلن للعالم كله تأميم قناة السويس وبدأ موجة التأميم العربية في الدنيا العربية التي كانت لا تزال دنيا واستهل عهدا جديدا من الاحلام القومية الصاعدة. وتركنا الرجل بعد ان غمغم بكلمات لم اسمعها وتمتم بعبارات لم افهمها ومضى الى حال سبيله دون ان ينظر خلفه, واختفى عن ناظرينا بعد ان خلفنا ننعى ذكريات شرفة عبدالناصر التي تحولت الى رمز في وجدان ابناء جيلنا, ولكنها اصبحت رمزا غائبا للاجيال التي سوف تأتي في زمن العولمة, ولم اقل كلمة لصديقي علي ابوشادي الذي لم يتكلم بدوره. فقد مضينا صامتين يجتر كل منا اشجانه ويستسلم لتداعيات ذكرياته, ونحن نسير بخطوات متثاقلة في اتجاه البحر الذي امتد امام اعيننا الى ما لانهاية.