ليس ثمة خطأ في العنوان او تكرار لمن قرأ استراحة الاسبوع الماضي.. فالمناجاة هي المناجاة.. والقمر هو القمر. كل ما في الامر اننا اكتشفنا بعد ان اطل علينا انه قد أضل! كيف حدث ذلك؟ تعالوا بنا نكمل الحديث . لعل هذا الجيل الذي يعيش نهايات القرن العشرين لا يعلم كم هو محظوظ وقد اصبح بإمكانه ان يشاهد ما يحدث في اقصى نقطة على خريطة الكرة الارضية في نفس اللحظة التي يجري الحدث فيها سياسيا كان او رياضيا او فنيا او مأساويا, وذلك بفضل ما وصلت اليه تقنية الاقمار الصناعية, هذه التقنية التي تطورت بشكل مذهل وسريع منذ ان انطلقت هذه التوابع في اواخر الخمسينيات بعد ان فشلت اولى محاولات نقل مادة تلفزيونية بين اوروبا ـ من بريطانيا ـ والولايات المتحدة عام 1959 عن طريق الكابلات الهاتفية في المحيط الاطلنطي ولم تنجح في نقلها حية لحظة وقوعها, وتم ذلك بسرعة تقل مئة مرة عن سرعتها العادية, أي ان الفيلم الذي كان يستغرق عرضه دقيقة واحدة كان ينقل من احد شاطئي المحيط الى الشاطىء الآخر في مئة دقيقة! ولم يمكن حل هذه المشكلة بالطبع إلا بعد ظهور الاقمار الصناعية التي ربطت اجزاء الكرة الارضية وحولت العالم ـ حسب التعبير الشائع ـ الى قرية صغيرة. الظاهرة التي تزامنت مع انطلاق تقنية الاقمار الصناعية هي ظاهرة تشكيل الاتحادات الاذاعية, ففي عام 1950 تم تشكيل اتحاد اذاعات الدول الاوروبية EBU لتنسيق التبادل ـ الاخباري منه على وجه الخصوص ـ بين محطات التلفزيون الاوروبية, وعلى النطاق العربي تم تشكيل اتحاد اذاعات الدول العربية حيث ابرمت اتفاقية عام 1955 ولكنه لم يبدأ العمل الفعلي سوى عام 1969. وقد شارك الاتحاد العربي في التبادل الاخباري الاوروبي ابتداء من عام 1977. في منتصف الثمانينيات.. مع اطلاق القمر الصناعي العربي او قبل ذلك بشهور قليلة شاركت في احدى الندوات التي نظمها اتحاد اذاعات الدول العربية في اطار الجهود التي كان يبذلها للتمهيد لاستخدام هذا التابع الفضائي مستفيدا من العلاقة القوية التي تربطه باتحاد اذاعات الدول الاوروبية, وكانت تجربة شيقة ومفيدة بحق في سبيل ايضاح الرؤية لكيفية التعامل مع التطور الذي من المفترض ان يحدث مع استخدام العرب لقمر خاص بهم سيتيح لهم امكانية التواصل دون عوائق والانفتاح على بعضهم البعض متجاوزين حاجز المسافات الذي يحد من نقل الصورة التلفزيونية بواسطة المحطات الارضية العادية. اختار اتحاد اذاعات الدول العربية خمس محطات عربية روعي في اختيارها التوزيع الجغرافي للوطن العربي, بحيث تمثل مغرب الوطن ومشرقه ودول الوسط, كما تم اختيار خمس محطات اوروبية بالتنسيق مع اتحاد اذاعات الدول الاوروبية روعي في اختيارها ايضا التوزيع الجغرافي للقارة الاوروبية وطلب من المحطات العشر ان تقوم بتسجيل نشرة اخبارها الرئيسية في يوم وتاريخ واحد تم تحديده من قبل الاتحادين, ثم قام الاتحاد العربي بتنظيم لقاء في تونس في وقت لاحق لتسجيل هذه النشرات دعي له مسؤولو الاخبار بمحطات التلفزيون العربية وخبراء من الاتحاد الاوروبي وبعض المسئولين من محطات اوروبية لمشاهدة ما سجل من نشرات وتحليلها للخروج برؤية للشكل الذي يجب ان تكون عليه نشرات الاخبار العربية في عصر الفضاء. ولاهمية اللقاء وما يحمل من عناصر تشويق قررت المشاركة فيه, فماذا حدث في هذا اللقاء الذي مازال ماثلا في ذهني حتى الآن؟ بدأ اللقاء بمشاهدة نشرات الاخبار الاوروبية وقد كان الحدث الذي تصدر جميع هذه النشرات دون استثناء هو خبر اختفاء طائرة ركاب مدنية فوق جبال الالب وعدم معرفة مصيرها ومصير الركاب الذين كانوا على متنها, ولم يتصدر خبر رئيس او وزير أيا من تلك النشرات رغم وجود اخبار مهمة من هذا القبيل تراجعت الى وسط النشرة او مؤخرتها, كما لم تتجاوز اي من تلك النشرات حاجز الوقت المخصص لها والذي لم يزد عن عشرين دقيقة بحد اقصى, فماذا حدث عندما بدأنا مشاهدة النشرات العربية؟ لم تخرج واحدة من النشرات العربية الخمس التي شاهدناها عن قاعدة ان تتصدرها اخبار الحكام ومقابلاتهم البروتوكولية غالبا كاستقبال الوزراء والسفراء مثلا وتفقد المشاريع, بل ان احدى هذه النشرات قد زادت على ذلك بأن تصدرها تقرير كانت مدته لا تقل عن ربع ساعة حول احد المشاريع الزراعية في منطقة من مناطق تلك الدولة كان يفترض ان يكون مكانه برنامج خاص عن الزراعة حيث لم يحمل اي صفة او قيمة اخبارية على الاطلاق سوى ان مناسبته هي زيارة مسئول من تلك الدولة للمنطقة التي يتحدث عنها, اما خبر الطائرة المنكوبة الذي تصدر نشرات الاخبار الاوروبية باعتباره ـ من الناحية الاخبارية المهنية ـ هو الحدث الاهم في ذلك اليوم فقد تراجع في النشرات العربية الى مؤخرة النشرة ولم تأت على ذكره بعض هذه النشرات. بعد الانتهاء من مشاهدة النشرات العشر ران الصمت على القاعة لفترة حيث كنا بانتظار الاستماع لرأيهم في نشراتنا.. ولم يطل انتظارنا عندما توجه احدهم بالسؤال الينا قائلا: (بودي ان اعرف.. هل تتصدر اخبار الحكام نشرات الاخبار لديكم دائما على النحو الذي رأيناه الآن؟ ام هي الصدفة التي جعلت هذه الاخبار تتصدر جميع النشرات التي شاهدناها دون استثناء؟) ومرة اخرى كان الصمت هو سيد الموقف, مما جعل المتحدث يواصل قائلا بعد ان استشف الاجابة, (ليس لدي اعتراض على ذلك.. ولكنني اتساءل: عندما يرى المواطن رئيسه او حاكمه على شاشة التلفزيون كل يوم بشكل مكرر ولعدة مرات في اخبار عادية قد لا تلقى اهتمامه, ألا يمكن ان يؤدي ذلك يوما ما الى انصرافه عن مشاهدة حدث مهم لهذا الحاكم او حديث هام يريد توجيهه لشعبه فلا يجد من يستمع اليه؟) ثم استرسل في شرح وجهة نظره ليمتد الحوار بعد ذلك الى آفاق استفاد منها الحضور على المستوى الشخصي ولكنها لم تجد طريقها الى التنفيذ إلا في اضيق الحدود وبعد سنوات من ذلك اللقاء في محطات قليلة استطاعت ان تكسر هذا الحاجز بينما ظلت اغلب محطاتنا اسيرة ذلك الشكل الذي عفا عليه الزمن والمضمون التقليدي لاسباب لا تخفى عليكم. مثال آخر مثير للدهشة والاستغراب لا دلالة له سوى حالة التخبط والحيرة وعدم وضوح الرؤية التي رافقت امتلاكنا للقمر الصناعي, فخلال فترة الاعداد لوضع التصميمات النهائية لعربسات طلبت