عندما دخلت إلى دنيا الصحافة في نهاية الخمسينات كانت كلمة(الفبركة)كلمة شهيرة جدا, وكان يقصد بها اختلاق موضوعات لا أساس لها من الصحة, أو على الأكثر لها أساس واه.. وطبعا واضح من أين أتت الكلمة. وكانت ذات تاريخ طويل فعندما تعرفنا على الحضارات الأوروبية في القرن الماضي انتشرت كلمة(الفابريقة)و(الفابريقات)بما يعني الآن المصانع . وتاهت الكلمة مع الزمن, وقل استعمالها ربما لأن (الفبركة) أصبحت صعبة الآن.. وكل كلمة كائن حي تنمو وتضمحل لأسباب اجتماعية وحضارية. وفي الأسبوع الماضي قفزت الكلمة إلى حياتي بعد غياب طويل. فلقد كان هناك صحفي شاب تعرفت عليه منذ أن بدأ يخطو خطواته الأولى , وكنت أوثره على غيره لما أرى فيه من همة وحماس, وكنت أحس أنه يحبني حقا, ولا تستطيع إلا أن تبادل من يحبك الحب. وجلسنا في هذا الأسبوع الماضي وقال لي أنه يقدم لي هدية بعد هذه السنين الطويلة من التعارف. والهدية هي ملف لكل الأحاديث التي أجراها معي. وقبلت الهدية في خجل. لكنني بعد انصرافه أحسست أن الملف أضخم مما يجب. من المستحيل أن أكون قد أجريت كل هذه اللقاءات, فلست من هؤلاء الذين يتحدثون في كل يوم. ولما فتحت الملف فوجئت بأن أقله أذكره وأكثره أذكره جيدا وأنني لم أقل فيه حرفا. وانتابني غضب شديد في البداية, ثم هدأ الغضب في اليوم التالي, وهكذا أنا في غالب الأحوال . ولما هدأ غضبي لاحظت أن الصحفي الشاب كان ماهرا جدا في استنطاقي ما لم أقله. ولم أجد فيه ما يسيء إلي . وأن كانت هذه الملاحظة لم تخفف من احتجاجي على ما حدث. فإذا كان رجلاً مثلي صناعته الكلمات فلابد من أن نحافظ على كلماته كما هي لا نعدمها, ولا نغير فيها, لأن هذه صنعته, فإذا أحسن ما صنع كان له شكرنا, وإذا أساء فعليه اعتراضنا. وأذكر أنني كنت أنتظر إجراء لقاء مع الصديق رياض أغا وكان يجري حديثا مع ممثل كبير, وسأله رياض عن كبرياء الفنان, فقاطعه بحماس ان أسوأ ما يصيب الفنان هو الكبرياء, وان هذا معناه نهايته الأكيدة , ورأيت رياض ينظر إليه بذهول شديد, وأدركت الخلط الذي أصاب الممثل الكبير إذ تشابه لديه الكبرياء بالكبر أو الغرور واضطررت بعد تردد قصير أن أتدخل لأوقف التصوير, وأشرح للفنان الخطأ الذي وقع فيه. فأعتذر بشدة وشرح ما أراده. وعندما أردت الابتعاد لبعض أموري رفض الممثل الكبير أن يسجل إلا إذا كنت موجودا! بالطبع هذا لا يمكن أن يحدث مع كاتب فهو من المفروض أن يزن كلماته وأحيانا عندما نسجل شيئا ما يتدخل المذيع أو المذيعة ويعطي مرادفا آخر للكلمة. فإذا كانت لا تسيء كثيرا إلى المعنى تغاضينا عنها, أما إذا كانت تغير معنى ما نقول, ففي هذه الحالة لابد من وقفة..! ولكن ملف الصحفي الشاب أعادني إلى الفترة التي اشتغلت فيها بالصحافة في نهاية الخمسينات وبداية الستينات , وكانت كلمة (الفبركة) كما ذكرت من الكلمات السائدة, ولقد عرفت عددا من صانعي (الفبركة) . كان أولهم (ح.