محمد شاكر السبع, من ابرز كتاب الرواية العراقيين, ومن المع الكتاب القصصيين, المتميزين بالنكهة الخاصة.. ربما رائحة تراب الارض قبل المطر, او اي عطر غريب يحسه المرء مألوفا, وربما هي مدينة (العمارة) التي يحس بها من تعيش في دمه.. من هنا يأتي تدفق الروائي الكبير محمد السبع , وحيويته التي لاتهدأ في شخوص قصصه ورواياته. خلال السنوات الاخيرة صدرت له ثلاث روايات ومجموعة قصصية, وكانت (المقطورة) بين روايتي (الحقول البيضاء) و(الثلوج الساخنة) . * محمد شاكر.. لماذا حقولك بيضاء, وثلوجك ساخنة؟ ـ لا فرق بينهما اذا ما نظرنا اليهما من زاوية المعاناة الانسانية, فالحقول البيضاء وهي حقول الملح, واجهت الانسان ومصيره التعس تحت خيمة الحرب, والثلوج تحولت الى عدو صامت طارد بلا كلل انسانين فرا من وراء الاسلاك الشائكة, والبنادق المهيأة للاطلاق في اية لحظة, ان الطبيعة تصبح في غالب الاحيان من ضمن الاعداء الشرسين في وقت الحروب, وربما هي اقسى من (العدو) الذي تقاتله. * اصدرت ثلاث روايات ومجموعة من القصص في زمن الحصار.. هل يعني ذلك ان الرواية العراقية مازالت بخير؟ ـ لا اعتقد ان الحصار عطل قدرة المبدع على الانتاج, ليس في مجال الرواية فقط, وانما في كل مجال ابداعي, الحصار اثر بشكل مباشر على الورق والاحبار وقطع غيار مكائن الطبع, وما شابه, انما ان تكون الرواية العراقية بخير, فأقول: نعم, هي بخير.. * كفارق زمني.. هل تشعر ان تدفقك في الحقول البيضاء اكثر منه في الثلوج الساخنة؟ ـ فارق التدفق امر طبيعي, فلكل شخصية روائية معاناتها الخاصة, ووجودها الخاص ومكانها الخاص, ما يصح على رامون كوسترادا (الحقول البيضاء) في مدينة الفاو, لايمكن ان يصح على هادي ابي حسن ويوسف ابراهيم (الثلوج الساخنة), وهناك نسيج الشخصية الذي كونته ظروف وثقافة وتقاليد, تختلف بين رامون الاوروبي, وهادي ابي حسن ويوسف ابراهيم العراقيين.. ثم ان رامون جاء الى حرب ليست حربه يقتطف مجدا, اما هادي ويوسف فقد حملا السلاح دفاعا عن وطنهما وتاريخهما ووجودهما. شرطي في الداخل * كيف تعبر عن ازمة المثقف العراقي؟ ـ ازمة كبيرة ومعقدة, وزادها الحصار تعقيدا. اولى ازماته, وهي اساسية, حريته التي ساهم هو نفسه في فقدانها, اذ نما في داخله شرطي مراقبة لايتسامح ابدا. يفترض ان المثقف ضمير امته, بقول ما يجده يتطابق مع قناعته, لكن.. حينما قمع مرة, انقلب ذلك القمع الى شرطي يتجول في فكره ودمه.. وازماته الاخرى كثيرة ومتداخلة, تبدأ من وضعه الاقتصادي القلق وتنتهي بعلاقاته الاجتماعية التي اصبحت في ظرف الحصار عبئا وثقلا ينوء بهما, ثم زاد الحصار من ازماته بشحة المصادر الثقافية التي كانت ترد اليه بشكل طبيعي قبل ذلك. * هل تعتقد ان الادب العراقي يزدهر حاليا في الخارج اكثر من ازدهاره في الداخل؟ ـ اذا كان القصد من الازدهار هو النشر عبر الوسائل الكثيرة جدا في الخارج, فالجواب: نعم, اما اذا كان القصد هو تطور التجربة والرؤية الابداعية الخاصة بالادب العراقي, فمن غير المعقول ان يزدهر هذا النوع من الادب, فقد يزدهر ولكنه مضطر ان يستقي نسخ هذا الازدهار من مصادر غير مصادره الحقيقية.. وأي ادب ينحو هذا المنحى, من الطبيعي ان يفقد خصوصيتها, واهم ما في الاداب, في كل زمان ومكان, خصوصية التي تحدد هويتها بين آداب الامم. حياد غير ايجابي * تنتهج اسلوب (الحياد المنحاز) في كتاباتك.. هل هو نهج خاص, ام هناك من سبقوك اليه؟ ـ اذا كان هذا هو اسلوبي فانني سأفخر به.. المبدع يجب ان يعثر على مثل هذا الاسلوب, الذي حددته بمصطلح سياسي (الحياد المحاز).. اذا لم يكن منحازا.. فعن اي قضية يكتب او يدافع؟ وهكذا يوحي مصطلحك للوهلة الاولى بالتناقض, غير انني افهمه عكس ذلك, والسبب هو نسياني لكلمة (الحياد). * ما هو تقويمك للرواية العراقية..؟ ـ بعد جيل الستينات, من الصعوبة تقويم الرواية العراقية, فقد دخل التجريب والتغريب اليها.. تلك المحاولات خدمت الرواية العراقية في مجال الشكل, ومع ذلك شهدت السبعينات عودة الرواية الى الابداع الرصين, بصدور روايات (الهشيم) لجهاد مجيد, و(النهر الرماد) لمحمد شاكر السبع, و(القلعة الخامسة) لفاضل الغراوي. * والرواية العربية؟ ـ الرواية العربية غادرت اشكالها التقليدية التي شاعت في خمسينات هذا القرن, والسبب هو انفتاحها على انجازات الرواية العالمية من جانب, ومن جانب آخر ترجمة الروايات الجزائرية التي كتبت بالفرنسية, اصلا, كروايات محمد ديب ومالك حداد, في وقتها كانت نوافذ جديدة تم فتحها على الادب الروائي المشرقي ان صح هذا المصطلح, كما ان انجاز الروائيين المصريين, وفي مقدمتهم الاستاذ نجيب محفوظ, منح الرواية العربية فضاءات جديدة عرفت كيف تتطور وتنمو فيها. ابرز الكتاب * من هم ـ في نظرك ـ ابرز كتاب الرواية من ابناء جيلك عراقيا وعربيا؟ ـ من جيلي عبدالرحمن الربيعي, وعبدالخالق الركابي, ومن الجيل الذي سبقني فؤاد التكريتي وغائب طعمة فرمان اما من العرب فهم كثيرون وبعضهم يشكل جزءا من ثقافتي, مثل العملاق نجيب محفوظ, لكن اقربهم الى نفسي هو الروائي السوري الكبير حنا مينا. * اين تضع نفسك بينهم؟ ـ مازلت في البداية.. اعني بداية الطريق الى الرواية الجيدة متقنة الصنع, اما ان اضع نفسي بينهم فهذه ليست مهمتي, وانما مهمة النقاد اولا, والزمن ثانيا. * ما هو مدى انتشارك عربيا؟ ـ انا معروف في سوريا ومصر والاردن ولبنان, ولا ادري ان كنت معروفا في اقطار المغرب العربي, على الرغم من أنني اهديت الكثير من كتبي الى عدد من ادباء تلك الاقطار. مؤلفات *ماهي مؤلفاتك.. ومشاريعك المستقبلية؟ ـ مؤلفاتي بدأت برواية (النهر والرماد ـ 1973) ثم (رواية المقبرة 1979) التي كانت رواية الخيبة المنبعثة جغرافية المكان لكن احدا لم ينتبه الى ذلك, ومجموعة قصص (ذلك الشتاء البعيد) ,1986 ثم رواية الحقول البيضاء ,1992 ورواية المقطورة ,1995 ورواية الثلوج الساخنة, 1999 واخيرا مجموعة قصص (حكايات بلا شتاء) التي صدرت هذه السنة من اتحاد الكتاب العرب في دمشق وهي الجزء الثاني الذي يمكن ان يكمل او لا يكمل المجموعة الاولى (ذلك الشتاء البعيد) . اما مؤلفاتي المقبلة, المودعة لدى دور النشر, فهي رواية (الطرق الوحشية) في احدى دور النشر ببيروت, ورواية (زهيرات البط) لدى دار الشؤون الثقافية في بغداد, وانهيت قبل ايام رواية (اغنية الصياد الصغير) وسأحاول نشرها خلال زياراتي للاردن عما قريب. الروائي محمد شاكر السبع