على امتداد اثني عشر عاما واصل الكولونيل فاسيلي متروخين بمزيد من الدأب نسخ ملفات على جانب كبير من السرية من أهم أوراق جهاز الاستخبارات السوفييتي المعروف باسم(كي.جي.بي)والذي كان يعمل مسؤولا في ارشيفه. ووضع هذه الصور تحت ألواح أرضية كوخه الريفي . وعندما هرب الى بريطانيا في العام1992حمل معه اكبر ملف مخابرات عرفه الغرب على الاطلاق بما في ذلك التفاصيل المتعلقة بآلاف من العملاء التابعين للاتحاد السوفييتي في الغرب. وكانت هذه الملفات الاساس الذي انطلق منه كتاب (أرشيف متروخين) الذي يثير ضجة كبرى على امتداد العالم هذه الأيام. وفيما يلي اطلالة على مادة ثمينة من هذا الكتاب الذي اشترك في تأليفه فاسيلي متروخين نفسه والباحث الانجليزي كريستوفر اندرو: أعلنت خدمة المخابرات التابعة للرئيس بوريس يلتسين والمعروفة اختصارا باسم (اس.في.آر) نفسها الوريث المعتد بذاته لذراع المخابرات الخارجية في جهاز الـ (كي.جي.بي) . وربما كان آخر رئيس لجهاز (اس.في.آر) وهو يفجيني بريماكوف أفضل مرشح لتولي الرئاسة في روسيا بعد يلتسين عبر الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وهو يعد من القيادات المخضرمة في العمليات الخارجية لجهاز الـ (كي.جي.بي) خلال السنوات الاخيرة من الحرب الباردة. ويبرز بريماكوف والرئيس الحالي للمخابرات الخارجية السوفييتية فيسلاف تروبنكوف, وهو مستشار مقرب من يلتسين من خلال مجموعة مدهشة من الوثائق السرية للغاية المأخوذ ة من ملفات الـ (كي.جي.بي) المهربة الى لندن من موسكو عام 1992. وقد سمع جهاز الـ (اس.في.آر) لأول مرة بشائعات عن هذه المجموعة من الأسرار منذ عدة سنوات. وفي البداية كان الجهاز واثقا من انه لا يمكن لمثل هذا الارشيف ان يتم تهريبه الى الغرب. وعندما نشرت مجلة (فوكاس) الألمانية في ديسمبر 1996 تقريرا مفاده ان ضابطا سابقا بالـ (كي.جي.بي) قد هرب الى بريطانيا حاملا معه (أسماء مئات من الجواسيس الروس) . وفي الحال, ردت تاتيانا ساموليس الناطقة الرسمية باسم جهاز الـ (اس.في.آر) ساخرة من التقرير بكامله. ووصفته بأنه هراء مطلق, وقالت (مئات من الناس, هذا أمر مستحيل الحدوث, ان أي هارب من روسيا يمكنه الحصول على اسم عميل أو عميلين أو ثلاثة, أما أسماء المئات فهذه قصة اخرى) . غير ان الحقائق أكثر دويا من التقرير الذي نفاه جهاز الـ (اس.في.آر) باعتباره شيئا مستحيلا, فقد أدت عملية هروب مسؤول واحد من الـ (كي.جي.بي) الى بريطانيا ليس الى الكشف عن اسماء مئات من الجواسيس السوفييت وإنما الى فضح اسماء الآلاف منهم وكذلك العديد من ضباط المخابرات في جميع ارجاء العالم يعيش بعضهم متنكرا في هيئة مواطنين في دول عديدة. وعندما قام جهاز (ام ـ 16) الذي يعد من أبرز اجهزة المخابرات البريطانية بتهريب ضابط الـ (كي.جي.بي) وعائلته من روسيا في عام ,1992 هرّب معه ست حقائب ضخمة تضم ملاحظات تفصيلية كان هذا الضابط يكتبها على امتداد 12 عاما قبل تقاعده في عام 1984 حول ملفات سرية للغاية خاصة بجهاز الـ (كي.جي.