ل) وكان صحفيا موهوبا رغم أنه لم يدرس الصحافة, ولم يدخل الجامعة ولا يعرف لغة أجنبية, ولقد قابلته لأول مرة في إحدى المجلات الصغيرة, وكان قد طرد من جريدة يومية كبرى منذ وقت قصير. وكان قد أجرى حديثا طويلا مشوقا مع السفير السوفييتي الذي لم يجر أي حديث في حياته. ونشرته الجريدة على صفحتين كاملتين. وأرسل له رئيس التحرير ليهنئه على الحديث الذي تناقلته وكالات الأنباء . ثم سأله كيف قابل السفير. وقال لي (ح. ل) فيما بعد أنه لم يكن يعرف من أسماء موظفي السفارة غير الدكتور نيقولاي وكان مقيما على مقاهي القاهرة, لكن (ح.ل) لسوء الحظ لم يره. وأيضا بريماكوف الذي كان رئيسا لوزراء روسيا منذ وقت قريب. وقال دون تنكير ان الدكتو ر نيقولاي سهل له مهمته. وأبتسم رئيس التحرير وأشار إلى أحد الجالسين في مكتبه وقال له: يسعدني أن أعرفك بالدكتور نيقولاي! وعندما سألت (ح.ل) عما فعل في هذا الموقف المحرج. قال لي ببساطة: لقد أغمي علي ! .. ولما سألته أكان ذلك مقصودا أم أغمي عليه فعلا , تهرب من الإجابة . والثاني كان (س . س) كان متخصصا في إجراء آخر لقاء مع فلان, بمجرد وفاة كاتب كبير أو فنان شهير يأتي (س . س) بلقاء مكتوب مع الراحل العظيم, وكنا نتساءل لماذا لم يجر صاحبنا لقاء مع فلان هذا إلا قبيل موته, ووجهت إليه اتهامات بأنه (يفبرك) هذه اللقاءات, لكنه كان قوي الأعصاب واستمر في ذلك طويلا, فكان آخر من أجرى لقاءات مع طه حسين والعقاد ومنيرة المهدية وغيرهم. الثالث (ع . ص) كان زميلي في الجامعة, وعملنا كثيرا معا, وأتاني ذات مرة بلقاء مع أوناسيس وماريا كالاس! أي والله كان اللقاء معهما معا! ولم يكن هناك صحفي يوناني أو عالمي قادر على الوصول إلى أوناسيس. ولم تكن ماريا كالاس نجمة الأوبرا الكبيرة أقل بكثير في منعتها. وكانت في تلك الأيام غارقة في حب أوناسيس .. و(الفبركة) هنا واضحة وضوح الشمس في كبد السماء ولكن (ع . ص) أخرج لي صور اللقاء . في البداية صور اليخت الذي كان يجول به أوناسيس في البحار , ثم (ع . ص) مع أوناسيس وماريا كالاس في عشرات الصور. وكان التصوير آنئذ هو الدليل الأكبر على صحة اللقاء. فلقد كانت آلات التسجيل الصوتي أكبر من أن تكون بين أدوات الصحفي. ونظرت إلى (ع . ص) مذهولا. وقلت له انها ضربة العمر. وان مجلتنا الصغيرة لا تحتملها. لذلك فأنا أنصحه أن يحمل هذا الموضوع إلى جريدة كبرى. أو إلى إحدى الوكالات العالمية ونصحته إلا يساوم في الأجر بنفسه بل عليه أن يستأجر محاميا لذلك . ولكن صاحبنا صمم على بيع الموضوع للمجلة الصغيرة. وكانت ضربة صحفية مثيرة. وبعدها بقليل كنا بالصدفة (ع . ص) وأنا في مدينة بور سعيد, حيث قال انه بدأ موضوعه, وأخذت أتخيل ما فعل, لأكتشف أنه مستحيل, فهو لا يستطيع الصعود إلى ظهر اليخت إلا إذا توقف, ووافق أصحابه على أن يصعد لهم؟ أيضا لابد لصاحبنا من جواز سفر وموافقة جهات الأمن .. الخ. ثم كيف تم التصوير؟ لا يمكن لأن يكون (ع . ص) هو المصور, وإلا كيف صور نفسه؟! ولا يمكن أن يكون أوناسيس الذي كان لا يطيق الصحفيين هو الذي أستأجر مصورا؟! وواجهت صاحبنا بما فكرت فيه , فأنكر إنكارا شديدا, ثم افترقنا وهو يعرف أنني لا أصدقه. وبعد فترة طويلة حكى لي مصور كان معروفا آنئذ انه صاحب الفكرة, وانه الذي زور الصور. ولما استعدت الذكريات حمدت الله على أن الصحفي الشاب لم (يفبرك) إلا أشياء مثل ما رأيت في المسرح أو أزمة السينما وما هو عملك المقبل؟ حتى لو زور فيها كما يقولون في قريتنا (أحمد مثل أزدحمد) !!