على عادة اهل الاجيال الماضية, كان الوالد, رحمه الله مولعا بالانساب عارفا بأصول العائلات في اقليم المنوفية الذي نشأ فيه, متابعا لشبكة المصاهرات التي تعقد في هذه القرية او تلك, وكم كان شغوفا بأن يسرد على مسامع الفقير(كاتب السطور) اذ هو في شرخ الصبا الاول ، حكاية قرية (كفر المصيلحة) الواقعة على احد فروع النيل قرب مدينة شبين الكوم عاصمة اقليم المنوفية حيث اخصب البقاع الواقعة في دلتا النيل, وبالمناسبة كفر المصيلحة هي القرية التي نشأ فيها الرئيس المصري حسني مبارك, لكن حكايات الوالد كانت تذهب بعيدا الى الربع وربما الثلث الاخير من القرن التاسع عشر حين عاشت في القرية عائلة (عمر) ونبغ من افرادها فتاها الحقوقي النابه عبدالعزيز الذي خلعت قريته عليه اسم فهمي بعد ان تبدت مخايل نجابته واستعد لدخول مضمار الحياة العامة في الوطن قاضيا ومستشارا ثم زعيما وطنيا وعلما من اعلام القانون الشوامخ باسم عبدالعزيز فهمي باشا رفيق الزعيم سعد زغلول في ثورة 1919. ثم كان الوالد يختم الحديث بالحكاية الذروة ـ الفينالة كما يقول اهل الفن, وكم كان وجهه الطيب يتهلل بالحماس وهو يروي الحكاية التي كررها على مسامع فتاه الصبي الصغير عشرات المرات. هل تعرف ان عبدالعزيز فهمي كان قد آل على نفسه الا يبقى في قريته ـ كفر المصيلحة ـ أمي واحد ولا عاطل ولا انسان ـ من ذكر او انثى ـ بغير مهنة وبغير نعمة التنوير.. لقد كنا.. نحن فلاحي القرى المجاورة نجتاز دروب كفر المصيلحة (وربما كان هذا في غضون الربع الاول من القرن الحالي) فيروعنا مشهد الفلاحة وقد جلست على عتبة دارها الريفية المتواضعة.. وربما جاورتها بقرة ترعى او تطعم وليدها.. واذا بالسيدة وقد وضعت على عينيها نظارة بسيطة وانشغلت بقراءة الجرائد السيارة الآتية ولاشك في قطار الصحافة من القاهرة.. قد يكون في يدها (البلاغ) لعبد القادر حمزة او (السياسة) للدكتور حسين هيكل او (الجريدة) للطفي السيد ولكنها تقرأ وتفهم وتتنور وتتعلم.. وكم كان مشهدا من اروع ما يكون, اما حبكة الدراما كما قد نسميها فهي حكاية السيدة المسنة من فقراء كفر المصيلحة التي جاءت الى عبدالعزيز فهمي وهو في عنفوان مجده ونفوذه تسأل معالي الباشا ان يعينها على تحمل تكاليف الحياة.. سألها: ـ هل لك زوج نستخدمه او ابن او قريب نلتمس له وظيفة او عملا؟ ـ ليس لي احد وحياة رأسك يامعالي الباشا.. لم يبق لي ـ اعزك الله ـ سوى الحمار. ـ اذن فابعثي لنا حمارك مع مخصوص والله المستعان. وكان ان اوجد عبدالعزيز فهمي عملا للحمار في مصلحة البريد.. يمتطيه ساعي المصلحة وكان يسمى ايامها باسم (النجاب) ليوصل الرسائل او الطرود الى اصحابها في القرى والكفور. واضيف الى القاب فهمي او قاضي القضاة او رفيق سعد زغلول, لقب آخر حمله عبدالعزيز باشا فهمي وهو: الرجل الذي جعل الحمار موظفا اميريا لدى الحكومة. تذكرت هذه القصة وقد صادفت مؤخرا مصطلحا من ادبيات بعثات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة وهو في اصله الانجليزي (دوج ريشنز) وترجمته الحرفية هي: (حصص اعاشة الكلاب) أو جرايات الاغذية للكلاب, وكم من مترجم حسن النية نقل العبارة بغير تمحيص أو خيال على انها حصص ضئيلة أو حصص غذائية لا تليق بالبشر .. الخ, في حين ان الواقع يقول انها حصص غذائية حقيقية تخص حيوانات حقيقية من فصيلة