رحل الشيخ والناقد والمبدع (د. شكري عياد) وتركنا نعاني من مرارة الفقد والشعور العميق بالحيرة والانزعاج.. حيرة تغلف سؤالنا من سيكمل مشروعه العظيم خاصة ما يتعلق بالتصدي لجماليات النص الديني.والانزعاج من غياب رؤية مستنيرة تستطيع التعامل مع هذه القضية .. ولا تتركنا فريسة للجمود الفكري الذي يوطد سلطته الآن. ونحن بدورنا نطرح مزيدا من الأسئلة فاتحين الباب ـ مرة أخرى ـ أمام الجميع أن يساهموا في هذا المشروع الإبداعي الضخم (القراءة الجمالية للنصوص الدينية) مدركين أن الطريق جد طويل. النص الشامل يبدأ الناقد د. عبد المنعم تليمة بإيضاح لمعنى (النص المقدس) سيقول: النصوص المقدسة عبارة عن خطابات ورسائل إلى البشر أجمعين.. فليس لفرد ولا لجماعة ولا لأمة الادعاء بحق القيام على هذا النص المقدس أو ذاك. فهو نص للجميع.. وبديهي أن الأمر ليس فوضى فسمة معالم للنظر السديد في هذا النص ولإعمال العقل القويم. ويطلق العلماء والدارسون على هذا النص المقدس ـ أي نص من النصوص الدينية ـ اسم (النص الشامل) ذلك لأن النصوص المقدسة رسائل عامة تتصل بكل شأن من شؤون الحياة الدنيا والآخرة, ومن هنا فهو نص (متفتح) على كافة الميادين ومجال للدرس من كل زاوية وتخصص وكان هذا هو الشأن في تراثنا العظيم قبل عصور الجمود والتخلف: فبعد عصر النبوة مباشرة ظهر التياران الكبيران في التفسير.. تيار النقل (أي التفسير المأثور بالرواية) وتيار العقل (أي التفسير المعقول بالدراية) ولم يخلو التفسير النقلي من إعمال العقل, أما التيار الكبير الثاني وهو تيار العقلي.. فقد شهد بدائع فكرية وخوالد باقية من التفسيرات اللغوية والنحوية والبلاغية والفلسفية والباطنية والصوفية... الخ. ومنتج هذا التيار يعد ـ ثقافيا وفكريا ـ أخصب ميادين إبداع الحضارة العربية والإسلامية وهكذا نرى أن درس القرآن الكريم باعتباره نصا لغويا إنما هو حقل من حقول الدرس.. وباب علمي من أبواب التخصص. ينهض به وعليه المتخصصون في علوم اللغة. خارج دائرة الحوار أما الناقد د. الطاهر مكي فله وجهة نظر مغايرة حول هذه الأطروحة فهو يرى أن النص الديني له صفة التقديس ومن ثم فهو لا يخضع للآراء وإنما نقترب منه نتذوقه ونستمتع به.. ويقترب منه الدارسون ليفهموا معناه. ويستنبطوا منه الأحكام. ولكنه بالطبع خارج دائرة الحوار أو دائرة التقييم أدبيا.. لأن من أوائل خصائصه التي نتعلمها ونعلمها لأطفالنا أنه نص موحي وليس في الإمكان أن يكتب أحد مثله ولذلك فإن كل محاولة لإخضاعه للأحكام العادية والقواعد التي نتناول بها النصوص هي اصطدام مع قواعد دينية مقررة.. ودخول في متاهات لا تنتهي وانشغال بقضايا لا نتائج لها. حتى المحاولات التي تعاملت مع النص الديني فكانت تتعامل مع شكل آخر.. فنجد مثلا أن عبد القاهر الجرجاني لم يتناول النصوص الدينية ليقول رأيا إنما اتخذ منها أمثلة للتعبير المعجز الذي لا يرقى إليه تعبير إنساني.. فهو قد واجه القضية بفكرة مسبقة. ولذلك أنا في الجامعة أصر على أن الدراسات التي تتناول القرآن والعقائد لا تصلح موضوعا