الأحد إلى ميونيخ،كلما ارتقيت السلم المؤدي إلى الطائرة المتأهبة, إذ أصل إلى نهايته أستدير لأحتوي بالبصر الرهيف أرض موطني والمباني البادية لعل وعسى!في الصبا كان ركوب الطائرة حلما, والآ ن أصبح عبئا, الساعات الطوال, الإقلاع, الهبوط, أهم اللحظات عندي, الإقلاع , لحظة الانفصال عن الأرض , بعد تسلق الفراغ أبدأ القراءة , أستغرق تماما, اعتدت المطبات, والاستسلام للمصير, وأن كان السفر فوق البحار يثير قلقا خفيا عندي, ذلك أنني أجهل العوم, وكأنني لا قدر الله سأنال فرصة الوصول إلى الماء سالما ولم يتبق إلا مشكلة العوم, دائما الطيران فوق الأرض يثير طمأنينتي رغم توحد المخاطر. زميلة الرحلة الاديبة سلوى بكر, كما نقول في لغتنا العامية, هي (جدعة) , سافرت بصحبتها من قبل, هي في السفر خير رفيق حقا, وأعمالها معروفة في أوروبا. الهدف من الرحلة تقديم قراءات أدبية من نصوصنا الأدبية عن القاهرة, إلى جمهورنا الألماني, ينظم الندوات معهد جوته الألماني, عندما علم الدكتور ممدوح البلتاجي وزير السياحة قرر أن تسهم الوزارة ببطاقات الطائرة, على أساس أن هذه الندوات سوف تلقى اهتماما إعلاميا وتعد وسيلة رفيعة المستوى لتنشيط ذاكرة الألمان حول مصر. في المطار كان ينتظرنا مصري يعيش هنا منذ واحد وأربعين عاما, جاء للدراسة في عام سبعة وخمسين ومكث, اسمه شريف, أما زوجته فهي منسقة البرنامج بمعهد جوته, لذلك كان اللقاء حميما وليس رسميا, صحبنا الرجل عبر أروقة المكان العصري, الممرات الطويلة, والإضاءة الحداثية, الوان حمراء وزرقاء وصفراء متداخلة تضفي على الفراغات حضورا معدنيا , تذكرت الموسيقى الصاخبة التي يستمتع بها الأبناء . جال صاحبنا عبر المدينة الهادئة مترامية الأطراف والتي يبلغ تعدادها مليون نسمة, المدن مثل البشر, أما أن يستغرق التعرف بها وقتا ولا تتم الصلة, وإما أن يقع التفاهم من أول لحظة, يمكن القول أنني تقبلت المدينة بتحفظ. العمارة صارمة, ضخمة, تستهدف بث الشعور بالقوة, مباني قديمة من القرن الماضي تذكرني بالمجر والى حد ما بمدن روسيا الكبرى, ثمة شيء خفي مشترك, العمارة من أقوى العناصر الثقافية, أنها ما يبقى بعد رحيل الإنسان , يودعها بسره وأنفاسه وملامحه. غرفة دائرية المساء يعيش صاحبنا في مبنى قديم, قررت البلدية الحفاظ عليه لأنه نموذج منفرد, الحجرة المطلة على الطريق تشبه البرج, دائرية, جلسنا فيها متواجهين, وكان الرجل وزوجته يبذلان الجهد لتوضيح تفاصيل رحلتنا طبقا للنظام الذي لا ينافسه إلا النظام السويسري الأشد. كان صاحبنا يعود إلى نقطة معينة في الحديث, إلى ذكر أبنه, أنه صحفي يعيش في القاهرة مع زوجته الأمريكية و يراسل عدة صحف عالمية. من شكل النطق وتكرار الحديث, بدا اعتزاز الأب بابنه وعمق علاقتهما, خاصة عندما رن جرس الهاتف واتضح لنا أنه يتحدث من مصر. قال صاحبنا انه ابنه الوحيد, من زوجته الأولى . عندما تأهب للانصراف ألقيت نظرة على الغرفة الدائرية, المطلة على الشارع الهادئ, حتى صباح اليوم لم أكن أعرف أ ي شيء عن الرجل وعن أسرته, وبالطبع كنت أجهل المكان الحميم الذي ضمنا بعض الوقت. مبان رئيسية أعود إلى العمارة, عمارة قديمة محافظ عليها جدا, عمارة حديثة, اشهرها المركز الرئيسي لشركة (بي أم دبليو) لصناعة السيارات المكون من عدة أبراج دائرية متجاورة, ثمة مبان أخرى من زجاج وألومنيوم لكنها تحاكي الخطوط القديمة. الشوارع مستقيمة, عريضة, لبعضها شهرة تسهم في الترويج للشركات التي تتخذ مكاتبها بها, أما الطقس فكان باردا جدا. الاثنين/الصباح الاول أطل من النافذة, انها الإطار المحدد لرؤية الأشياء, الثلج بين قضبان التر ام, الأشجار كالحة بدون أوراق خضراء, أنه الشتاء الأوروبي , استعيد لحظات حب قديم, ونثيرات من طفولتي, وشذيرات من الصعيد, وبعض شطرات من قصائد لا أحفظها, إنما تركت أثرا عندي. مساء الثلاثاء: القاهرة في ميونيخ القاعة الرئيسية في مقر معهد جوته الرئيسي من هذه البنايات الضخمة الحديثة تدار سلسلة المعاهد التي تحمل اسم الكاتب الألماني