صورة صغيرة.. أربعة في ستة, قديمة, بدأت ألونها تتغير منذ زمن بعيد لتكتسب هذا اللون الحائل الذي يقف على حواف الألوان المختلفة, فلا هو أصفر, ولا بني, ولا أحمر, ولا أخضر. إنما هو لون لا يمكن تحديده, أو تعيينه أو إرجاع نسبه إلى لون مميز, تماما كالزمن, كالوقت الذي نرى أعراضه ولا ندرك جوهره نلمس آثاره ولا نفهم كنهه. حوافها تآكلت, أضعها تحت زجاج مكتبي, في موضع يمكنني العبور بعيني عليها إذ أجلس إليه, متسائلا بين الحين والآخر: أحقا هذا أنا ؟ صورتي أم صورة شخص آخر كان يسعى يوما؟ ماذا يربطني بها؟ أي صلة؟ أي ؟ انها أقدم صوري, ربما التقطت في نهاية الخمسينات, بالتأكيد قبل عام ألف وتسعمائة وستين, أقدم ما وصل سالما من صوري القديمة حتى هذه اللحظة, إذا فقدت كافة ما التقط لي من صور قبل عام ألف وتسعمائة وستة وستين, كنت حريصا على الاحتفاظ بصوري القليلة والتطلع إليها بين الحين والحين, محاولا تذكر اللحظات التي تم تثبيتها من الزمن, منذ بكورة عمري وهاجس الوقت يلاحقني فما البال الآن, وكيف أصبح وأنا أدنو من الخمسين, وقطار عمري يوشك على دخول العقد السادس ؟ كنت أضع صوري تلك في مظروف أصفر, لم أكن قد امتلكت ألبوما بعد. أذكر من بينها صور المدرسة الابتدائية, في نهاية كل سنة يصطف الفصل بأكمله في فناء مدرسة عبد الرحمن كتخدا الابتدائية بقصر الشوق, المبنى مغلق الآن آيل للسقوط, خرب, وما من محاولة لإنقاذه مع أنه كان من دور القاهرة القديمة المشهورة. كنا ننظم في ثلاثة أو أربعة صفوف متدرجة, لا يخفي أحدنا الآخر, وفي منتصف الصف الأول مقعدان أو ثلاثة يجلس إليها الناظر والمدرس الأول وأحد مدرسي الفصل. أذكر أن الشيخ مصطفى, غاب اسمه الثاني عن ذاكرتي المثقلة, المجهدة, كان شيخا مهيبا؟, عميق الحضور, يسكن حارة درب المسمط, إذ أراه خارجا منها أتوارى مختفيا عن أنظاره في الطريق, لم يكن قاسيا فلا أذكر أنه ضرب زميلا لي, ولكنه كان عميق الصوت, قوي المهابة, ترك عندي أثرا, إذ علمني كيف أمسك الكتاب بين أصابعي بشكل صحي, وحتى الآن كلما اتخذت هذا الوضع يمر أمامي, أحيانا مسرعا, ومرات أخرى متمهلا. كان الشيخ مصطفى أستاذا للغة العربية, كان يتوسط مقدمة إحدى هذه الصور, لكم تمنيت تأملها الآن, استعادة ملامح زملائي. صورة أخرى لأسرتنا فقدتها, كان والدي يرحمه الله يصحبنا للنزهة في الحدائق والمتاحف, وأذكر أنه حدثنا عن نافورة جديدة تطلق الماء إلى أعلى مصحوبة بأضواء ملونة, وذات عصر خرجنا قاصدين ميدان التحرير, وانبهرنا بالنافورة ذات الأضواء الملونة وجلسنا فوق دكك الرخام المحيطة بها, وطال وجهي رذاذ مائها, ثم جاء رجل يرتدي حلة صفراء ويحمل آلة تصوير ذات ثلاث سيقان خشبية, وافق أبي, دس المصور رأسه في قماش طويل يشبه الكم الضخم. انها الصورة الوحيدة لنا معا من هذا الزمن الآمن, الجميل, ربما التقطت في عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين, ربما بعد ذلك, ولكم كنت أتمنى أن أعلقها في أقرب مكان, فكل ما لدي من صور الراحلين العزيزين لا يزيد عمر