للإمام الشعراني كتاب جميل عنوانه(لطائف المنن)يتضمن مسيرة ذاتية رائعة, يبدأ كل فقرة بعبارة(ومن منن الله علي ..)ثم يقول شيئا من حياته, أحيانا أشعر أنني راغب في الاقتداء به, فأقو ل ومن منن الله علي أن رغبتي في القراءة لاتزال قوية بعد بلوغي العقد السادس, بل يمكن القول ان تلك الرغبة في تزايد مستمر . بدأت القراءة منذ أن تعلمت (فك الخط) وفهم دلالة الحرف, ويمكن القول ان ذلك جرى قبل التحاقي بالمدرسة, كان الوالد رحمه الله حريصا على شراء الصحف, الأهرام والمصري, وكان يقرأ متمهلا, فيشير إلى الحرف بإصبعه, ومن نطقه ومن إشاراته تعلمت شكل الحروف وأتقنتها, هكذا دخلت المدرسة وأنا أعرف القراءة. من مجلة سندباد إلى ألف ليلة وليلة إلى أرسين لوبين اللص الشريف, إلى روكامبول, وروايات الجيب التي كان يحررها عمر عبد العزيز أمين, وقدم لنا من خلالها ترجمات لإسكندر ديماس الأب والابن, ولأميل زولا, ورفائيل سباتين, ويوجيه سو, ودستوفيسكي, وآخرين. سلسلة هامة لعبت دورا كبيرا في تحقيق شعبية الرواية, صدرت في الثلاثينات والأربعينات وكنت أقرأها في الخمسينات, كنت أشتريها من باعة الكتب المستعملة, القديمة عندما عرفت طريقي إلى رصيف الأزهر الذي كان يفترشه باعة الكتب القديمة, وكان من أهم مصادري للاطلاع إلى جانب دكاكين الوراقين في الجمالية, وأشهر هم كان الحاج (دياب) , الذي كان يشتري مرتجعات الصحف والمجلات والكتب القديمة, كنت أدخل بين أكوام الكتب والمجلات وأمد يدي بحثا عن نادر الكتب والروايات, وأحيانا أصطدم بفأر أو ثعبان وجد في الأوراق المكدسة خير مخبأ له. في الثانية عشرة عرفت طريقي إلى دار الكتب المصرية في باب الخلق, كانت تقع على مسيرة ربع ساعة من بيتي في قصر الشوق, ومنها أتيح لي أ ن أقرأ التراجم الكاملة, خاصة من إصدارات دار اليقظة العربية في دمشق, وأمهات الأدب العربي القديم. هكذا قرأت دستوفيسكي. (مذلون مهانون) , (الاخوة كرامازوف) ,, (مذكرات منزل الموتى) , (الجريمة والعقاب) , ولجوركي (الساقطون) , (حياتي) , (الأم) , إضافة إلى عيون الأدب العربي القديم. مازلت أحتفظ بحضور تلك اللحظات, إذ أسعى في الصباح الباكر عبر الغورية, ثم أعبر بوابة زويلة إلى باب الخلق حيث مبنى المتحف الإسلامي ودار الكتب, كان لدار الكتب مدخل مهيب, عريض, أحيانا أصل قبل التاسعة فأنتظر لأكون أول الداخلين, صعود السلم العريض يتجه بالإنسان إلى أعلى دائما, فكأنه يقصد معبدا وليس خزانة للكتب, كان الممر الطويل المؤدي إلى قاعة المطالعة يحوي معرضا للمصاحف المملوكية, وأدراج الفهارس, حيث لكل كتاب بطاقة تحمل رقم الكتاب وعنوانه, وقد أصبحت أعرف مقاصدي جيدا. وبنفس البهجة التي سعيت بها عبر الطريق أستقر في القاعة التي أصبح الموظفون فيها يعرفونني جيدا ويقدمون إلي المساعدة ربما لصغر سني, حتى أن بعضهم كان يدعوني إلى المخزن ليطلعني على أحدث ما وصل إلى الدار من بيروت والعواصم الأخرى. فيما