للدراسات أو الدرجات العلمية حيث أن الباحث يواجهها بأفكار مسبقة يؤمن بها. وهذا ضد المنهج العلمي, مرة أخرى, أقول ان الجرجاني لم يدرس بلاغة القرآن بل كان يدلل على إعجازه.. ولم يكن له رأي في ذلك إنما كان يؤمن مسبقا بأن القرآن معجز وأراد أن يبرهن على ذلك. بداية علم الالسينات لكن وإلى جانب المؤيدين يأتي المفكر والمبدع محمود أمين العالم.. ويوضح رأيه بأنه يمكننا التعامل مع النص الديني بمختلف أشكاله من خلال النظر إليه كنص أدبي. ومن خلال المنظور النقدي. فعندما أتعامل بهذه الرؤية مع القرآن أو الحديث ـ مع عدم التعرض لقدسية هذا النص ـ وهناك فرق بين الدراسات اللغوية والأدبية وبين الدراسات الدينية الفقهية والشرعية ولكل منهما متخصص وعالم. والقرآن نص من أجمل النصوص لذا يلزم دراسته على مستوى عميق من البلاغة وعموما الموضوع ليس جديدا.. وقد تعرض له علماء ومفكرون عظماء على مر التاريخ. فنجد مثلا الزمخشري وما قدمه عن التفسير المعنوي وبين ما بالنص القرآني من جماليات يمكن معالجتها ودون أن نتعرض لمجال القدسية أو حتى للمناقشة على المستوى الفقهي والشرعي. كذلك نرى عبد القاهر الجرجاني وهو من أوائل الباحثين الذين تعرضوا لهذه القضية وأول من قدم نظرية النظم. وهو قد أشار في نظريته إلى بعض القواعد الهامة التي جاءت بعد ذلك في المدرسة الألسنية الحديثة أي أننا يمكن أن نعتبر نظرية النظم للجرجاني من البدايات التي قامت عليها علوم اللسانيات. ومادمنا تكلمنا عن هذه الرؤية الأدبية للنص الديني.. يمكن أيضا أن ندلل على إعجاز هذا النص من خلال ما كتب في إطار هذا النص.. أي الكتابات الإنسانية ذات العلاقة بالنص الديني وتتفاعل معه ولعل أهمها الكتابات الصوفية والأدب الصوفي أدب عظيم ورائع. ونجد مثلا شعر الحلاج وكتابات النفري ومحيي الدين عربي وغيرهم. جاءت هذه الكتابات لتمثل نصوصا رائعة للإنسانية, نصوص تفاعلت مع الدين وأخذت من جمالياته وأضافت لها وتعمقت فيها لتخرج بهذه الرؤية الصوفية الرائعة. رغما عن التخلف وبنفس هذه الرؤية ـ تقريبا ـ يتكلم الناقد الأدبى د.محمد عناني.. بل ويحذرنا من الجمود في تناول هذه القضية ويقدر بداية أن آفتنا لاتزال التعصب والعجز عن رؤية أي درجات من الظلال بين الأبيض والأسود وهذه خاصية من خصائص التخلف في أي مجتمع وليست مقصورة علينا فحسب. بالنسبة للأديان فلها جوانب متعددة. منها أنها تعتمد على نصوص مكتوبة بلغة. إذن فهي تقبل التحليل اللغوي ولا مناص من التعامل مع أي نص مهما يكن.. باعتباره لغة. لذلك لا أرى بأسا على الإطلاق باعتبار النصوص الدينية نصوصا أدبية تقبل التحليل اللغوي والأدبي والفني مثلما كان أسلافنا يفعلون. بالتحديد عبد القاهر الجرجاني والعكبري وابن الأثير الموصلي وغيرهم ممن درسوا القرآن مثلا درسا أدبيا. النص المقدس إذن هو خطاب تواصل ولابد من أن يكون بلاغا يصل إلى عقل بشري لذا لابد من تحليله لغويا ودراسته دراسة أدبية بغض النظر عن المنهج المتبع. القرآن وحده المعجز عموما وحتى نفتح الباب أمام الرأي الآخر.. خاصة