يعد فن الرواية, من اكثر الفنون الابداعية المعبرة عن الحياة والفعل الاجتماعي, نظرا لما تمنحه طبيعة هذا الفن من نقل الاحداث والوقائع والصور والطبائع البشرية, نقلا حيا يتفاعل فيه وجدان المرسل, الروائي والمرسل اليه, المتلقي, القارىء.من هنا وجدنا الرواية تأخذ مداها الواسع في الحياة العربية ممتدة من الحكاية في سياقها التقليدي الشفاهي , غالبا, الى موقعها الجديد من خلال التأثيرات الاجنبية في الادب والفن والثقافة العربية عموما وليس اشكالا ان تكون الرواية العربية قد استقت اسسها من آبار غير عربية, ذلك انها في هذا الاستقاء, تمكن من توظيف هذا الفن توظيفا قطريا,. محليا, وقوميا, عربيا, وانسانيا, ينتمي الى الواقع الانساني في كل مكان, وبعيدا عن الحدود الجغرافية. وفي دراسة حديثة للدكتور: حسان رشاد الشامي (المرأة في الرواية الفلسطينية 1965 ـ 1985) هناك مراجعة متأنية وتفصيلية تتعلق بموقع المرأة ـ الجنس الآخر في النص الروائي الفلسطيني, وذلك من خلال الوقوف عند (18) رواية فلسطينية لثمانية روائيين فلسطينيين هم: غسان كنفاني, اميل حبيبي, جبرا ابراهيم جبرا, رشاد ابو شاور, سحر خليفة, ليانه بدر, سميح القاسم, يحيى يخلف. وقد يكون عدد الروايات والروائيين كافيا لدراسة موضوعات المرأة بعيدا عن موضوعات الرجل.. الا ان ايجاد الفواصل في حياة اجتماعية كلية, يخضع لطقوسها ووقائعها اليومية الرجل والمرأة على حد سواء, يعد محاولة عسيرة عن تبرير احادية الجنس... خاصة وان الضغوط والمآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني لا يمكن ان نفصل فيها المرأة عن الرجل... نظرا لحياتهما المشتركة في ظل بناء الاسرة والكيان الاجتماعي على نحو كلي.. كذلك لم تكن هناك حدود او فواصل, خضعت او عاشت فيها المرأة الفلسطينية بعيدا عن الرجل.. الامر الذي يجعل من ايجاد هذا الفاصل.. ايجادا مصطنعا لا يبرره البحث ولا تبرهن عليه الوقائع. إلا ان الباحث اختار زاوية محددة جعل من المرأة محورها على نحو اراد به تقديم الرؤية او المعطى الانساني الذي تعامل به الروائي الفلسطيني مع المرأة. وسواء كان باعث الكتابة ينطلق من الروائي الرجل او الروائية المرأة, فان د. حسان الشامي اراد ان ينظر الى صورة المرأة في هذا النص الروائي وكيف تم تجسيدها, خاصة وان المرأة الفلسطينية لم تشهد من التعليم إلا النزر اليسير في ظل الكيان الصهيوني والمتيسر للمرأة الفلسطينية كان في الغالب خارج حدود ارض فلسطين المحتلة إلا في نطاق ضيق جدا. ومع مأساوية هذا المشهد.. نجد ان المرأة الفلسطينية كانت تتطلع الى وجود اسمى في وطنها فلسطين, ووقفت الى جانب الرجل وقفة مسلحة واثقة وشجاعة.. وتعزيز دور النضال على كل الجبهات التي خاضها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني. واذا كان الباحث قد اخذ على عاتقه دراسة ابرز رموز الرواية الفلسطينية, فإنه قد اهمل رموزا اخرى, لعل من ابرزها: فيصل حواراني, هشام الشرابي, يوسف شرورو, نواف ابو