بعد أصبحت أحرص على اقتناء الكتب, ذلك أنني أقيم علاقة خاصة بالنص, فما أقرأه وأحبه أفضل أن يكون على مقربة مني, عندما أرغبه أجده في متناولي, والصلة بالكتب أزعم أنها أقوى الصلات التي عرفتها في حياتي بالأشياء, أنها أجزاء مكملة لحضوري الإنساني, المادي والمعنوي. خلال تلك الأيام البعيدة كانت القراءة قرين المعايشة, أذكر أنني بعد اطلاعي على (أحدب نوتردام) بكيت طويلا, ولعدة أيام كنت أمشي منحنيا, تكاد تطلع لي حدبة حزنا على ما جرى لكازيمودو, قارع الأجراس, كنت أتوحد بالنص, أصير جزءا منه, انه العصر الذهبي للقراءة, خاصة الرواية. مع تقدم العمر تشعبت الاهتمامات, خاصة في التاريخ, والفلسفة, والفلك, والتصوف, والتراجم, والدراسات الأدبية المعاونة, وفي السنوات الأخيرة أصبح الفن التشكيلي أحد اهتماماتي الرئيسية ولي حديث خاص به. يحدث أن يزورني الأصدقاء ويتطلعون إلى مكتبتي الضخمة التي لا أخفي اعتزازي بها, يسأل بعضهم: هل قرأت هذا كله؟ الحق أنني قرأت أكثر مما أقتنيه الآن, فمعظم قراءاتي الأولى تمت من خلال الإعارة. يخضع ترتيب مكتبتي لعلاقتي بالكتب, فالأقرب إلى جواري, ويتدرج الأمر هكذا. خلال العقدين الآخرين أصبحت قراءاتي أكثر تعقيدا, وشرهي في التهام السطور أقوى, لذلك أصبحت أقرأ في أكثر من كتاب في وقت و احد, مع أنني لم أكن أفضل من ذلك, لكن ماذا يفعل إ نسان يريد أن يحصل أقصى قدر من المعرفة مع علمه التام بضيق الوقت. منذ سنوات كنت أقف في المكتبة ليلا, وفجأة أدركني خاطر, هذه الكتب لن تقرأها مرة أخرى, ما تبقى أقل مما مضى, أزعجني ذلك في البداية, بقدر ما أثار عندي الشجن لسرعة انقضاء الوقت ومرور الزمن, ثم رحت أتجه إلى إعادة بعض النصوص الأولى, التي ارتبطت بها, ومازلت اطمئن إلى موضعها, وأنفض عنها الغبار الدقيق, وأفتح صفحاتها لأقرأ في دهشة تعليقاتي القديمة وملاحظاتي, وأدهش لأنها نفس الملاحظات خلال قراءاتي الآن, أطالع تشيخوف ودستوفيسكي وهرمان ميلفيل وكافكا ونجيب محفوظ وابن عربي وابن إياس, أقرأ بنفس الشوق والنهم, ولكن .. كأني مقبل على سفر بعيد, فأسعى لتوديع صحبي الاقربين. الاثنين : الرافعي وإعادة الاكتشاف أول ما قرأت للدكتور مصطفى الشكعة كان بحثا عن الجمالية, كتبه بالاشتراك مع المستعرب الراحل جاك بيرك, كان دراسة عميقة للمنطقة التي أعيش فيها أفادتني وبهرتني, ومنذ ذلك الحين صرت أتتبع مؤلفات الرجل الفاضل, والتي تعد من أعمق ما قرأت في دراسة الأدب العربي القديم, والتراث الإسلامي, إلى أن أتاحت الظروف تعرفي به عن قرب, ورغم قصر المدد التي نلتقي فيها, إلا أن شخصية الرجل العلامة, وحضوره العميق, وعلمه الغزير, يفيض بكل ما هو جميل وخير, زهد عن علم, وفيض معرفة, ودماثة في مهابة تذكرنا بالشيوخ الأكابر الاجلاء الذين نقرأ عنهم ونقتدي بهم. آخر ما صدر للدكتور مصطفى الشكعة طبعة جديدة مزيدة من مؤلف عن مصطفى صادق الرافعي. والرافعي من أهم أدباء القرن