قبل سنوات كتبت مستغربا: كيف يمكن للزميل الصحفي المتواجد بيننا ان يكون له وجهان؟وجه الخبر الذي يكتبه للصحيفة التي ينتمي لها هنا, والوجه الاخر هو الصيغة التي يكتب بها الخبر ذاته لصحيفة خارجية يتواصل معها بصيغة مخبر متعاون, (مصرح) له من صحيفته الرسمية أو بالسر ـ الثانية ظاهرة خطيرة والاولى غريبة . ذات الخبر يكتبه الزميل للجريدتين, تقرأه في الجريدة الخارجية, كأنه خبر اخر, اسلوب عرض مختلف, واضح ومباشر يكمله عنوان جذاب مثير. اما خبر الزميل في جريدته الام, فهو الذي تعودت عليه صحافتنا زمنا, ديباجة رسمية تعود القارىء الا يقبل على قراءتها من كثر تكرارها, وقالب صياغة لا يتبدل كذلك عنوان اكثر برودة ومللا من فحوى الخبر, وقتها كتبت مطالبا ان ننتبه لهذه الظاهرة الخطيرة لكي لا تفقد صحافتنا مصداقيتها وقارئها, وايضا ذكرت الزملاء اصحاب القلمين ان هذه المهنة من فرط حساسيتها واهميتها لا تحتمل ان يكون المنتمي لها له اكثر من وجه واحد وقلم واحد. اذكر اتصال احد الزملاء الذين ينطبق عليهم الحديث, وتعليقه: ان المشكلة ليست بالصحافة الخارجية التي يكتب لها الخبر بصيغة مختلفة, المشكلة هي في الصحافة المحلية لو كتب لها الخبر بنفس الصياغة, فانه لن ينشر, وسيطالب الصحفي ان يعيد كتابته ليتماشى مع (سياسة) الجريدة. هناك الصحافة صناعة تتجدد وتتطور كل يوم, وهمها البحث عن قارىء جديد, تحاول ان تقدم له المختلف ما يجعله ينجذب نحوها وحدها, وعندنا الصحافة صناعة, مهم جدا ان تصدر كل يوم, ولا يهم ماذا تحمل في داخلها. الزميل كان محقا في تحديد اساس المشكلة, وهي هامش المسموح به في صحافتنا واعلامنا, حدود الطرح وكيفية المعالجة, ومهارة استخدام الفنون الصحفية المختلفة في توصيل ذلك. هذه المشكلة باعدت بين الاعلام والجمهور زمنا, وكادت وسائل الاعلام ان تفقد القارىء والمتابع, وان تخسر عنده مصداقيتها ونجاح صناعتها, فهو لم يجد همه وشجونه فيها كما هي بالواقع في شدتها, وكما يأمل ان يعبر عنها الاعلام بوضوح وصراحة تناسب حجمها. اليوم تحسنت الصورة في بعض اعلامنا, وفي مساحات محددة, تسمع برنامجا اذاعيا هو (استوديو واحد) من اذاعة أبوظبي, فتشعر عنده بالرضى لانه يعالج هموم المجتمع بوضوح وشفافية الواقع ولسان المتحدث بها, ويسعدك ان تسمع حجم المشاركة الجماهيرية, سواء في الحوار بالبرنامج أو عند المستمعين له, ومن مختلف بقاع هذا الوطن, جميعهم يبثون همومهم وشكواهم على اختلافها, هذا الاقبال يعبر عن حاجة الجمهور لمثل هذه النوعية من البرامج الاعلامية. برنامج اخر مثل (البث المباشر) من اذاعة دبي ينقل لك جانبا من قضايا الناس اليومية, يحاول ان يجد لها حلا من المسؤول. الاقلام التي تقرأ لها في الصحف المختلفة, تطرح هموم المجتمع بجرأة وواقعية قد تزعج الكثيرين ولكنها ترضي فرد المجتمع لانها تمسه وتعبر عن حاله, وهذا هو المطلب الاهم في الرسالة الاعلامية. هذه الايام مثلا تقرأ تفاصيل مشكلة ساخنة في وزارة الصحة بين الوزير ومديرة الصيدلة, هذا الحوار الساخن لم تتعوده صحافتنا, لكنه يعبر عن حال افضل للاعلام, والشعور بأهمية دور هذه الوسيلة الاعلامية عند المسؤول الذي لجأ لها. جرأة الطرح والتناول لو استمرت في الصحف وشملت مشاكل وقضايا في مجلات شتى تهم فرد المجتمع, ستجد الصحافة ان مجدها الذي كادت ان تفقده قد عاد اليها, وان القارىء سيبحث عنها ويلجأ لها, ستجد انها استردت سلطتها ودورها في البحث عن الحقيقة وخدمة الوطن وانسان الوطن. هذه مؤشرات نحو تقديم اعلام افضل, لكن يبقى ان يتكامل الاعلام في وسائله وبرامجه المختلفة, ويحرص على الاستمرارية لكي لا تكون هذه المؤشرات مجرد صوت نشاز.