الروائي السوري حنا مينة غني عن التعريف, فللرجل شهرته ولقبه الخاص عدا لقب(الروائي العربي الكبير)هو لقب(روائي البحر الاول في الادب العربي الحديث)غير انه لا يخلو ذو نعمة من حسد. فهناك من يشكك في مصداقية هذه الالقاب , خصوصا اللقب الثاني اذ نشرت مجلة الموقف الادبي التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق ويرأس تحريرها الشاعر المعروف شوقي بغدادي مقالة بعنوان (بحار على ظهر حصان) في عددها 339 يوليو 1999 للدكتور عبدالسلام حمد ينفي فيه ان يكون حنا مينة (اديب البحر) كما يقول عن نفسه ـ ويختمه بالقول: وفي الختام يمكنني انه كان احرى بحنا مينة ان يقول عن نفسه انه (ادب الجنس) بدلا من (اديب البحر) لانه كان فعلا محترفا في استعراضاته الجنسية وسرده الوصفي لها, وبذلك افرغ رواياته من الابعاد والمضامين الانسانية والفلسفية والفكرية والسيكولوجية فتحولت الى حكايات جنسية مثيرة لشد اهتمام القارىء واثارته. وأيا كان الامر فإن لدى الاستاذ حنا مينة ما لا يستطيع احد انكاره عليه, وتلك هي شهيته الدائمة لتذكر الاشياء ذاتها ـ منقحة ومعدلة حسب الطلب ـ عن طفولته, فهو يكرر هذا التذكر مرة بعد اخرى لكل صحيفة او مجلة تطلب منه ذلك, وما اكثر (الطلبيات) !.. والاستاذ حنا يضيف دائما ما هو استثنائي جديد على طفولته التي يمعن في تذكرها ظانا بأنه يكسر بذلك وطأة التكرار على القارىء. وآخر نماذج التذكر هذه والتي تحمل عنوان (والآن اتذكر!) لكأنما يحدث ذلك الآن فجأة وللمرة الاولى ـ هي ثلاث مقالات نشرت اولاها في العدد 70 من مجلة (تشرين الاسبوعي) التي تصدر عن مؤسسة تشرين للصحافة والنشر بدمشق وصدر العدد المذكور يوم 19 يوليو 1999 بينما تصدر المقالتان التاليتان في العددين 71 و72 على التوالي وقد وضع للمقالة الاولى عنوانا خاصا هو (الوعي الاول بالوجود!) ـ وعلامة التعجب هذه له كأنما كل ما فيها مدهش فريد ومثير للعجب! فلنحاول قراءتها لنرى ورطة الروائي العربي الكبير في هذه الصيغة من التذكر. (2) يقول الاستاذ حنا في مستهل هذه المقالة وجه الام هو الوجه الاول الذي يتفتح عليه وعي الطفل وقد كان وجه امي هو اول الوجوه.. واحب الوجوه التي ستتخايل ملامحه لناظري, منذ ابصرت النور, اي منذ تجاوزت الاربعين يوما من عمري.. ولست ادري كيف تشكلت تلك الملامح تدريجيا مع تدرجي في امتلاك الوعي بما حولي, لكنني حتى اغمض عيني الاغماضية الاخيرة سأظل اذكر انني بادىء الامر ابصرت هالة كتلك التي سأراها عندما اكبر حول وجه مريم العذراء !! وداخل هذه الهالة شيء نوراني دقيق اليف طيب رائع بما فيه من حنان وفيه من امان ومن لطف, ومن جمال, ومن دفء يشع في كل التقاطيع, كل الدوائر والخطوط ويستقر ويتكثف في العينين العسليتين الناظرتين الي تلك النظرة الودود؟! وانا في الحضن الذي كان سريري, ملعبي ارجوحتي, وكل عالمي الطفولي, العالم الذي سأستمد منه طمأنينة داخلية عذبة ارتاح اليها, فأكف عن البكاء, انا الذي كنت بكاء اصرخ واصرخ ما ان افارق الثدي, او اوضع خارج المهد الامومي المريح, وافارق الذراعين المضمومتين حولي, الحاضنتين للكتلة اللحمية الحمراء الطرية الصغيرة التي كنتها! واذا تجاوزنا المعلومة العمومية الاولى والتي هي من (منسيات) طلاب المدارس ومن مألوفات افتتاحاتهم لموضوعات الانشاء او التعبير حتى تكون ذات صلة بالام, فما الذي نجده في هذه التذكرات التي يزعم الكاتب الكبير انها تذكرات شخصية؟ ان الملاحظة الاولى هي ملاحظة تتعلق بالاستحالة العلمية لقضية ان تتذكر الكتلة اللحمية الحمراء الطرية الصغيرة, بعيد الاربعين يوما من الولادة مثل تلك التفصيلات, وعليه فإن الكاتب الكبير يجعل من الملاحظات التي يلاحضها الراشد على الرضيع عموما ذكريات شخصية له, ونحن هنا لسنا امام تخييل فني من اي نوع, بل نحن امام تقرير يدعي انه واقعي كليا, ولهذا فإن المصداقية في هذا التذكر مفقودة, وكم كان حريا بالكاتب الكبير ان يحافظ على مصداقية تذكره امام القارىء, بألا يورط نفسه في هذه الادعاء المستحيل علميا! ولكن, لماذا يفعل حنا مينة ذلك؟! ان الملاحظة الثانية ربما تقودنا الى الكشف عن سبب ذلك الانتحال والتحويرفي الملاحظة الاولى. وتقوم هذه الملاحظة الثانية على تلمس المبالغات الفادحة الفاضحة والتي تنسبها (انا) الكاتب المشهور الى الكتلة اللحمية الحمراء الصغيرة التي كانتها وهذه المبالغات مع ما سيدعي انه يتذكره من نمو حاسة الشم ومشموماتها البدئية تحيل القارىء الى وجوب الاعتقاد انطلاقا من الايمان بلقب الروائي العربي الكبير, بأن ذلك الطفل الرضيع الذي (كانه) حنا مينة والذي بدا وجه امه تديجيا في هالة كالهالة (حول مريم العذراء) هو (الطفل المعجزة) منذ الولادة وهو السيد يسوع المسيح ـ او نسخة معاصرة منه ـ حيث لم يتبق عبر تلك المبالغات غير انه ينطق (الطفل, الكتلة اللحمية الحمراء الصغيرة) في المهد! ثم يجترح معجزات المشي على الماء واحياء الموتى لاحقا! اليس هو الآن: (الروائي العربي الكبير) شاء النقد الموضوعي ذلك ام اباه؟! اليست الكلمة خالقة في الموروث العربي الاجمالي وهو الآن سيد الكلمة حسبما جرت تسويقه عن حق او عن غير حق وفي اعتقاده حتى هذا التاريخ؟!! وسواء صح هذا ام كان فيه كثير من التصنيع الزائف فإن ما يبدو وببساطة هو ان ذات الكاتب الكبير تحاول ان تعيد صياغة سيرتها الروائية الثلاثية التي ترجع كتابتها الى نحو من ربع قرن, وفقا لما آلت اليه احوالها من تورمات مؤسفة, ونحن لا نقول هذا افتراء على كاتب احببناه طويلا بل نأخذ من المانشيت الموضوع في مربع ملون بالاخضر في الصفحة الثانية من المقالة ص 49 من عدد المجلة حيث يقول: ولادتي كان مكافأة السماء لامي فقد عاشت اعواما طوالا على رجاء ان تهبها السماء صبيا, فكنت هذا الصبي!. ان الملاحظة الثالثة ـ والحال هي ما ذكرناه في الملاحظتين السابقتين ـ لابد لها اذن ان تكون راصدة لاسلوب الصياغة الذي لا بد له ـ- بدوره ـ ان يكون مفتعلا, وغير ذي عمق دلالي ما دامت تحكمه قصدية كالقصدية التي سبق تشخيصها اي انه لابد وان يكون اسلوبا انشائيا مدرسيا, وذلك هو فعلا ما كأنه. غير ان مشروع المسيح المخلص في الكتلة اللحمية الحمراء الطرية الصغيرة والمخبأ تحت المبالغات والادعاءات التي تنسب الى نفسها صفة الحقيقة القطعية.. ذلك المشروع ما يلبث ان يفصح بسرعة, عبر حديثه عن الصلة الرحمية