العشرين, ليس في مصر فقط, إنما على مستوى العالم العربي, قرأت مؤلفاته في فترة مبكرة, وأقول بعد خبرة بأساليب اللغة أنه صاحب أسلوب فريد, فيه من الحداثة ما يتجاوز المحدثين, حداثة متصلة بالجذور والأصل, وفرادة في وسائل التعبير. لذلك كنت اكتشف دائما أنه في حاجة إلى إعادة اكتشاف من منظور جديد, وكم من الأدباء الكبار في هذا القرن بحاجة إلى إعادة اكتشاف, ليس بالشكل المهرجاني الزاعق, الذي أصبح مملا, ولا أحد يأخذه على مأخذ الجد, لا المشاركون الذين يجيئون بدعوات من أقاصي البلاد, ولا الجمهور الذي انصرف عن المحاضرات المعدة لتبرير (العزومة) أو المشاركة. إعادة التقديم أو الاكتشاف تبدأ بتوفير أعمال هؤلاء الكبار, وإتاحتها للقراء, ثم الدراسة العلمية, والى النوع الأخير ينتمي كتاب الدكتور الشكعة الذي يركز على محاور محددة عند الرافعي, التكوين الإسلامي لفكره, والسمو البياني في أسلوبه, وهنا يعرض لتكوينه, ومعاركه, يقول الدكتور الشكعة في المقدمة: (لقد عاش الكاتب يمجد الفكرة الصالحة ويحارب الفكرة المنحرفة, غير عابىء بالضرر الذي كان يعود عليه من جراء ذلك, وكأنه جندي في معركة أبى أن يتخلى عن موقفه في ميدانها مهما كانت آلام الكلام التي يتعرض لها) . وبمثل هذا نقتدي, وعلى هداه نمضي, وفي ذلك أيضا درجة من الاكتشاف. الثلاثاء: الديوان الملاذ عندما يضيق الإنسان بالأحوال يلجأ إلى الشعر, هكذا اعتدت, وهذا ما جبلت عليه, أنشده بصوت مرتفع, وأحيانا اكتبه متمهلا كي أوهم نفسي أنني أشارك في إبداعه بشكل ما, هكذا لجأت إلى الابنودي, خاصة في ديوانه الأخير الذي أعتبره من أهم الدواوين الشعرية التي ظهرت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة, للأسف شعراؤنا الكبار ليس لهم حظ في وطنهم, وكل منهم يقف بمفرده, لا يعتمد إلا على موهبته وأشعاره وحب العشاق للشعر وجمهوره, لا تتبعهم ميلشيات, ولا يمشي في ركابهم أكاديميون أو محترفو نقد يوظفون ضمائرهم للدعاية والإعلان, انظروا إلى أحوال شعرائنا الكبار وتأملوا! الأحزان العادية تنفذ إلى الجوهر, وتلخص الحال, والرؤى, جوهر الوقت والظروف, الراهن والآتي, المقيم والعابر, يعبر عن أحلام وآمال جيلنا التي أجهضت, وذلك التغير المهول الذي يجري في العالم, وتلك القيم الجديدة التي تسود بسهولة لتدهس ما كان يثري إنسانية الإنسان, وكل ما من شأنه أن يجعل الحياة أفضل, إ ن عالما ألفناه ينهار, ويقوم آخر أكثر قسوة, أخشى أن نصبح فيه مثل أهل الكهف, غير أن أهل الكهف عجزوا عن التكيف مع الواقع الذي أفاقوا عليه وانسحبوا بقرار داخلي منهم, فسدوا الكهف وناموا, لكن قدر جيلنا أن يكافح حتى اللحظات الأخيرة, ضد الجهل, والقبح, والفساد, وعوامل السقوط والتشويه. جيل محارب منذ أن وعى وحتى تمامه, ومن حق المحارب أن يحزن قليلا وأن يأسو, خاصة إذا رأى ما كافح لإرسائه والدفاع عنه يهوي وتحيد عنه الأسباب, هنا تأتي قيمة هذا الديوان الفذ, الديوان