الهيجا, وليد ابوبكر, د. افنان القاسم, امين شنار, نبيل خوري.. وسواهم. كما اشار الى عدد من الاعمال الابداعية على انها روايات فلسطينية منها: (لكع بن لكع) وهي مسرحية لاميل حبيبي وليست رواية, كما ان (الطبيب رغم انفه) مسرحية شهيرة لموليير.. وليست رواية لجيب مارون, كما اشار الباحث. على ان الباحث حدد منهج بحثه بالمنهج الاجتماعي في تحليل الشخصية الروائية, واعتمد المنهج البنيوي التكويني في الدراسة الفنية. ونحن نعتقد ان كلا المنهجين لم يحققا النجاح الذي كان يراد تحقيقه لمثل هذه الدراسة المعمقة.. وكان المنهج السيكولوجي هو المنهج الوافي الذي يمكن ان يحقق للباحث الهدف الذي اراد انجازه. ولا نريد بهذا الاعتقاد ان نلزم الكاتب باتخاذه.. فمثل هذا يعد استلابا لحرية الباحث واختيار المنهج الذي يحقق رؤيته, الا اننا اشرنا الى المنهج المناسب انطلاقا من موضوعة البحث.. ذلك ان تحديد شخصية المرأة في الرواية الفلسطينية, يحتاج الى معرفة سيكولوجية المرأة الفلسطينية تحديدا, وان كانت تختلف عن شخصية المرأة العربية ـ وإن كنا لا نجد مثل هذه الفوارق الا في حدود ضيقة جدا ـ ولعل تحليل شخصية الفلسطيني مواكبة سليمة, وكذلك تأثير الحدث السياسي, وتماس الشخصية الفلسطينية ـ رجلا أو امرأة ـ بالشخصية الصهيونية.. مسألة واردة حتى يكون البحث اكثر دقة في علميته وبناء اسسه وإغناء منطقه. وإذا كان الباحث يعد (البداية الحقيقية للرواية العربية الفلسطينية بعد النكبة) فإن مثل الاقرار أو الحكم المطلق, يحتاج الى ما يدعمه, وليس مجرد ان نطلقه وننسحب عنه دون أدلة. ومثل ذلك (أصبح الهم الوطني يحتل مساحات الصفحات كلها التي تطمح الى التعبير عن تجربة الاقتلاع والنفي) .. ومع أهمية وصحة ما ذهب اليه الباحث الا اننا لا يمكن لنا تعميمه, فروايات جبرا ابراهيم جبرا على سبيل المثال تخلو من هذا الهاجس.. ولا تنشغل به الا في حدود ضيقة جدا لا تشكل محور الشخصيات التي عالجتها رواياته. ولا نعرف كيف بنى الباحث تصوره عندما يشير الى ان (الرواية الفلسطينية شهدت انحسارا ملحوظا لصورة الرجل التقليدي بعكس ما رأيناه من حضور واضح لصورة المرأة التقليدية) . والغريب في الأمر ان الباحث يستند في هذه المسألة على كتاب (الرواية السورية في بلاد الشام) لإيمان القاضي.. ونحن نعتقد ان هذا المصدر لا يغني ولا يتلاءم مع طبيعة دراسة الباحث أساسا ولا يعد ما ورد فيه قائما على نظرة واضحة للرواية الفلسطينية التي تختلف في اكثر من جانب مع الرواية السورية وسواها من الروايات. بصورة عامة يعتبر هذا الكتاب لمؤلفه, جهدا علميا يتطلب عناء كبيرا في الحصول على مصادر بحثه والانشغال في تحليل النصوص الروائية وما يرافقها من دراسات معمقة في الفن الروائي.. الا ان هذا البحث على الرغم من كل ما يحمله صاحبه من حرص وانتباه ونقاء ومسؤولية, يظل جهدا يعرض نفسه للمناقشة وللايضاح وللاضافة وللحوار الجاد المخلص من اجل الوصول الى اكثر الحقائق دقة وموضوعية. غلاف الدراسة