إذا كان يوضح بعض الخصائص الهامة المتعلقة بالقرآن وحده.. دون باقي النصوص الدينية.. فيقول لنا د. أحمد هيكل وزير الثقافة الأسبق وأستاذ الأدب بجامعة القاهرة : هذه قضية مغلوطة. فالمقصود بالنص الديني هو نصوص الفقه والتفسير والحديث وعلوم الدين وغيرها.. أما ما تقصده فهو الديانات السماوية. وعلى هذا الأساس يجب التفرقة بين ما هو بشري وما هو من عند الله سبحانه وتعالى. ورأيي في هذا الموضوع أن الكتب السماوية منها كتاب واحد فقط وهو القرآن الكريم الذي يمثل معجزة بلاغية وله خصائصه وسماته التي لا يمكن أن تخضع للمقاييس الأدبية البشرية وإنما يمكن أن يستفاد من هذه القيم والدراسات في مزيد من التوضيح لجماليات وبلاغات وجوانب الإعجاز في النص. أما الكتب السماوية فلا تخضع للمقاييس البشرية. إنما تفوقها وتسمو عليها وهي المثل الأعلى الذي يجب أن تحاول الأعمال الأخرى الاقتراب منه.. لأنه كلام الله سبحانه وتعالى ومعجزة رسوله (عليه الصلاة والسلام). وبالنسبة للكتب السماوية الأخرى ـ كتب الأديان الأخرى ـ فلا علاقة لها بهذا الموضوع. فهي مترجمة عن العبرية وعن لغات أخرى وهي عبارة عن وصايا وإرشادات وتعاليم ليس أكثر. وليس لها قيمة في هذه الناحية (أي العلاقة بين الأدب واللغة) بل يمكن دراسة هذه الكتب والنصوص في لغاتها الأصلية فقط. الحل الثالث أما آخر الآراء المشاركة فهي للناقد والمترجم د. ماهر شفيق فريد. ويوضح لنا أن الكتابة عن الكتب المقدسة تتم عادة من خلال أحد منظورين: إما المنظور الديني الإيماني. وإما المنظور العلماني (الهيوماني) الإنساني. ومن خلال اختيار المنظور يتحدد منهج المعالجة والنظر. وواضح أن المنظور الديني يقوم على الإيمان بقداسة النص ومرجعيته الإلهية ولذا فهو أقرب إلى عدم التعامل معه. أو أنه لا يقبل أن يحكم عليه بمعايير النقد الأدبي أو التاريخي. والمنظور الآخر (الهيوماني) الذي شاع في الغرب منذ القرن الـ 18 على الأقل ينظر إلى الكتب المقدسة باعتبارها نصوصا تاريخية محكومة بزمانها ومكانها.. ومن هنا يسمح لنفسه أن يسلط عليها النقد. فنجد مثلا كتبا كثيرة عن حياة المسيح تتناوله باعتباره بشرا. دون أن تقر له بنبوة أو ألوهية وأفلاما وعروضا مسرحية من نوع (يسوع المسيح نجم فوق العادة) وما إلى ذلك.. وهناك طريق ثالث ـ وسط ـ بين هذين الحدين.. وهو الذي أؤيده. وبدا أن طلائع هذا الطريق في تفسيرات الشيخ محمد عبده لأجزاء من القرآن الكريم. ثم تبلورت على يد أمين الخولي.. صاحب مذهب (التفسير البياني) للقرآن. وخلاصة هذا المذهب هو أن القرآن كتاب العربية الأكبر وهو معجزتها الأدبية واللغوية.. وأنه يمكن أن يدرس دراسة أدبية تبرز فنون التعبير والأداء فيه.. وتعتبره كتابا للهداية والإرشاد. لا كتاب تاريخ أو علوم. وممن طبق هذا المنهج في أبحاثه الراحل د. شكري عياد وكان من أبرز من تناولوا هذه القضية في رسالة الماجستير سنة 1948 عن (وصف يوم الحساب في القرآن). بالإضافة لآخرين مثل بنت الشاطئ وسيد قطب ومحمد خلف الله. شكري عياد الطاهر مكي محمود أمين العالم