الملاذ, الذي ترقى أشعاره إلى مستويات الشعر الإنساني الرفيع, بدءا من الأزمنة القديمة, حتى فحول الجاهليين, وقمم مثل الشيرازي وطاغور وناظم ولوركا وغيرهم, لا أبالغ إنما أردد مع الابنودي شفاه الله حاقولها بالمكشوف خايف أموت من غير ما أشوف تغير الظروف وتغير الصنوف والمحدوفين ورا متبسمين في أول الصفوف خايف أموت وتموت معايا الفكرة لا ينتصر كل اللي حبيته ولا يتهزم كل اللي كنت أكره إتخيلوا الحسرة! الأربعاء: سطور منذ فترة تقارب العامين أتابع هذا المشروع الثقافي الهام الذي يقوم على جهود خاصة أقدمت عليها سيدة جامعية مثقفة هي الدكتورة فاطمة نصر, بمشاركة علمية من أستاذ جليل هو الدكتور محمد عناني. تقدم مؤسسة سطور نموذجا للعمل الثقافي الخاص البعيد عن التوجهات الحكومية, أصدرت مجلة شهرية ثقافية على مستوى محترم من حيث الشكل والمضمون, والمجلة تصدر بانتظام, وهذا شرط يجب أن يتحقق لأي إصدار, وقد عجزت الهيئة المصرية العامة للكتاب بكل إمكانياتها عن تحقيقه لمجلاتها مثل إبداع وفصول وعالم الكتاب التي لم تصدر منذ اكثر من عام! .. بعد انتظام مجلة سطور بدأت في إصدار سلسلة كتب ذات شكل جديد واختيارات جديدة, كان من الموفق اختيار (محمد) للكاتبة البريطانية كارين ارمسترونج وترجمة الدكتور محمد عناني والدكتورة فاطمة نصر. وكتاب صدام الحضارات لصمويل هنتنجتون ترجمة طلعت الشايب, وأحدث مؤلف علمي عن الهندسة الوراثية ترجمة الدكتور أحمد مستجير, وأخيرا هذا الكتاب الضخم عن القدس تأليف كارين أرمسترونج والذي يقع في سبعمائة صفحة. نلاحظ أن اختيارات الدار لا تضع الرواج السريع هدفا أمامها أو الإثارة, بل الهدف الثقافي, ومن يعرف ظروف توزيع المطبوعات الأدبية الآن والثقافية يدرك حجم المغامرة التي أقدمت عليها الدكتورة فاطمة, ولكن الملاحظ أن القارىء الذي يقدر مثل هذه المطبوعات الجادة موجود أيضا, لقد طبع كتاب (محمد) مرتين في غضون شهرين. أن مؤازرة مثل هذه المشاريع الثقافية الخاصة مطلوب, والغريب أن تجري خصخصة المؤسسات الاقتصادية والتجارية, وتشجيع دور القطاع الخاص في الصناعة والتجارة, ولا يجري دعم ذلك في الثقافة, على الرغم أن المتأمل لأحوال هذا القرن سوف يجد أن مجد الثقافة المصرية تحقق خلال النصف الأول من القرن العشرين بفضل الجهود المخلصة الخاصة, مثل لجنة التأليف والترجمة والنشر, ودار المعارف والمجلات الثقافية التي قامت على جهد خاص مثل الرسالة والثقافة والسياسة الأسبوعية والكاتب المصري والهلال والمقتطف والمجلة الجديدة وغيرها. ولم تكن في النصف الأول وزارة ثقافة ولا موظفون, إنما كانت جهود خاصة لخدمة الثقافة وليس اعتبارها مصدرا للتربح أو الاستثمار, وقد عاشت الثقافة المصرية في النصف الثاني من القرن على الدعائم القومية التي أرستها الجهود الخاصة في النصف الأول. من هنا يجيء الترحيب بالجهود والمبادرات التي يبذلها القادرون من أجل الثقافة, لعل الأمور تستقيم.