بالام عن عقدة اوديبية ثقيلة الوطء رغم تزينها بكامل البهارات الثقافية التي توحي بتحول تظاهرات تلك العقدة الى اعمال انسانية كبيرة, وذلك التبهير ليس في واقع الامر إلا محاولات دائبة لتغطية نزعة التمركز على الذات حيث الطفل الوحيد (مشروع البطريرك في الاسرة ـ النسخة الزائفة من المسح المخلص) ليس ملئيا بالخوف وحسب من فقدان الام او فقدان رموزها التي تصطنعها (آليات التعويض وعمليات التحويل, المختلفة وهذه مصطلحات من التحليل النفسي وعلم النفس التحليلي ـ بل هو يبدو دائما ايضا وتحت اغطية التبهير ذاتها متناقضا, اشد التناقض في مواقفه من تلك الام, اعلانية كانت تلك المواقف ام عملية ايا تكن صيغ التغطيات الثقافية عليها وسنصل تاليا الى تبيان ذلك التناقض بعد اكمال ملاحقتنا لما يسبق ذلك من تذكر! ان حنا مينة يعلن بعد الفقرتين الاوليين قائلا ان صلتي برحم امي لم تنقع ويكمل شارحا بمواربة انه الذكر المهيأ ليكون بطريريك الاسرة اختلافه عن اخواته البنات والفارق البيولوجي بينه وبينهن.. وان لي امتيازا عليهن الى آخر, ثم يتوقف ليتساءل الى متى تدوم المرحلة الرحمية هذه؟ رغم كل معطيات النمو والتقدم في العمر؟! ويجيب بقطعية : ظني اني المرحلة الرحمية امتدت طويلا وان وشائجها الخفية مازالت قائمة, وقد يخيل للمرء ان مسألة استمرار الصلة الرحمية هي مسألة محبة سوية للام غير ان الحقيقة النفسية تقول غير ذلك مهما تكن آليات التعويض التي يجري اصطناعها او التحويل الذي يجري استبدال تلك الام به: 1 ـ الصلة الرحمية ـ ولنقل الرغبة في العودة الى رحم الام ـ هي رد فعل على الخوف من العالم ومحاولة هروب مستحيلة منه الى ذلك الفردوس الجنيني الذي لا يكلف الذات اي عبء او مسؤولية. 2 ـ الام مرهوبة من حيث هي تطلب ذكورة الابن كترميم لذكورتها المشوهة خلقيا. 3 ـ الام محبوبة اوديبيا مكروهة بالكبت وفقا لقواعد العيب ولهذا يتم استبدالها ترميزيا بتناقض وخوف كبيرين. وكل ذلك ستجري محاولة اخفائه دون نجاح وها هي الكتلة اللحمية التي تكاملت كذات راشدة ظاهريا تعلن عن ذلك. ان آليات الاستبدال والتحويل من حب الام الى ترميزاتها وصولا الى الفكرة والقضية اية فكرة واية قضية؟ هذا ما على النقد ان يكشفه في عمل الكاتب الكبير ـ لهي آليات بالغة الوضوح لكنها تظل مشروخة بالانشداد الى صورة الام والى الصلة الرحمية او الرغبة الرحمية. اما التزيينات اللاحقة على تلك الترميزات فهي مجرد دفاع ذاتي ـ مصدره الخوف بإطلاق امام العالم حيث ادعاء فعل ما يرضي ذلك العالم بغية الصفح عن الحب الاوديبي بوجهته وتقبل الذات المستلبة في رغبة العودة الى الرحم والمتمزقة بين هذا الهروب المستحيل وبين صيغة المسيح المخلص والتي هي مستحيلة ايضا! وفي كل هذا نجد تسويغ الخوف ذي المنشأ الاولي اللاشعوري المترابط قطعيا مع الام يقول الاستاذ مينة بعد المقبوس السابق. لقد خفت الوحدة دائما بمعنى الانقطاع عن الآخر, فقدان الآخر حبيبا كان ام زوجا.. ام قلما ام ورقة ام طيفا! ومع كل ما عرفت من حب ومن الوانه ومسراته وشقواته, فإنني مازلت بحاجة اليه لانني بحاجة الى نفي خوفي فالحب هو الأمن, هو الحرية ... ان المرأة بالنسبة