الهيئات الاذاعية والسلطات التعليمية والاتصالية في البلدان العربية انشاء قناة قمرية تسمى بالقناة غزيرة الاشعاع فاقت كلفتها حوالي 25% من اجمالي كلفة تصنيع القمر, ولكن هذه القناة ظلت معطلة لم تستخدمها اي من الدول العربية رغم كل الاغراءات والامتيازات التي قدمتها المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية في تكلفة استخدامها الى الدرجة التي دفعت مجلس وزراء الاعلام العرب الى الاعراب عن اسفه لذلك قائلا: (ان عدم الاستفادة حتى الآن من القناة غزيرة الاشعاع يمثل اهدارا لجانب كبير من امكانات القمر العربي, ويعتبر تناقضا مع الآمال العربية بأن يقترن اطلاق القمر بإنشاء قناة تلفزيونية تغطي بإرسالها كافة ارجاء الوطن العربي) !! هل لاحظتم من الذي يقول ذلك؟!! غرائب كثيرة رافقت اطلاق القمر الصناعي العربي الذي اكمل اربعة عشر عاما حتى الآن, فهل تراها سن المراهقة التي يمر بها قمرنا هي التي تدفعنا الى استخدامه هذا الاستخدام الاهوج البعيد عن القيم والمضامين الاخلاقية الهادفة التي كنا نحلم بها عندما كنا نخطط لاستخدامه؟ ربما وإلا فبماذا تفسرون لي هذه الموجة من البرامج التي يزخر بها فضاؤنا العربي والتي تتحول فيها شاشاتنا الى ديسكوهات تتناثر فيها الفتيات في كل ركن وزاوية من زوايا الاستوديو في ملابس اقرب ما تكون الى قمصان النوم الفاضحة وفرقة موسيقية ما ان تبدأ العزف حتى تتقافز الفتيات وينخرطن في رقص هستيري دونه رقص السكارى في علب الليل, حتى اذا ما انتهت نوبة الرقص اتحفنا مقدم ومقدمة البرنامج باسئلة من النوع الذي سأذكره وقد نقلته بالنص من احد هذه البرامج دون تزيد حيث كانت ضيفة الحلقة احدى مطربات الموجة الجديدة وكانت الاسئلة تدور حول المطربة ضيفة الحلقة: * شو اكلتها المفضلة؟ ـ بعد هرج ومرج وصراخ من كل الجهات واختلاف حاد : الفتوش.. التبولة.. الكبه النية.. الـ... الـ.. الملوخية. المذيع: صح.. الملوخية.. برافو فريق الشباب كسبتو فريق الصبايا. * شو كان عمرها اول ما انغرمت؟ (كم كان عمرها عندما عشقت للمرة الاولى؟! هكذا كان السؤال وحق الله) . ـ (هرج ومرج مرة اخرى) : 12 سنة.. 13 سنة.. 14 سنة.. 17 سنة. المذيع: برافو فريق الصبايا, كان عمرها 17 سنة اول ما انغرمت. * مين, رجل احلامها؟ ـ وهنا حار الشباب والصبايا وذكروا العديد من الاسماء لنعرف في النهاية ان رجل احلامها هو (يللي بيحبها) وكان الله في عونها اذا كان ذلك صحيحا لان محبيها كثيرون. * مين مثلها الاعلى؟ ـ وأرجو ان تعفوني من ذكر الاجابة فقد كان مثلها الاعلى بعد تخمينات كثيرة شخصية دينية لا يصح الزج بها في مثل هذه البرامج وفي اجواء كهذه. فكرة البرنامج وشكله ـ للعلم ـ مأخوذان من برنامج فرنسي اسمه (هيجان ليلة السبت) ! هذا نموذج من البرامج التي نحمّلها ـ ظلما ـ قمرنا العربي الذي يدخل كل البيوت فيراه ابناؤنا وبناتنا وزوجاتنا واخواتنا وامهاتنا ومن نؤتمن عليهم ويتأثرون به.. أفلا يحق لنا بعد ذلك ان نستبدل (المضل) بـ(المطل) بعد ان ضلت اطلالته الطريق وحادت عن الهدف الذي كنا نرجوه منها؟!