بي) تعود الى 1918. ومنذ ذلك الحين وصفت محتويات هذه الحقائق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي بأنها (أكثر المعلومات الاستخباراتية كمالا وتفصيلا التي قدر للغرب ان يتلقاها من أي مصدر) . ولا يمكن الآن لأي جاسوس عمل لحساب الاتحاد السوفييتي في أي جزء من العالم في أي فترة تتراوح بين ثورة اكتوبر وعشية عصر جورباتشوف ان يثق بأن اسراره لم يكشف النقاب عنها. وضابط الـ (كي.جي.بي) الذي جمع هذا الارشيف الفذ هو المؤلف المشارك لهذا الكتاب فاسيلي متروخين وهو الآن مواطن بريطاني وقد ولد في روسيا الوسطى في عام 1922 وبدأ حياته العملية كضابط مخابرات سوفييتي في عام 1948. وعلى الرغم من ان تحوله الى منشق يكتم انشقاقه قد استغرق عقدا من الزمان لكي يكتمل, الا ان هذه العملية قد بدأت بعد الخطاب السري الذي ألقاه نيكيتا خرتشوف أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي في فبراير ,1956 والذي أكد فيه ان عبادة شخصية ستالين مسؤولة عن سلاسل بكاملها من الانحرافات متزايدة الخطورة عن مبادىء الحزب التي تقوم على الديمقراطية الحزبية والشرعية الثورية. وقد استغرق فرع الحزب في الـ (كي.جي.بي) الذي ينتمي اليه متروخين يومين في مناقشة هذا الخطاب, وهو يتذكر بوضوح الخلاصة التي توصل اليها رئيس فرع الحزب وهو فلاديمير زينكوف الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمكتب الـ (كي.جي.بي) في فنلندا, حيث قال ان (ستالين قاطع طريق) . وقد صدم بعض أعضاء الحزب صدمة بالغة وكانوا من الحذر الشديد بحيث امتنعوا عن قول أي شيء. ووافق الآخرون زينكوف على ما قاله ولم يجرؤ أحد على طرح أي سؤال وخاصة السؤال الذي كان متروخين مقتنعا بأنه في ذهن الجميع, وهو (اين كان خروتشوف بينما كانت كل هذه الجرائم تقترف؟) . وعقب هذا الخطاب السري اصبح متروخين اكثر صراحة من ان يترك على حاله وفي اواخر عام 1956 تم نقله من قسم العمليات الخارجية في الكي. جي. بي. الى ارشيف الرئيس الاول للجهاز والذي امضى به بقية حياته العملية. اكتمل انشقاق متروخين بفعل ربيع براغ عام ,1956 حيث اثارت اهتمامه محاولة الكسندر دوبيتشك وتشيكوسلوفاك لخلق ما اعتبرته موسكو (اشتراكية ذات وجه انساني غير مألوف) وادى قيام الدبابات السوفييتية بسحق ربيع براغ في اغسطس 1968 اخيرا الى اقتناع متروخين شأن معظم المنشقين السوفييت بأن النظام السوفييتي نظام يستعصي على الاصلاح. وفي اطار ملفات الكي جي بي شاهد متروخين بصورة يومية تقريبا الدليل على حالة الهوس والاستحواذ التي اصابت رئيس الكي جي بي يوري اندروبوف الذي قدر له في وقت لاحق ان يتولى الزعامة خلفا لبريجينيف ـ هوسه بقمع ابسط اشكال ما كان يسميه (التخريب الايديولوجي) , وقد تجاوزت الموارد التي خصصها جهاز الكي جي بي لتتبع خطاب واحد لم يوقعه كاتبه وجرؤ فيه على انتقاد النظام السوفييتي تجاوزت الموارد التي تخصص في الغرب لانجاز عملية القاء القبض على مرتكب جريمة قتل كبرى. ويذهب جهاز الـ اس في آر هذه الايام على العكس من الادارات الداخلية للكي جي بي الى القول بأن المخابرات الخارجية السوفييتية لم يكن لها ضلع في مطاردة المنشقين وتجاوز حقوق الانسان بينما في حقيقة الامر كانت هذه الادارات ضالعة بشكل اساسي في هذه المهمة. وكانت الحرب على التخريب الايديولوجي تنسق بشكل متزايد بين الاذرع الخارجية والداخلية للكي جي بي ومازال متروخين يتذكر باعتباره من اشد المعجبين بفرقة باليه (كيروف) الشعور