لي ليست حبيبة فقط بل هي أم ايضا نعم هي أم, وهي اخت, وزوجة .. الخ. وليس خفيا هنا ان (الوحدة) هي الرمز المصعد للافتراق عن الأم التي تجد ترميزها في (الآخر), مثلما تجد ارضاءها, او محاولة ارضائها على وجه الدقة (بحب الفكرة والقضية) دفاعا عن الذات المشدودة بقوة الى الهروب في العودة الى الرحم: (ذاتي التي اتخلع عنها لانها ذات مركبة من الأنا والآخر) ـ حسبما يقول تاليا ـ مع عودتنا للتوكيد على ان (الآخر) كما يوحي سياق النص, وكما قلنا قبل لحظة, ليس الا (التحويل) لمسألة (الرحم الأمومي/ للأم) على تناقض الموقف منها بين الرغبة والكره, كما سنرى في ماهو تال من هذا النص المكرور. ان الأنا اذن لم تستطع ان تكون مستقلة, اي ( سوية في مواجهتها للعالم) فهي مندغمة بالأم كي تتركب منها (الذات)!! وعليه, فان (حب الفكرة والقضية) ـ وبالمعنى العائم المطروح في النص ـ هو حب استبدالي ثقافوي تزييني لما تعانيه تلك (الأنا) باندغامها في الأم حيث: (يأتي الرحم ليكون زورق النجاة, وتأتي الام لتكون المنقذ من الغرق في بحر التجارب المتلاطم, ولان ذلك كذلك, فان المرحلة الرحمية تدوم مادامت الحياة) .. وهذا بالطبع منظور الكاتب الخاص, مع صرف النظر عن عودته للتزيينات الاستبدالية الثقافوية للملفوظات السابقة: وكل هذا الانشاء الذي يشبه الاعتراف ـ على قدمه وتوالي تكراره ـ يتوج بمزيد من الانشاء في مقطع بالغ الايحاء بما ذهبنا اليه قبلا, يقول الكاتب الكبير: (بالألم حبلت بي امي, وبالألم ولدتني, وبالالم ربتني ـ لاحظوا هذا الاستثناء الذي يطلب من القارىء ان يبجله فكأن هذا الامل الذي رافقها طوال حياتها, وتبدى في صورة خوف علي, قد انتقل منها الي, فعشت حياتي كلها واحساس به يفعم روحي حتى اترعها, وحتى طفح كيله عن قدرتها على استيعابه, فسال من حفافي الكأس المترعة التي تجرعتها قطرة قطرة, في شعور بالاكتئاب سيلازمني صبيا وشابا ورجلا وكهلا وشيخا حتى لاصبح حين يطغي موجه علي. حقا ان من حق الكاتب الكبير ان يعجب ـ وحاله هي تلك الحال ـ (لهذه الطاقة النفسية الخارقة التي امدتني بالقدرة على العيش) مع صرف النظر ايضا عن التزيينات التي منها (اعلاء شأن الرجولة) والتي يسقطها فورا (كشمائل) للرجل والمرأة نعم هكذا حرفيا .. وعليه فان من حق حنا مينة, ليس فقط ان يدين الذكورة المقيتة, البغيضة, المتشوفة على الانوثة) كما يقول, بل ايضا ان يرى في حياته (معجزة!) تتزين بما يسميه (الفكر الحر) .. الخ, الخ .. ولكن من حقنا, نحن بالمقابل, ان نرى في ذلك تحقيقا استبداليا زائفا (للمسيح المخلص) الذي كانته منذ البدء تلك (الكتلة اللحمية الحمراء الطرية الصغيرة) في مهدها الامومي الذي يبدو انها لم تفارقه بتاتا!! ولاغرابة, بالطبع, في ان نرى الموقف المتناقض للكاتب الكبير تجاه موت الام كما سيصفه مزخرفا, ونقرؤه نحن عاريا من تلك الزخرفة, تعبيرا عن تناقضات الاوديبية الحادة التي لاحقناها حتى هنا ... كما اننا لسنا مضطرين لمتابعة بقية (الانشاء) من نوع : (لقد صنعت من اعجابي الطفولي, تمثالا لامي) او حديثه غير الصحيح عن (الجنس) في رواياته باعتباره لايزيد عن كونه محاولة تبرئة للذات تحت وطأة آثار (قانون العيب) المشتغل في السياق الاوديبي السابق اشتغالا عالي الوتيرة. كان الروائي المرحوم غالب هلسا يكرر في احاديثه كثيرا فكرة: ان الرواية العربية تحتفي احتفاء بالغا بنموذج (المومس الفاضلة) وان هذا النموذج هو ابرز مايكون في روايات حنا مينة .. سواء كان الحديث منبريا ام غير منبري! وفي احد الاعداد الاخيرة من مجلة (الوسط) كتب السيد ياسر الامام من اللاذقية ـ وهو من مجايلي حنا مينة ـ مقالة لاذعة عما سماه الادعاءات النضالية سواها لكاتبنا حيث هو لم يخف تكذيبه له .. وتقديم نوع مما يمكن ان يسمى (كشفا) بسلوك حنا مينة في الاربعينات ومناقضة ذلك السلوك لما نسبه حنا لنفسه من مواقف. وقد اشرنا في البداية الى مقالة د. عبدالسلام الحمد التي يوضح فيها ـ بنبرة ساخرة ـ ان حنا لم يعرف من البحر الا شاطئه. وقديما اتهم حنا بسرقة روايته (الشمس في يوم غائم) من قصة لسميي (د. احمد داوود), كما اعترف هو نفسه في (الهيصة الانفعالية) التي اثارها متهما فيها كاتب السيناريو المعروف وحيد حامد بسرقة احدى (ثلاثياته الروائية) وتحويلها الى فيلم ـ بأنه اخذ في تلك الرواية من قصة لاحد الادباء الروس ولكنه اشار الى ذلك من باب الامانة ! واستطرد هنا, نكص حنا عن اتهامه لوحيد حامد, واعتذر له نافيا ـ بمغالطة مدهشة لنفسه ـ انه اتهمه او شتمه ! فجاء اعتذاره مؤسفا اكثر من اتهامه !! ويلاحظ كثيرون ان (الجملة التعبيرية) عند حنا مينة ليست جملة روائية, وان حبكاته الفنية مختلة عموما او مخلخلة .. وان .. وان .. وان .. !! والسؤال هنا هو: ما العلاقة بين هذا كله وبين (البنية النفسية) لحنا مينة والتي تجعله يعيد نشر مثل هذه التذكرات المكرورة التي تشي ( باستعراضية) يوضح تحليلا نقديا بواسطة المنهج النفسي ـ مع بهاراتها التزيينية ـ انها ذات منشأ عصابي ؟! وبعبارة اخرى: ما الصلة بين مايوجه الى حنا مينة من تقويمات جديدة لاقواله عن نفسه, وعن ادبه, وعن (الفكر الحر .. والفكرة والقضية !!) وعن الطهرانية الجنسية التي يذكر صراحة في هذه المقالة انه التزمها في كتاباته كلها, وبين الوطأة الفادحة للاورديبية التي تظهر دون اي مقدرة على التقنع في هذه المقالة؟! على ان التساؤل المهم او الاهم ـ وحنا مينة قد تكرس كقيمة ادبية كبيرة ـ هو : لماذا يجازف بسمعته ككاتب كبير, وبالقيمة المكرسة في شخصه, فيكرر ماكان قد كتبه مرارا كأنما هو يستخف بالقارىء, ام ان تكريسه كقيمة ادبية لايزال موضع شك عنده, انطلاقا من الشروخ الاوديبية في (أناه), فيعيد تعزيز الثقة بالقيمة المكرسة عبر هذا التكرار التذكري الذي لالزوم له؟! .. وهل كانت شروط ايديولوجية خاصة هي التي صنعت له شهرته دون ان تكن رواياته ـ حسب الشكوك السائدة الآن لدى كثير من القراء المثقفين والنقاد ـ قد انبنت على اية فلسفة رؤيوية متماسكة, او ان تكون قد انتجت مثل هذه الفلسفة الرؤيوية المتماسكة, وهو ما خلص اليه د. الحمد في نهاية مقالته بالموقف الادبي كما سبق ان ذكرنا؟! لانريد هدم قيمة ثقافية مكرسة في وجدان القراء عبر عقود, ولكن الحقيقة هي الاجدر دائما بالبحث عنها مهما يكن ثمن ذلك, اذ لايجب في النهاية ان يصح غير الصحيح. حنا مينة