عرفت عبدالله البردوني حين عرفت اليمن.. البلد والحياة والناس. وكانت تجربتي مع اليمن هي تجربة عمري لانها كانت اولى تجارب انفتاحي على الوطن العربي وكان ذلك في منتصف عقد الستينات(انظر وتأمل كيف انصرمت السنوات واصبحت الذكريات تقاس بعقود كاملة من عمر الزمان).ولقد ذهبت الى اليمن وكان ذلك ايام صبوة الشباب وفتوة الوعي القومي العروبي الصاعد .. ايام عبدالناصر, وايام اذاعة صوت العرب التي روعت عالمها يوم ان انطلقت بشعارها العتيد الذي يقول عند بدء الارسال (القاهرة تخاطب امة العرب) وبعدها ينطلق صوت كارم محمود في مستهل لحن اظنه من وضع الموسيقار زكريا احمد شاديا: (أمجاد يا عرب أمجاد) . ذهبت إلى اليمن وأنا أحمل في وجداني مزيجا من تصورات وقرارات وأوهام وأساطير ومعلومات, ولكن كان يسبق هذا كله احساس بأداء رسالة, وكم كان احساسا طيبا ونبيلا بغير تزيد أو تجاوز, وكان يستمد نبله الرسالي ـ ان جاز التعبير ـ من ان الابتعاث إلى ذلك القطر العربي الذي كان شبه منسي في جنوب الجزيرة, لم يكن فيه ما يجذب الشباب من مفاتن النظر ولا لذائذ الحس ولا بهجة الفرجة, بقدر ما كانت الحياة فيه محفوفة بأخطار غامضة وبحرمان مما تعود عليه المرء من يسر نسبي في المعيشة, ولك ان تضع ألف خط من التحوط أو التحفظ على كلمة نسبي هذه, فلم تكن معيشتنا في قاهرة العم عبدالناصر تتميز برخاء في قليل أو كثير, بل كنا نشد معه حزام التقشف ونحاول ان نتكيف مع القليل المتاح, إذ كان المناخ السائد وقتها هو ان نتقشف كي نبني مصانع, ونتقشف كي نساعد الجزائر أو نقف مع الأحرار في أفريقيا أو لنشيد سدا عاليا على نيل أسوان أو نتيح للناشئة المتعطشين مساحة للتنفس والتعلم في ظل مجانية التعليم. ذهبت إلى اليمن, وفي وجداني الغلطة العلمية الطريفة التي وقع فيها واحد من كبار الأكاديميين في جامعة القاهرة حين كتب في واحد من مؤلفاته عن قطار السكة الحديد الذي يشق أراضي اليمن حاملا البضائع والمسافرين وكانت تلك غفلة علمية من الاستاذ الجامعي الذي قرأ عن كتاب انجليزي ان اليمن حافل بشعاب ودروب تسلكها مسيرات القوافل (ترينز) فلم يسعفه الحظ سوى بترجمة الكلمة إلى قطار أو قطارات ثم أراد تزيين الموضوع فاسهب في حكاية السكة الحديد, وذهبت إلى اليمن بعد ان قرأت كتابا طريفا وضعته في الخمسينات الدكتورة (كلودي فايان) وهي طبيبة فرنسية اتيح لها ان تعيش في صنعاء وضواحيها, وان تقترب من حاشية الامام أحمد وكان ان أصدرت كتابها حول الحياة الاجتماعية وحول المعيشة في الدور والقصور وقد قرأت كتابها في ترجمة رائقة عذبة بعنوان (كنت طبيبة في اليمن) أصدرها الصديق العزيز الاستاذ محسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق وكان وقتها قد فرغ من دراسة الحقوق في القاهرة, وبدأ يشق طريقه ضمن طليعة مثقفي اليمن ومسؤوليه بعد ثورة سبتمبر 1962 وعندما أمضيت عاما أو بعض عام بين صنعاء والحديدة وتعز خبيرا لدى اذاعة (الجمهورية) اليمنية حرصت على ان اطبق ما قرأته عن الطبيبة الفرنسية من انها زارت منطقة (مناخة) وفيها تتجمع طائفة الشيعة الاسماعيلية وهي على طريق صنعاء ـ الحديدة وسط جبال شاهقة الارتفاع, وشربت حضرتها الشاي فوق السحاب.. باعتبار ان الجالس فوق الجبل يرى السحب متكاثفة تحت مجلسه, وهكذا شاءت رعونتنا ايامها ان نطلب من (صالح الغفاري) سائقنا الهمام التوقف قرب (مناخة) وسط هزيع الليل الاخير, والتمسنا من يستضيفنا على قدح من الشاي.. وحين وصلنا الى صنعاء عائدين من الحديدة في صباح اليوم التالي, فوجئنا بترحاب استثنائي من زملائنا في الاذاعة.. وعندما استفسرنا عن هذه الاستثنائية علمنا ان طريقنا بين صنعاء ـ الحديدة كان مسرحا لمعارك عسكرية نجمت عنها خسائر في الارواح. وذهبت الى اليمن ولم اكن قد سمعت الا لماما عن الشاعر عبدالله البردوني.. ربما تردد اسمه يوما على ألسنة بعض الكبار الاعلام من الاحرار الذين كانوا يترددون على اذاعة صوت العرب مع فاتح الستينات.. القاضي محمود الزبيري او الاستاذ احمد النعمان او بعض قيادات الصف الثاني.. وكنا نشعر بزيارتهم حين يستقبلهم زميلنا الراحل الكبير سعد