السيد قطمير, الكلب الشهير والصديق لأصحاب الكهف المؤمنين, سادسهم أو سابعهم كما يشير القرآن الكريم, وان قوات الامم المتحدة لحفظ السلام المنتشرة في فجاج الارض وقاراتها تضم إلى جانب الجنود والضباط عناصر عسكرية من .. الكلاب .. المستخدمة لاغراض البحث وتقصي الآثار وتفتيش الاطلال, وهي ـ كما ترى ـ كلاب دولية تستخدمها الامم المتحدة, بموجب عقود عمل تنص على المرتبات والميزات والاجازات وطبعا حصص الاعاشة التي لابد وان يأتي ذكرها في وثائق ومستندات بعثات حفظ السلام. واذا كان من الكلاب من يحمل على سن ورمح لقب (موظف دولي) فإن محكمة أول درجة في مدينة نيويورك عقدت جلساتها في اول الاسبوع الماضي واستوى قاضيها على منصته وأوى المحلفون الستة إلى مقاعدهم يستمعون إلى العبارات النارية التي انطلقت مثل ألسنة اللهب من فم وكيل النيابة ممثل الادعاء يقول بالحرف: ايها السادة, في يوم 30 يونيو من عام 1998 وفي منطقة نيويورك, اعتدى المتهم الماثل امام حضراتكم بالضرب والاذى على (سنوسر) مما ادى إلى اصابة المجني عليه سنوسر في انفه بغير ذنب اتاه ولا جريرة الا انه ـ سنوسر ـ كان يؤدي مهام وظيفته الرسمية, ونحن نطالب عدالتكم بأقصى العقوبة التي ينص عليها القانون وهي سنة من السجن يمضيها المتهم في زنزانة ليكون عبرة لامثاله وحتى لا يتصور احد ان بوسعه اعاقة ممثلي الحكومة الموقرة ومستخدميها واعوانها ووكلائها عن اداء وظيفتهم في سلك الخدمة العامة, بعدها قام محامي الدفاع (راجع بنيويورك تايمز عدد الخميس 23/9 الحالي) مترافعا عن المتهم يقول: ايها السادة: رغم ان لدينا عددا من شهود النفي, الا ان موكلي من باب حسن النوايا, عرض الصلح بين اطراف القضية, بل عرضنا يا حضرات السادة ـ ان يعتذر المتهم للمدعي بالحق المدني وان يقدم له مع الاعتذار .. تفاحة كاملة! ولم يضحك احد عند ذكر التفاحة ولا استغربها احد, فالقضية المنظورة حاليا امام محكمة بنيويورك تدور حول اتهام المدعو جيمس هانوك وهو كهربائي وعضو نقابة محترم بتوجيه لكمة في الانف إلى المدعو سنوسر وهو حصان كانت تستخدمه شرطة نيويورك خلال مظاهرة شارك فيها المتهم مع زملائه من عمال التشييد والبناء وتواجد فيها المجني عليه ضمن زملائه من جياد شرطة المدينة الامريكية الكبرى. كان ذلك في صيف العام الماضي, وقد مضت الشهور منذ ذلك الحين لتشهد عمليات التقاضي ورفع الدعوى واعداد الدفوع واختيار المحلفين وتوكيل محام بالشيء الفلاني. ولم يقتصر الامر عند هذه الملاحقة القضائية لعامل الكهرباء المسكين, بل ان الرجل تعرض ولايزال لحملة احتجاجات بالبريد والهاتف من جمعيات اصدقاء الحيوان وجماعات الرفق ورابطات تربية الخيول, حتى لقد اضحت حياته جحيما أو اشبه بالجحيم, ورغم التفاصيل التي نشرتها بكل جدية صحيفة (نيويورك تايمز) (عدد الخميس 23/9 الحالي), الا ان المحرر القضائي للجريدة الموقرة لم يوضح كيف سيكون اعتذار الرجل المتهم (الجاني) إلى الحصان المجني عليه, هل سيكون اعتذارا على رؤوس الاشهاد, ام يكون في مكتب القاضي أو مفوض البوليس, وهل سيقبل الحصان سنوسر التفاحة الموعودة عربونا على ابداء الندم من جانب المتهم, ام ان الحصان سوف يشمخ بأنفه ويلفظ التفاحة ويرفض الاعتذار ويصر على مطالبه بالحق المدني في القضية ـ كيف لا ـ وقد تعرض للاعتداء وهو يؤدي مهام وظيفته؟