مياه كثيرة جرت في نهر الاعلام العربي ـ المرئي منه على وجه الخصوص ـ منذ أن انطلقت دعوة (التلفزيونيين) العرب في منتصف السبعينات لامتلاك قمر صناعي عربي ينقل بث محطات (التلفزيون) العربية إلى الفضاء رافعين رغبتهم وأمنيتهم هذه لوزراء إعلامهم الذين نقلوها بدورهم لزملائهم وزراء المواصلات باعتبارهم جهة الاختصاص ليأخذها هؤلاء الوزراء على محمل الجد ويطلقوا أول قمر صناعي عربي في منتصف الثمانينات سابحاً في الفضاء وسط زفة كبيرة ومظاهرة احتشد لها العاملون في الإعلام بمختلف أشكاله مرئياً ومسموعاً ومقروءاً يزفون البشرى للناطقين بالضاد بغروب شمس عصر عانت فيه الأمة من سيطرة الاعلام الغربي والغزو الثقافي الغاشم الذي طالما استهدف عقولنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا الدينية وموروثاتنا الثقافية, إلى آخر هذه المنظومة التي يحلو للبعض إحاطتها بذلك السياج المنيع داعين إلى عدم الاقتراب منها بأي شكل من الأشكال, وإن كان الواقع والمنطق يقولان إن بعضها ـ ولا أقول كلها ـ ليس من الثوابت التي لا تقبل الحركة وإعادة التشكيل في ظل نظرية التلاقح الحضاري الحتمي, وهو ما حدث ويحدث لكل الأمم والشعوب على مدى التاريخ بحكم تعاقب الاجيال وتنامي المعارف واختلاف الثقافات, وكلما أتاح العصر ووسائل الاتصال والمواصلات فيه مزيداً من الاحتكاك والالتقاء بين الشعوب كانت امكانية الأخذ والعطاء واحتمالات التأثر والتأثير أكبر. حدث ذلك في كل العصور بدرجات متفاوتة ضبط ايقاعها وحدد نسبتها عوامل عدة فصّلها علماء التاريخ والاجتماع ليس هذا مجال ذكرها, فمن قال إن الحضارة والثقافة الاسلامية لم تتأثر بالحضارة اليونانية الاغريقية ـ على سبيل المثال ـ عندما نشطت حركة الترجمة في عصر ازدهار الدولة الاسلامية وتم نقل المعارف والعلوم والمؤلفات الاغريقية إلى اللغة العربية؟ ومن قال إن الحضارة الغربية لم تتأثر بعد ذلك بعلوم العرب والمسلمين وثقافتهم وأدبهم عندما امتدّ الفتح الاسلامي إلى أجزاء من القارة الأوروبية إلى الدرجة التي تركت أثراً ملحوظاً في أخلاق السكان وعاداتهم وأدخلت هذا الكم الهائل من مفردات اللغة العربية وألفاظها إلى لغاتهم ولم تغادرها حتى الآن رغم انحسار مجد العرب وأفول نجمهم وانكسارهم وتراجعهم إلى الصفوف الخلفية منذ ما يقرب من خمسة قرون؟ ذلك حديث ربما قلّب المواجع ونكأ الجروح فدعونا نعود مرة أخرى إلى الحديث عن الاقمار التي هي أصناف يعنينا منها تلك السابحة في الفضاء التي يطلق البعض عليها (توابع) وهي التسمية الأصح في رأيي وإن كان تعبير (الاقمار الصناعية) هو الأكثر شيوعاً واستخداماً, نعود فنقول إنه ما أن أحس (التلفزيونيون) بأن وزراء المواصلات قد أخذوا الموضوع مأخذ الجد حتى انطلقت سلسلة من الاجتماعات برعاية اتحاد إذاعات الدول العربية أول الداعين وأكثر المتحمسين لامتلاك قمر صناعي عربي كان الهدف منها هو التخطيط لاستخدام هذا القمر أو التابع الاستخدام الأمثل, فتشكلت مجموعة من الاخباريين لدراسة كيفية الاستفادة منه في التبادل الاخباري, ومجموعة أخرى من البرامجيين للتخطيط لكيفية استغلاله في تبادل المواد البرامجية بيسر وسهولة بعد أن ضاقوا ذرعاً بتحكم شبكة (إنتلسات) فيهم, وأعيتهم محاولات الخروج عن النطاق الذي تتحكم بهم فيه شبكات لا سيطرة لهم عليها يحكمها نظام أسبقية الحجز في الوقت الذي عودتنا أحداث عالمنا العربي على عنصر المفاجأة والمؤتمرات التي غالباً ما تكون طارئة مما يوقع المسؤولين عن حجوزات الأقمار الصناعية في ورطة ويضعهم في مواقف لن ينقذهم منها سوى قمر صناعي لا يشاركهم فيه غيرهم. وكان قد دخل على الخط قبل ذلك التربويون بعد أن تحمس اتحاد إذاعات الدول العربية منذ مدة طويلة لاستخدام الاقمار الصناعية في نقل البرامج التربوية بين الدول العربية؛ وأصدر في عام 1972 تقريراً حول مزايا استخدام الاقمار الصناعية في نقل البرامج التلفزيونية التعليمية والثقافية والإعلامية من خلال شبكة عربية ورد فيه بالنص أن (المنطقة العربية تكاد تكون المنطقة الحضارية النموذجية