الشديد بالغضب الشخصي الذي ساوره عندما اكتشف في ملفات الجهاز عملية قصد بها مطاردة رودولف نورييف نجم الفرقة الذي هرب الى الغرب والقضاء عليه, ومن حسن الطالع ان هذه الخطة قد فشلت. وعلى الرغم من ان متروخين لم يفكر ابدا في ان يعلن على الملأ حماسه لقضية الانشقاق الا انه استمد إلهامه من النموذج المتميز الذي ضربته صحيفة (يوميات الاحداث الجارية) وهي اول مطبوعة اصدرها المنشقون السوفييت في عام 1968 وركزوا فيها على النضال ضد الانتهاكات السوفييتية لحقوق الانسان. وبالتدريج بدأ يتكامل في ذهنهم مشروع لمحاولة يقوم بها المنشقون لتجميع الوثائق المتعلقة بمظالم النظام السوفييتي وذلك عن طريق تكوين مجموعته الخاصة التي تشكل سجلا للعمليات الخارجية للكي جي بي واتيحت فرصة ذهبية لمتروخين في يونيو 1972 عندما ترك القسم الذي ينتمي اليه داخل الكي جي بي المقر الرئيس للجهاز في لوبيانكا غير بعيد عن الميدان الاحمر, وانتقل الى مبنى جديد في جنوب غربي موسكو على بعد نصف ميل خارج الطريق الدائري. وقد عرف هذا المبنى الجديد الذي صممه مهندس معماري فنلندي والذي يطل على الريف المفتوح والتلال المليئة بالاشجار باسم (الغابات) لدى العاملين في الادارات الاخرى التابعة للكي جي بي. وعلى امتداد السنوات العشر التالية, تولى متروخين الذي كان يعمل في مكاتب خاصة في لوبيانكا والمقر الجديد في باسينوفو مسؤولية نقل ارشيف الذراع الخارجية للكي جي بي الى المقر الجديد, وبينما كان يشرف على عملية النقل كان بمقدوره ان يتفقد ويلاحظ طبيعة المحتويات التي يرغب في الاطلاع عليها في مكتبه. ولم يقدر الا لعدد قليل للغاية من ضباط الكي جي بي غير متروخين ان يقضوا كل هذا الوقت الطويل في القراءة, دع جانبا رصد محتويات الملفات المتعلقة بالمخابرات الخارجية, وخارج الفرع الذي يعمل فيه متروخين لم يتح الا لاعلى الضباط رتبة مشاركته في الاطلاع غير المقيد على الملفات. ولم يتم لاي منهم الوقت الكافي لقراءة ما يتجاوز شذرات قليلة مقارنة بما تمكن من الاطلاع عليه وتدوين ملاحظات بشأنه. وتضمنت عملية اخراج الملاحظات التي كتبها متروخين والمستنسخات التي حصل عليها من مقر باسينوفو مخاطرات هائلة. ولكن هذه العملية برهنت على سهولتها البالغة. وبعد ان اجرى تجارب في هذا الشأن لفترة قصيرة حول وسائل معقدة, توصل ببساطة الى دس ملاحظاته في جيوب سترته وسرواله في نهاية عمل كل يوم, والخروج آمنا فقد كان حراس الامن في مبنى باسينوفو يكتفون بعمليات تفتيش بين الحين والاخر للحقائب, ولكنهم لم يقوموا ابدا بعمليات تفتيش جسدية للعاملين في المبنى. وفي كل ليلة وعندما يعود متورخين الى شقة في موسكو كان يبادر الى اخفاء ملاحظاته تحت حشية سريره. وفي عطلات نهاية الاسبوع كان يأخذها الى الكوخ الريفي الذي تمتلكه عائلته على بعد 36 كيلومترا من موسكو, ويضعها في علب يقوم بدفنها تحت الارض الخشبية للكوخ. وقد كان الكوخ مبنيا على اساسات عالية بحيث يترك مجالا محدودا يزحف فيه متروخين تحت الالواح الارضية ويحفر ليدفن هذه العلب, وغالبا ما وجد نفسه وهو يزحف وسط فضلات القطط والكلاب او تهاجمه الفئران, ولكنه عزى نفسه بالتفكير في ان اللصوص لا يحتمل ان يمضوا الى الاماكن التي دفن فيها كنزه