لو انك رأيت الشاعر عمر الاقصري ولو لساعة واحدة ما نسيته أبدا, لا لأنه شاعر جيد, فأنا لم اعد اذكر شيئا من شعره, ولا أظنه جمعه في ديوان, ولكن لأن عمر الاقصري كان متمردا على مجتمعه على غرار عدد من الشعراء الذين تمردوا على كل شيء وعاشوا حياة غريبة, ومن هؤلاء مصطفى التل(عرار)شاعر الأردن وفهد العسكر شاعر الكويت , وقد سبق الاقصري أيضا في مصر الشاعر عبد الحميد الديب الذي هاجم الجميع وكتب نوعا جديدا من الشعر البذيء, وعندما حالوا جمع ديوان الديب اختلفوا, فقال بعضهم ان الديوان يجب تنقيته من بذاءات الشاعر, في حين قال البعض ان الشاعر لم يكن بذيئا بما تعنيه هذه الكلمة, لكنه عبر عما يراه بصدق, لذلك فنشر كل ما كتب ضرورة أدبية وتاريخية, وكانت نتيجة هذا الخلاف أن الديوان لم يصدر حتى الآن. ولا أظن أن عمر الاقصري كان بذيئا في شعره بل اعتقد انه كان حريصا على الرصانة وكان يضيق بكل ما يراه إسفافا في الشعر الذي كان يفرز في الوقت الذي عرفت فيه تعبيرات غريبة. ومازلت اذكر ندوة تكلم فيها عمر الاقصري رغم مرور سنوات طويلة, ولا اذكر متى كانت هذه الندوة ولكنها بالتأكيد قبل عام 1966 لأن متحدثها الأول الأستاذ أمين الخولي, وأمين الخولي هو أحد أساتذة العصر مثل طه حسين والعقاد والزيات واحمد أمين, وكانت له مدرسة في الجامعة وفي الحياة الثقافية وفيما سمي بـ (الإسناد) وهي جمعية أدبية من ابرز أعضائها صلاح عبد الصبور وفاروق خورشيد وعز الدين إسماعيل, وبالطبع قبل هؤلاء بنت الشاطئ التي كانت زوجة لامين الخولي ورفيقة دربه لسنوات. ولقد توفي الخولي عام 1966 ولذلك فالندوة كانت قبل ذلك وربما سبقت وفاته بعام أو عامين. وكان عمر الاقصري قد اعتزل الحياة والناس وراح في صلب زحام القاهرة وتحول إلى حالة لم تكن مفهومة لنا لكنها كانت مثيرة, وكان يغيب في عزلته لكنه يخرج منها فجأة فيقوم بشيء مدهش ثم يعود إلى العزلة. ولا أدرى هل حدث قبل ذلك أو بعد ذلك انه خرج من (مكمنه) الذي قيل انه (دكان) وقيل انه (عشة) من الصفيح في الهرم وقيل غير ذلك, المهم انه خرج من مكمنه وسار طويلا حتى وجد جمعا من الشباب يضحكون ويمرحون فدخل بينهم واخذ يناقشهم في سلوكهم وأفكارهم, ولا أظن ان الشباب قبلوا ما قال, فلم يكن الاقصري يختار إلا اكثر الالفاظ قسوة, وقيل ان هؤلاء الشباب غضبوا غضبا شديدا مما قال, فضربوه ضربا مبرحا وكان ذلك يتكرر بصور مختلفة. في تلك الندوة لا اذكر شيئا عنها سوى مشاركة الاقصري, تحدث أمين الخولي وهو الأستاذ الجليل فقام عمر الاقصري من بين الجمهور بفظاظته المعروفة, وعندئذ تدخل صلاح عبد الصبور الذي كان يدير الندوة. وكان صلاح عبد الصبور بطلنا ومثلنا الأعلى وشاعرنا الذي نقرأه إذا خلونا إلى أنفسنا, وقاطع عمر الاقصري مقاطعة صلاح عبد الصبور وقال له : ألم تقل في قصيدة لك (وشربت شايا في الطريق.. ورقعت نعلي) فلما أجاب صلاح بالإيجاب نهره قائلا: أذن تصمت إلى الأبد. وفي الحقيقة كنا معجبين بصلاح عبد الصبور وبمحاولته تقريب الشعر من الحياة اليومية, والقصيدة التي أشار إليها الاقصري هي إحدى قصائد ديوان (الناس في بلادي) أي أنها إحدى قصائد صلاح عبد الصبور المبكرة نسبيا وتحمل عنوانا نبيلا هو (الحزن) , لكن الشاعر استخدم فيها الفاظا تستخدم في الحياة اليومية ولا تستخدم في الشعر: يا صاحبي انى حزين طلع الصباح فما ابتسمت