الكبير.. من أجل هذه الليلة جئنا من القاهرة لنتحدث عن مدينتنا. جرى الإعلان عن الندوة بوسائل الإعلام المختلفة.. كان الحضور مرتفعا.. القاعة ممتلئة تماما.. حوالي ثلاثمائة شخص دفع كل منهم ثلاثة ماركات (أي حوالي سبعة دراهم) ليستمع إلينا. المسرح فوقه مقاعد لكل من سلوى بكر ولي.. وللمترجم هار تموت فندرشي الذي سيدير الندوة.. والممثل الألماني الذي سيقرأ النصوص المختارة.. والمترجمة الفورية شريفة مجدي المصرية المقيمة في فرانكفورت منذ ربع قرن تقريبا. تبدأ سلوى بقراءة جزء من روايتها العربية تصعد إلى السماء بالعربية ليستمع الجمهور إلى إيقاع اللغة.. ثم يعقبها الممثل الألماني.. وبدا مقتدرا.. ماهرا.. الجمهور يصغي إلى القصص أو المختارات التي تقرأ هنا بعمق ومتعة وكان تقليد القراءة هذا موجودا في القاهرة خلال الخمسينات.. خاصة في نادي القصة.. ولا يتم حاليا إلا في حدود ضيقة بالاتيليه أو جمعيته بحي الفنون الجميلة بشارع النباتات بجاردن سيتي. تنتهي القراءات لتبدأ الأسئلة من هارتموت.. تتركز حول القاهرة.. تحدثت سلوى عن علاقتها بالقاهرة.. وكيف أثرت فيها.. ولم يكن حديثها عن المكان فقط. بل عن البشر البسطاء الذين يحملون داخلهم ثقافة عريقة. تحدثت عن الأزمة المتجاورة في المدينة.. وفرادة حالتها.. الفرعوني (الجيزة) القبطي (مصر القديمة) الإسلامية (إطار عام).. وصفت تقاليد العمارة وامتدادات الثقافة المصرية في البنيان.. وداخل البشر وحاولت تقديم ملامح الشخصية القاهرة الأصيلة. أضيئت الأنوار. ولمحت المستشار الثقافي المصري الذي جاء بصحبة زوجته من بون (أربع ساعات بالقطار السريع جدا) ليستمع إلينا وكذلك الأب راعي الكنيسة المصرية في ميونيخ.. وعدد من الوجوه المصرية الملامح.. انهم المقيمون هنا.. بدأ الحوار مع القاعة فوجئت بتعاطف الجمهور الألماني مع مصر.. خاصة بعد حادث الأقصر.. وقال أحدهم إن اللطافة ليست من طابع القاهريين فقط.. ولكنها طبيعة مصرية عامة. تحدث أحدهم عن التعصب.. وردت سلوى بكر بوعي رفيع وخبرة في مخاطبة الجمهور الغربي وبصدق.. قالت إن التعصب والتطرف ليسا قاصرين على العرب أو المسلمين.. إنه سمة في كل مكان.. لكن الغرب لا يرى أحيانا إلا ما يريد أن يراه.. وضربت مثلا بهدم المنازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي بناء المستوطنات.. أليس هذا تعصبا؟ وضجت القاعة بالتصفيق الحاد.. من المصريين والعرب.. ومن الألمان أيضا. الأربعاء / أوروبا الموحدة قصدت مطار ميونيخ.. هذه الرحلة من أوروبا إلى أوروبا.. من ألمانيا إلى إيطاليا.. بالتحديد إلى ميلانو.. شركة إنتاج تليفزيوني تعد برنامجا عن روايتي (الزيني بركات) بمناسبة صدور الترجمة الإيطالية.. دعت إليه البروفيسور نويا زادة أستاذ كرسي الأدب العربي بجامعة ميلانو.. والأستاذ كابيني مترجم كتاب (تهافت التهافت) لابن رشد.. والذي صدرت ترجمته في يناير الماضي. دخلت إلى قاعة السفر.. ورحت أتلفت بحثا عن مكتب الجوازات لكنني لم أجد له أثرا.. فقط مكتب الطيران.. ثم قاعة السفر مباشرة.. كيف سأخرج من ألمانيا بدون ختم الجواز؟.. صحيح أن التأشيرة تسمح لي بدخول دول السوق الأوروبية المشتركة والتردد على ألمانيا عدة مرات.. لكن لا شيء يمنح الأمان مثل الختم .. إنه تأثير الخرطوش الفرعوني القديم.. الذي أصبح رنكا (علاقة دائرية تحمل شعار السلطان وأمراء المماليك) نجدها على المساجد والمباني.. ثم أصبح ختما يحمل التاج الملكي أو شعار النسر أو صقر قريش. لم يسألني أحد عن جواز سفر ولا أي ورقة.. كذلك الأمر في مطار ميلانو. . ذهبت إلى موظف الجمرك.. سألته عن مكتب الجوازات فابتسم مشيرا إلي بالخروج. خرجت متمهلا.. خشية أن يكون سهو ما قد وقع.. ولكي أتيح لهم أن يلحقوا بي.. أليست أوراقي سليمة.. والتأشيرة صالحة وختم السفارة الألمانية موجود. لكن لم يوقفني أحد, ولأول مرة أدرك احدى النتائج العملية المترتبة على الوحدة الاوروبية, تذكرت بعض مطاراتنا العربية وتجربتي في بلد شقيق زرته مؤخرا, ومططت شفتي أسفا !