الثمين. وعندما امتلأت اعداد كبيرة من العلب بالوثائق بدأ في اخفائها في صفائح كبيرة. وبالفعل فإن ارشيفه الهائل ملأ حقيبتين ضخمتين مصنوعتين من الالمنيوم والعديد من الصناديق القصديرية التي دفنها جميعا تحت الواح ارضية الكوخ. وكان اثمن ما في ارشيف القسم الذي يعمل فيه متروخين ملفات ادارة تعرف باسم (اس) وهي الادارة التي تتولى شؤون ضباط الكي. جي. بي (غير الشرعيين) والعملاء الذين يعملون في الخارج في ظل غطاء يشمل كونهم مواطنين لدول اجنبية وبسبب السرية البالغة لهذه الملفات امضى متروخين المزيد من الوقت في عملية نقل ملفات الادارة (اس) مقارنة بملفات اي ادارة اخرى. وكانت هذه النوعية من العملاء ذات طابع خاص في اطار الكي. جي. بي وقبل ارسالهم للاقامة في الخارج كان يطلب من كل ضابط منهم ان يؤدي قسما بالغ السرية يتسم بطابع ميلودرامي بعض الشيء ونص هذا القسم هو : (باعتباري ابنا من ابناء الوطن جديرا بالانتماء اليه فإنني افضل الموت على البوح بالاسرار التي عهد بها الي او ان اسلم الى الخصم مواد يمكن ان تسبب ضررا سياسيا لمصالح الدولة واقسم بكل نبضة من نبضات فؤادي ومع كل يوم يمضي من ايام عمري ان اخدم الحزب والوطن والشعب السوفييتي. وقد كشفت سجلات الدائرة (اس) بعض المنجزات الفردية الملوحظة فقد قام هؤلاء الضباط التابعون للكي. جي. بي بالاستقرار في الخارج كمواطنين للدول التي يقيمون بها واشتغلوا بالعديد من المهن التي تتراوح بين سفير كوستاريكا الى فني اصلاح اجهزة البيانو وصولا الى حاكم نيويورك. وحتى في عهد جورباتشوف واصلت ادارات الكي. جي. بي تصوير هؤلاء العملاء باعتبارهم التجسيد الاسمى للمثل الفروسي الاعلى في خدمة المخابرات وقد كتب عميل الكي. جي. بي البريطاني المتقاعد جورج بليك في عام 1990 يقول: (ان جهاز مخابرات يعمل من اجل قضية عظيمة هو وحده الذي يمكن ان يطلب مثل هذه التضحية من ضباطه وبقدر ما اعمل فإن هذا هو السبب في ان جهاز المخابرات السوفييتي وحده هو الذي له عملاء في وقت السلم يعملون في الخارج على الرغم من كونهم مقيمين غير شرعيين. ويواصل جهاز الـ اس. في. آر العمل في اطار هذا التقليد من تقاليد الكي. جي. بي وفي عام 1995 خلع الرئيس يلتسين على ضابط المخابرات السوفييتي الامريكي المولد موريس كوهين بعد موته لقب (بطل الاتحاد الروسي) وتكشف ملفات الادارة (اس) التي نقل متروخين ملاحظات منها النقاب عن نوعية مختلفة من هؤلاء الضباط فإلى جانب الضباط الملتزمين الذين يحتفظون بغطاء عملهم وبالانضباط المهني الشديد, كان هناك آخرون لم يستطيعوا الحفاظ على توازنهم بين صورة الدعاية السوفييتية عن المجتمع الرأسمالي المستغل وبين واقع الحياة في الغرب. ومن الاسرار الاكثر كآبة التي تضمها ملفات الادارة (اس) تلك الاسرار المتعلقة بالاستخدامات الرئيسية لهذه النوعية من الضباط حيث يبحثون ويقبضون على المنشقين في الدول الاخرى من حلف وراسو متنكرين في هيئة اشخاص غربيين متعاطفين مع المنشقين ذلك ان الحرب ضد (التخريب الايديولوجي) كانت من بين مسؤوليات الادارة (اس) جنبا الى جنب مع الادارات الاخرى. عن (التايمز) فاسيلي متروخين خلال رحلة صيد في المانيا الشرقية متروخين خلال رحلة صيد اثناء العمل نورييف.. فشلت خطة اغتياله