ولم ير وجهي الصباح وخرجت من جوف المدينة اطلب الرزق المتاح ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش فشربت شايا في الطريق ورقعت نعلي ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصريت قل ساعة أو ساعتين قل عشرة أو عشرين كنا نرى في قصيدة صلاح ما لم يره عمر الاقصري, فطلب منه ان يكف نهائيا عن الكلام بعد هذه السقطة البشعة. وكان أمين الخولي رغم انه كان مثقفا كبيرا وصل إلى منصب وكيل كلية الآداب وكان منصبا لا يصل إليه إلا الافذاذ, ثم إلى منصب اكبر في وزارة المعارف إلا انه كان يرتدي الملابس الأزهرية أو ما عرفت بالأزهرية فهو في البداية خريج مدرسة القضاء الشرعي. ويبدو ان أمين الخولي يرتدي أحيانا ما نسميه بالملابس الإفرنجية, أو ربما كان يزاوج بينهما اتقاء للبرد أو ربما لسبب آخر, المهم انه أثناء رد الخولي على الاقصري بدت تحت ثيابه الأزهرية ملابسه الإفرنجية, فصاح الاقصري (إذن أنت رجل مزدوج) !.. واعتبر ان هذه التهمة هي فصل الختام في المناقشة. والطريف أنني لم اعرف في حياتي رجلا مزدوجا في ثياب كما عرفت عمر الاقصري, فلقد كان يلبس في كل مرة ثيابا مختلفة, ونادرا ما كنا نميزه إلا إذا اقتربنا منه وتحدثنا إليه. ولقد تخيلته عندما كتبت عنه تمثيلية في عام 1966 يسكن في غرفة في منطقة نائية بالهرم, وليس في غرفته إلا فراش بسيط وشجب معلق عليه أصناف من الثياب, فإذا أراد الخروج وقف أمام هذه الثياب وتساءل (من أنا اليوم؟!) ثم يرتدي الشخصية وثياب الشخصية ويخرج إلى الناس, ولم تكن هذه الصورة بعيدة عن الحقيقة, فقط أضفت انه كان يغير اسمه حسب الشخصية, أما عمر فكان فخورا باسمه. ولم تكن لي به معرفة تسمح بعلاقة خاصة, ولكنني عرفته بعد ان لفت نظري بشدة, والدليل على ذلك لنني كتبت عن هذه التمثيلية, أما هو فكان يعرفني على انني كاتب ناشئ وسط كتاب آخرين, فلم يكن يميزني عنهم بأكثر من تحية عابرة, وإذا كان حظي طيبا سألني عن أحوالي سؤال من لا ينتظر الجواب. مرة وحيدة تغير هذا.. كنت اجلس في محل (استرا) وهو أحد المقاهي الرئيسية التي كان يجلس عليها الأدباء والفنانون مع مقهى (ريش) , وكنت اكتب شيئا لم اعد اذكره طبعا, ثم وجدت شخصا وضع وجهه في الأوراق يقرأها, والتفت إليه غاضبا فإذا به عمر الاقصري. قال لي لست غاضبا منك.. قالوا لي انك كتبت عني شيئا في التلفزيون, ولكن ذلك لا يهمني, فأنا لا أشاهد التلفزيون بل لم أشاهده ولا مرة واحدة في حياتي. وكان ذلك غريبا, فلقد كان عمر التلفزيون آنئذ نحو سبعة أعوام. وانتهزت فرصة قبوله دعوتي ليجلس ويشرب شيئا, وقال لي سبلك قاصرة لمعرفة الذات, قال ارسطو (اعرف نفسك واوصل بذاتك إلى غاية الحكمة) , ولكن البشر أغبياء لم يفهموا ما قاله.. أنا الوحيد الذي يتبع ما قاله. وقلت له مشاكسا ربما بطريقته ان ارسطو ليس هو الذي قال هذا القول, وأنها حكمة سائدة مكتوبة على واجهة مسجد دلفي ! لكنه لم يعر اعتراضي اهتماما. (القضية يا إنسان أننا نجهل أنفسنا, ولأن معرفة الذات هي بداية المعرفة فنحن نجهل كل شئ, والدرس الأول الذي يجب علينا ان نتعلمه هو ان نعرف أنفسنا. واختفى الاقصري من الحياة الثقافية بالتأكيد, مات وتاه الجميع عن مصيره ومن الغريب انهم جميعا سخروا من تساؤلي. كنت فقط أريد ان اعرف هل استطاع ان يعرف عمر الاقصري ولو لحظة قبل النهاية؟! محفوظ عبدالرحمن