غزال ويطلب الينا التخلي عن كراسينا الضنينة لصالح الضيوف, كان صوت العرب ايامها يحتل مبنى الاذاعة بالشريفين (قرب باب اللوق وسط القاهرة) ثلاث غرف ذات قواطيع فاصلة فضلا عن غرفة بكاملها ـ شوف الابهة ـ يحتلها في الصباح الاستاذ احمد سعيد وقد يشغلها في المساء نائبه الاستاذ كمال اسماعيل وكان مثقفا كاتبا فنانا متضلعا في الفرنسية وكان منتدبا بعض الوقت من عمله الاساسي مستشارا في جامعة الدول العربية. في ايامي الاولى باليمن سألت عمن يدلني على عبدالله البردوني.. ولم تمض سوى ايام ودخل مكتبي في اذاعة صنعاء الشاعر الكبير يقود خطاه زميلنا في الاذاعة اسماعيل الكبسي وكان من اصدقائه ومريديه, كانت ليلة صنعانية قارسة البرودة وبقدر ما كان اللقاء الاول طيبا ودودا وحميما استمد دفئه من كاسات ـ استكانات الشاي الثقيل وايضا من اكتشافي الشخصي لما يتمتع به البردوني من سعة الاطلاع وحاسة النقد تهكما عميقا واعياً وليس مجرد سخرية خفيفة عابرة.. ناهيك عن دفء تواصلنا ونحن نستعرض ما حوته الذاكرة, وكانت عفية في تلك الايام الغضة من محفوظ الشعر في كل عصوره, واحيانا محفوظ النثر ما بين رسالة التربيع والتدوير للجاحظ الى بعض سجعات القاضي الفاضل الى مقاطع بكاملها (ايام) طه حسين او من غرابيل ميخائيل نعيمة.. وكنت ازيد عليها مقاطع من بين القصرين.. رائعة نجيب محفوظ. يومها اعددنا سيارة الاذاعة لاند روفر وكانت اكتشافا جديدا في ذلك الزمن كي تحمل الاستاذ البردوني الى بيته في (سوق الملح) في صنعاء الاصيلة القديمة.. وآثر العبد الفقير الا ان يودع الشاعر الذي اصبح صديقا دخل القلب مباشرة (والتعبير لصديقنا الروائي محمد مستجاب) وكان الوداع لا عند باب المكتب او حتى بوابة الاذاعة الداخلية.. بل كان عند مربض السيارة في ميدان (العلفي) (ويحمل اسم واحد من احرار اليمن الذين شقوا طريقهم الى رحاب الشهادة). كان البردوني متدثرا بكوفية وجاكيت ثقيل.. وكان الفقير ـ ياللرعونة ـ يرتدي قميصا خفيفا له صدر شبه مفتوح.. وتم الوداع الحميم وذهب الشاعر الى بيته.. وذهب الفقير كاتب السطور الى الفراش وقد اصابه نوع غريب من نزلات البرد انقلب الى حمى ركزت على الحنجرة فكان ان ضاع الصوت تماما.. وهو كما رأيت آلة الحرفة ووسيلة اكل العيش لعباد الله المذيعين وخاصة في عصر المذياع ـ الراديو العتيد وصدر الامر من طبيب المستشفى العسكري بالامتناع عن الكلام والاكتفاء بالاشارة او الكتابة واستخدام دواء اذكر انه كان اقرب الى وصفات العطارين منه الى عقاقير الاطباء المحدثة, واذكر ان اسمه كان (صبغة الجاوي) ويستخدمه المريض بطريقة استنشاق البخار المتصاعد منه بعد الغليان.. وكم كان الدواء كلاسيكيا اقرب الى روح اليمن بقدر ما كان ناجعا وفعالا.. اعاد لنا الصوت المفقود ولكن بعد اسابيع كم كان طولها من الاشارات والايماءات والكتابات.. كانت فترة ثقيلة حقا لم يكن يبدو من سآمتها سوى صوت عبدالله البردوني يتناهى الينا كل مساء على الهاتف في (بيت الاذاعيين) يبدأ بالسؤال عن صحة الاحبال الصوتية ثم يطلب ان يسلموني السماعة وينطلق هو في ترديد احدث ما جادت به قريحته من رائع القريض.. واحيانا كان يطوف بنا عبر الهاتف ايضا في جولة تحمل آخر اخبار السياسة والفكر والثقافة والفن ما بين صنعاء وبيروت وما بين القاهرة وبغداد. هكذا نعمنا بعلاج للجسم وسلوة للنفس ومتعة للروح واثراء للوجدان طيلة اسابيع المرض.. وبعد ان عادت العافية بدأ التنفيذ لبرنامج مقدور وموعود. وهو تلك الزيارة التي اتطلع اليها من اسبوع الى اسبوع.. وهي زيارة الجمعة التي لم تكد تنقطع طيلة ايامي التي طالت في ربوع اليمن العزيز, الفريضة نؤديها في رحاب الجامع الجليل ـ الكبير في سوق الملح ومن بعدها ننطلق الى زيارة البردوني في بيته ندلف في لهفة مشوقة الى حيث مجلسه المفروش بحشايا متواضعة تتناثر فوق اركانها كتب كثيرة هنا وهناك.. وفي تلك الفترة بالذات ازدادت معرفتي بالشاعر الكبير الذي مازلت اعتبره هو والشاعر مهدي الجواهري اكبر علمين على عظمة الشعر الكلاسيكي اجادة ومجدا وروعة وتألقا في عصر العربية الحديث.. ولا يزال الحديث موصولا.