أقدامها على عشرين عاما خلت ! لكن هذه الصورة ضاعت أيضا. كذلك صور أخرى لرحلة قمت بها إلى الأقصر عندما كنت طالبا في مدرسة العباسية الثانوية الفنية, كنت عضوا في فريق الكشافة, وسافرنا إلى الآثار الفرعونية والى أسوان, وصلنا إلى موقع الاحتفال بتفجير أول شحنة ديناميت في مشروع السد العالي ضغط الزر جمال عبد الناصر, والملك محمد الخامس, ورئيس عربي ثالث لا أذكره الآن. وصلنا إلى الموقع في اليوم التالي مباشرة, التقطنا صورة, وهذه أيضا فقدتها. فقدتها, وفقدت كافة صوري الملتقطة لي قبل التاسع من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وستة وستين, كذلك كافة الصور التي خصت شقيقي إسماعيل, وأبي وأمي, ولم ينج من الزمن القديم إلا هذه الصورة فقط, الصورة الصغيرة (الفوتوماتون) . وقبل أن أتوقف عندها لابد من ذكر الظروف التي فقدت فيها صور الزمن الأول. فجر التاسع من أكتوبر, عام ألف وتسعمائة وستة وستين. دوت طرقات عنيفة على باب شقتنا الصغيرة في حارة درب الطبلاوي بقصر الشوق, حدث ذعر في البيت البسيط الذي لا يتوقع شرا مباغتا, وقد أورث هذا الذعر شقيقي الأصغر على مرض الصرع الذي استمر معه حتى الآن, وعالجه الصديق الدكتور عادل صادق لمدة ثمانية عشر عاما متصلة, بكل ما ترتب عليه من مضاعفات, حتى حصل أخي على ليسانس الأدب منذ أعوام قليلة. لن أخوض في التفاصيل, فالمرارات داخل نفسي كثيرة, ولست بساع إلى نكأ الجرح الآن. دخل ضابط يرتدي قميصا وبنطالاً مدنيا, يتبعه اثنان مخبران, اتجه كل منهما إلى غرفة, وبدا التفتيش. كانت مكتبتي تحتل صوانا واحدا فقط قديما اشتريته من تاجر أثاث قديم بخمسة جنيهات وقتئذ, كانت تضم حوالي خمسمائة كتاب, وكشاكيل تحوي مذكراتي, ومخطوطات قصصي, وثلاث روايات لم تنشر, وصوري. بعد تفتيش دقيق دام أكثر من ساعتين, كانت المضبوطات عبارة عن نثار ذكرياتي, وصور تشير إلى لحظات منقضية, وثلاث روايات مخطوطة لم تنشر فقدتها إلى الأبد, وحوالي خمس رزم ورق أبيض مسطر, فلكي أكتب مطمئنا لابد أن احتفظ بعدد من هذه الرزم, والغريب أنني كنت أتذكر ما سلب مني خلال أيام حبسي الانفرادي الذي دام أكثر من شهر, فأحزن على هذا الورق الأبيض نفس حزني على مخطوطات رواياتي الثلاث الضائعة. لم ينج إلا هذه الصورة الصغيرة (الفوتوماتون) . ربما بدأ نظام التصوير السريع في الخمسينات, حيث يمكنك أن تحصل على الصور بعد دقائق, بدون رتوش, في شارع أم الغلام القريب من مسجد مولانا وإمامنا الحسين افتتح ستوديو علق إعلانا ملونا كبيرا عن آلة التصوير الحديثة, وكان الثمن زهيدا جدا. داخل الاستديو عقال عربي, وقبعة رعاة البقر, ولحية مستعارة, ومسدس, وخنجر, وغطاء لعين قرصان. اخترت عقالا عربيا, ملوناً بالأحمر والأصفر, مازال اللونان واضحين, ومسدسا, ها انذا أشهره, في وجه من؟ هل كنت استعير وضعا لنجم سينما, أم أتخيل نفسي بديلا لبطل إحدى القصص البوليسية التي أدمن قراءتها؟ لماذا أبدو جادا, بل.. غاضبا ؟ شقيقي إسماعيل إلى جواري, مبتسم, طفولي الملامح, يتحدث في سماعة هاتف وهمية, ويمسك كتابا مفتوحا, إحدى قصص ارسين لوبين, كنت أصحبها معي. ما الذي يجمعني الآن بهذه الصورة ؟ وإذا ما قدر لهذا الصبي المطل منها أن يخرج وأن ينطق, فماذا سيقول؟ وماذا سأقول له؟ هل سيسألني عما فعلته به؟ عما سببته له؟ كيف سأجيبه؟ بل إذا مضى وجلس إلى جواري, وحاورني, هل سأتعرف عليه؟ هل سأدرك ذاتي التي كانت؟ انني لأمعن النظر إلى الصورة (الفوتوماتون) التي نجت من عوامل الدمار, ومن الاعتقال السياسي, وأتساءل وأنا عظيم الشجا: أين ذهبت هذه الأيام ؟ أين؟ على الشاطئ تراقب الأم ابنتها الصغيرة التي تلعب عند حافة البحر مع أطفال تعرفت إليهن هنا, أمواج متوسطة العنف, تصطدم بالرمال ثم تنحسر لترتد من جديد في حركة أبدية, تهدأ حينا, تعنف أحيانا لكنها لا تتوقف. بين الحين والآخر تصيح منادية الابنة, محذرة من التوغل في البحر, أو منبهة إلى شيء ما لتشعرها بقربها, ثم تعود إلى استرخائها من جديد. على مهل اقتربت طفلة منها, ترتدي ثوبا قصيرا, جميلة الملامح, تضع يديها خلف ظهرها, تطلعت إلى الأم قليلا قبل أن تسأل: كل دول ولادك ؟ تطلعت إليها الأم, كأنها فوجئت بوجودها: لا يا حبيبتي أشارت إلى الطفلة دي بنتك أيوه يا بختها قامت الأم منهية الجلسة المسترخية, قالت الطفلة مجيبة عن التساؤل: عشان أنت أمها ثم تداركت بسرعة أنا دلوقتي عندي أم جديدة خفق قلب الأم, لأول مرة تلحظ وحدة الطفلة, من والدها؟ أين أسرتها ؟ قالت ان أبيها ضابط شرطة, وانهم يعيشون في المدينة, لكنهم يدخلون كافة الفنادق الحديثة على الشاطئ, يصحبها والدها في الصباح, ويتركها تتجول في الفندق, في الحديقة, في ملاعب الأطفال. المدير صاحب بابا.. كل المديرين أصحابه مرة أخرى تلتفت الطفلة إلى الحد الفاصل بين البر والبحر وأنت دايما بتخرجي معاها تتطلع الأم إليها, ثمة حزن بدأ يسري عندها, قالت محاولة أن تبدأ حوارا مختلفا: وأنت اسمك إيه ؟ ياسمين رحت المدرسة ؟ في الحضانة بسرعة قالت: يا بخت بنتك عشان أنت دايما بتخرجي معاها ثم قالت رافعة إصبعها النحيل, الدقيق جدا بس ماما الجديدة طيبة خفضت رأسها قليلا والله العظيم طيبة.. لما أقول لها عاوزه أشرب بتجيب لي كباية الميه تتطلع الأم بعينين يدنو الدمع من مشارفهما, تهز الطفلة رأسها مؤكدة: آه والله العظيم.. بتجيب لي أشرب ! معرض برودة خفيفة, نذر خريفية, أما الشتاء فتباشيره لا تخفى خاصة ليلا, الأب والابن في عربة الأجرة, الابن أغفى قليلا, صحبه اليوم منذ بدايته, مضيا إلى منزل العم, ضابط مهندس, طيب, هادئ جدا, اخرج أجهزة حاسبة, وأخرى إلكترونية, راح يشرح لابن شقيقه, كيف تعمل هذه, وكيف تعمل تلك, ثم أطلعه على ألبوم الصور الخاص برحلته الأخيرة إلى أمريكا. بعد زيارة العم, مضى الأب وابنه إلى معرض يبيع كتب الأطفال واللعب, بعد أيام يحتفل الطفل بعيد ميلاده, اشترى الأب طائرة له, وعروسة لشقيقته الصغيرة. خرجا إلى الشارع, جلسا في مقهى, راح الابن يتطلع إلى والده صامتا, وبين الحين والحين يستفسر عن طريقة عمل النرجيلة, كان ينظر إلى والده ويخشى ارتكاب خطأ ما, ويحرص على ألا يقطع صمته. حقا.. لماذا يسكت أبوه كثيرا ؟ كان يسأله: أنت زعلان مني يا بابا ؟ يتطلع إليه الأب, في عينيه شجى لا يخفى, وعلى طرفيهما دمعتان معلقتان. لا يا حبيبي أمال ساكت ليه ؟ بأفكر يتطلع إليه الابن صامتا, محمل بالتساؤلات لكنه لا ينطق خشية إزعاج والده. لكم يبدو متقدما عن سنه, كأنه يدرك ما عند أبيه, بحسه. ها هما معا, بعد زيارة العم, والمعرض, ذهبا إلى قاعة سيد درويش, شاهدا فرقة الموسيقى العربية, عند خروجهما قال الصبي: أنا بأحب الموسيقى العربية ثم قال: عارف ليه ؟ نظر إليه الأب عشان أنت بتحبها في عربة الأجرة المشتركة أمسك بالعلبة التي تحتوي على الطائرة, استفسر عن تفاصيل خاصة باللعبة, تباعدت أسئلته, غفا, مال الرأس على جسد أبيه, أحاطه بذراعه حتى يكون وضعه مريحا, في الطريق والليل مكتمل, استيقظ الابن, قال بلهجة سريعة كأنه يتكلم في نومه, أو يواصل حوارا صامتا: عاوزين نبقى نخرج مع بعض تاني يقول الأب إنشاء الله يتمنى الصبي بصوت يملؤه الوهن ياريت.. ولو مرة كل شهر يا بابا زيارة دخلت بيت صاحبي العائد من السعودية في إجازة صيف, وصلوا أمس, بعد عناقه, وترحيب زوجته, أحاط بي أبناؤه الثلاثة, ابنته الكبرى, وابنته الوسطى, وطفله البالغ من العمر أربع سنوات. ازيك يا عمو واحشني قوي يا عمو تعلق الطفل بي والنبي تبات عندنا يا عمو, خليك معانا نظرت إليه, متحسسا شعره بيدي, قال وقبضته الصغيرة متعلقة بثوبي: اصلي هناك ماحدش بيزورنا.. ومابنشوفش حد خالص. حوارات متفرقة قالت الطفلة لوالدها مشيرة إلى الصورة: دي مين ؟ قال الأب: دي ستو يا حبيبتي قالت الابنة ودا مين ؟ ده جدو قالت يعني أمك وأبوك ؟ قال نعم قالت هما راحوا عند ربنا أومأ صامتا, قالت واحنا كمان حنروح عند ربنا؟ أومأ مجيبا, قالت يعني حنشوفهم تاني؟ راحت الطفلة تقلب صور عرس والديها, قبلت صورتهما وهما يقطعان الكعكعة, فجأة.. التفتت إلى أمها ماخدنيش معاكو ليه؟ تساءلت الأم فين؟ قالت الطفلة مواصلة طبعا يا ستي.. سبتوني لوحدي في البيت تساءلت الأم أمتى؟ بدا بكاء في صوت الطفلة تقدري تقولي ليه سبتوني في البيت ؟ نظرت الأم حائرة, بدا حزن الابنة واضحا طبعا رحتوا مع بعض, وماخدنيش معاكو تسأل الابنة اشمعنى أخويا أكبر مني ؟ تبدو غاضبة, تلوح بيدها الصغيرة مخاطبة أمها ليه ماخلفتنيش قبله؟ تتابع كان زماني في المدرسة, وعندي أصحاب ! كان الأب يصغي بعمق إلى غناء يحبه لمطربة تركية جميلة. دخلت الابنة الغرفة بتسمع أمل حايين ؟ قال الأب نعم ليه ؟ بدت غاضبة, أشارت بإصبعها لأ.. أنت تحب ماما وبنتك بس في حديقة الأطفال تحاول الابنة أن تتزحلق, يزاحمها طفل أكبر حجما وسنا, قالت أنت حتخوفني.. دا أنا عندي أخ يوريك ثم أسرعت تجري إلى شقيقها الذي كان يماثل الولد عمرا وسنا تقريبا الواد اللي هناك ده بيضايقني يتقدم شقيقها متمهلا, يتوقف أمام الصبي جرى أيه يا كابتن؟ ينسحب الولد مبتعدا, تستعد لصعود الزلاقة, تتطلع إلى الأولاد الذين راحوا ينظرون إلى شقيقها طويل القامة.. تصيح فيهم ارجعوا ورا