في العالم التي تتميز بمميزات وحدة الأرض والبيئة والثقافة واللغة والتاريخ والمصالح والارادة المشتركة؛ تجعل من الضروري لها أن تعتمد على أرقى ما وصل إليه العلم من وسائل الاتصال, وهو القمر الصناعي) وقال التقرير كلاماً جميلاً لم يقلل من جماله وروعته سوى ذلك الواقع المحزن للتلفزيون التعليمي في عالمنا العربي شكلاً وموضوعاً؛ الأمر الذي مثّل صدمة واحباطاً للاعلاميين والتربويين على السواء. وقد كان لي حظ المشاركة في أغلب تلك الاجتماعات بحكم انتمائي لهذا المجال هواية وعشقاً أولاً وثانياً وثالثاً وعاشراً, ثم بحكم دراستي وعملي فيه لسنوات تقترب من الربع قرن, وقد كان هذا الرقم محل استغراب وشك كثير من الأخوة والزملاء عندما ذكرته في افتتاح دورة (العربية لغة الاعلام العربي) بمركز التدريب الاعلامي بـ (البيان) التي يحاضر فيها الصديق والزميل الاعلامي الكبير عبدالوهاب قتاية, ولا أخفيكم أن استغرابهم وشكهم قد أسعدني لكون مبعثه أن سني لا تؤيد ادعائي هذه السنوات, ولعلها من المواقف القليلة التي لا يغضب المرء فيها للشك في حديثه, بل ربما مال إلى تصديقه وإعادة النظر فيما قال وانزلق إليه اللسان وأقولها بأمانة وتجرد إن جميع من نظّم ورعى تلك الاجتماعات وشارك فيها من الأخوة والزملاء المسؤولين والعاملين في إدارات محطات التلفزيون العربية وأقسامها البرامجية والهندسية المختلفة كانوا يفيضون إخلاصاً وحماساً للحلم الذي أوشك أن يصبح حقيقة وفرصة العمر التي أتت بعد طول انتظار وترقب, ولم يتأخروا عن وضع الخطط والبرامج للصيغة والكيفية المثلى لاستغلال هذه الوسيلة التي ستصبح في متناول أيديهم خلال فترة وجيزة في ظل معاناة فرضت عليهم أشكالا من طرق العمل حدّت كثيراً من قدرتهم على الابداع, ولكنهم ـ للأسف ـ كانوا يحلقون في الفضاء بعقولهم وقلوبهم حتى إذا ما انتهوا من تحليقهم هبطوا إلى واقع محبط قوامه ميزانيات كسيحة لا تكاد تفي بمستلزمات التشغيل اليومي ومعاناة دائمة من عجز لا يفتح أبواب الأمل للتفكير في أكثر من تسيير الأمور اعتماداً على نظرية أن (الشاطرة تغزل برجل حمار) أما التفكير في تطوير الأداء ووضع الخطط لذلك فهي مرحلة متقدمة وطموح لا يحق لهم التطلع إليه في ظل معاناتهم اليومية ومعركة تثبيت الوجود ـ وليس إثباته ـ التي يخوضونها كل يوم. أما إذا دفعهم شعورهم القومي إلى التفكير في عمل عربي مشترك تحشد له كل الجهود والامكانات فان الواقع العربي بما فيه من خلافات سياسية متنوعة التضاريس يضع حداً لمثل هذا الطموح عبّر عنه أحد وزراء الاعلام العرب وقتها بقوله: (ليس من المستبعد أن يقطع أحد قنوات القمر, خاصة وأن السياسة لدينا تتدخل حتى في لقمة الخبز...) . ولذلك فقد شكّل اتحاد إذاعات الدول العربية بعثات من الخبراء خاصة بالشبكة الفضائية العربية زارت عدداً من أقطار الوطن العربي وعادت بتقارير غير مشجعة على الاطلاق عزت الخوف من برامج مشتركة إلى الاعتبارات السياسية من جهة, وإلى إختلاف القيم فيما بين بعض الدول, وإختلاف بعض النظم (كنظم التعليم مثلاً) وإلى عدم وجود قدر كاف من البرامج المناسبة. إن مثلنا ومثل القمر الصناعي العربي كمثل ذلك الذي ظل يبحث عن مصباح علاء الدين فترة طويلة ويحلم بالحصول عليه, حتى إذا ما أصبح المصباح في يده وحكّه ليظهر له خادمه قائلاً: (شبيك لبيك, عبدك بين يديك) فغر فاه دهشةً وظل فاغراً له حائراً غير قادر على النطق. عندما بدأت كتابة هذا المقال وأثناء الكتابة ظلت تلح عليّ أمثلة كثيرة لهذا التخبط وهذه الحيرة التي تملكتنا بعد أن امتلكنا وسيلة البث الفضائي التي طالما حلمنا بها ـ على طريقة إعلانات أجهزة التخسيس من مشي وطيران وأحزمة هزازة نشدّها على بطوننا المفطورة أصلاً على شدّ الحزام ـ لكن المساحة المخصصة للاستراحة اوشكت على النفاد ـ بل هي نفدت فعلاً ـ دون أن أتمكن من ذكر بعض هذه الأمثلة, الأمر الذي يجعلني أبقي الملف مفتوحا لمواصلة الحديث إن كان في العمر بقية, فأقمارنا ـ إن اتفقتم معي ـ جديرة بذلك لما لها من إطلالة جميلة علينا وحضور طاغٍ في حياتنا.