تحاول الآلة الحديثة في زمن متسارع اخذ يلتهم الثواني والدقائق ان تتفوق على نفسها, فالعالم ينام ويصحو على تطورات مثيرة وعجيبة, فحلم الامس اصبح اليوم واقعا معاشا, وواقع اليوم سيصبح ماضيا يطويه النسيان.. هكذا ببساطة وبحكم التفوق الفكري والتكنولوجي المتواصل تنقرض مهن كانت رائجة لتحل محلها اخرى مرهونة بتطور المجتمع الاقتصادي . الغريب والمدهش في هذا الامر ان الانسان بمبتكراته الحديثة يحاول ان يقلل من تسيده للموقف فيضع الآلة مكانه, ويقف هو مكتوف الايدي متفرجا على ما سيسفر عنه واقع الحال, وفي كل مرة تكسب الآلة ويخسر هو مهنته, ورغم ذلك يجدد المحاولة بشكل مختلف وينجح في مسعاه, وفي المقابل تنجح الآلة ايضا في ازاحته عن مساحته وميدانه رغم سيطرته الفكرية وتفوقه الميداني. ومادمنا نتحدث في الميدان التكنولوجي اتساءل وغيري كثيرون, هل يأتي علينا يوم نجد فيه مهنة الصحافة من المهن البالية القديمة, ونجد الصحافي عملة قديمة يجب وضعها في احد المتاحف؟! وبشكل اكثر قربا هل نجد الصحافي الالكتروني الذي بامكانه نقل الاحداث ووصفها باحاسيس وعواطف البشر؟ يبدو ان التقدم التكنولوجي في هذا الميدان يتسارع بشكل مثير, فقد اشارت تقارير صحافية حديثة في هذا الميدان إلى أن المراسل الصحافي لن يحتاج في العصر المعلوماتي ذي الوتيرة المتسارعة إلى دفتر اوراق لتحرير مراسلاته في الميدان, بل سيزود بافضل النظم والمعدات الالكترونية الصغيرة لتنفيذ مهماته, فالمراسل الالكتروني سيعرف موقعه على الارض بالاعتماد على نظام التحديد الشامل ويتعرف على اخر الانباء عبر خوذة سمعية وبصرية تظهر على شاشتها الصغيرة نصوص الاخبار الجارية فيما يستمع بواسطة سماعات صغيرة إلى الانباء المتواترة, ويسهل الكمبيوتر المتنقل والهاتف النقال ارسال المعلومات من موقعه نحو النظم الكمبيوترية للصحيفة في اي موقع من العالم. وفي هذا الاطار اذكر ان احد فناني الخط وجه نداء عبر صفحات الجرائد طالب خلاله بايقاف استخدام الخطوط العجائبية المنتشرة في اجهزة الكمبيوتر نظرا لعدم صحتها فنيا, مشيرا إلى أن هناك تشوهات واخطاء في المنهج يترتب عليها عدم سلامة الكثير من الخطوط المتداولة فنيا. ومن هنا نجد ان صاحب المهنة يحس بمهنته وتفوقها ولذتها وهمومها اليومية رغم سيطرة الآلة بسرعة انجازها وسهولة التعامل معها, الا انه يظل رغم ذلك عاجزا امام تيارها الجارف, فقد اصبح كثير من المهن والحرف من بقايا الامس بعد ان توقفت اجباريا لتقبع في زوايا احد المتاحف أو امام اعين من يتعاطون التراث ويتفحصونه فقط. ويبدو ان الطفرات التي يشهدها العالم الاقتصادي اليوم تشجع على المضي في ايجاد مهن اخرى بعد تلاشي الكثير من المهن التقليدية, ولا يقتصر ذلك على المجتمعات الاقتصادية الغنية, بل يطال ايضا المجتمعات الفقيرة التي تسلخ جلدها يوميا في محاولة لاهثة وجادة لمواكبة الدول الاكثر تقدما وتطورا ونماء. المثير ان المبتكرات الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا الخالصة في تشغيلها بدأت تلغي تفاعل الانسان واحساسه بالاشياء, واصبحت تزود المحيط الخارجي بتفاعلات واحاسيس آلية, والمثال على ذلك ما ذكرته احدى الشركات في انها ابتكرت شاشات متحركة ضخمة بالامكان وضعها في ملاعب الكرة تعوض مشكلة عدم حضور الجمهور, حيث تقوم تلك الشاشات باستحضار جمهور صناعي يتفاعل مع الكرة الجميلة, فهو يتأوه ويتحسر على الكرات الضائعة, ويعض اصابع الندم على الكرات التي من الواجب ان يكون مصيرها الشباك, وبذلك تجد الفرق ـ كما يقول المصنعون ـ جمهورا وفيا يشجع الكرة الراقية الجميلة بعيدا عن التعصب المجنون وشغب الملاعب, كل ذلك ونحن نستورد افرازات الآلة الصناعية وما تقوله التكنولوجيا وما تفرضه الشركات. ولا ندري ماذا سنستورد في الايام السريعة المقبلة؟ يبدو اننا سنستورد العواطف ولغة الحب بعد ان انعدمت من قواميس الحياة المعاشة, فلن نستغرب بعد اليوم لو وجدناها معلبة وموضوعة على رفوف السوبر ماركت, ولن نشكو بأسا بعد اليوم, فكل شيء اليوم اصبح معلبا.