اجمل مايشير اليه صاحب هذه الحلقة من حديث الذكريات هو تأكيده على ان جيل الآباء استطاع بخبرته وحكمته ان يستوعب معاني النهضة التي شهدتها البلاد في عهدها الذهبي, والدليل على ذلك هو مواكبة مسيرة التقدم ومعرفة متطلباتها والمشاركة في تحقيقها من خلال اجيال الحاضر من ابناء واحفاد . فالجيل القديم كما يقول ضيفنا الوالد خليفة عبيد الشامسي كان بالفعل سندا للنهضة وعاملا من عوامل استمرارها ولم تكن ظروفه الصعبة في الماضي سببا في اعاقة اي تقدم بل ان العكس هو الصحيح لان هذه الظروف التي عانى منها الاجداد والآباء كانت دافعا لهم لتجنيب الآباء اية صعوبات في كافة مجالات الحياة. نظرة الى الواقع يدعو الوالد خليفة الشامسي ابناء الحاضر الى النظر لواقعهم الحالي بعيون آبائهم واجدادهم لان هذا يفيدهم وينفعهم في حياتهم ويفتح امامهم الدروب والسبل للوصول بوطنهم الى اغلى الغايات , ويوضح دعوته بالقول: ان جيلنا من كبار السن له نظرة عميقة للواقع الذي نعيشه الآن فهم يشعرون بان كل جديد في حياتنا ماهو الا ثمرة جهد وعزم وتخطيط ومتابعة واعداد وتنفيذ قام به قادتنا الاوفياء بلا كلل او تردد من اجل الوصول بهذا البلد الى الرقي الذي نشهده الآن, ولو ان شبابنا وكل اجيال الحاضر عرفوا معنى ان يكون الانسان مريضا ثم لايجد العلاج الشافي, او يبقى جاهلا لعدم وجود المدرسة التي يتعلم فيها, او يسعى للاغتراب لعدم توافر العمل في وطنه, كل هذه الامور لو ادركها الشباب ونظروا اليها نظرة تأمل واهتمام فان هذا سوف يجعلهم اكثر حرصا على العمل بجد واخلاص من اجل استمرار تطور البلاد لتصل الى ابنائهم واحفادهم وهي افضل حالا واجمل صورة. هكذا كنا في الماضي ويتذكر الحاج خليفة حياته وحياة جيله في الماضي فيقول: كنا دائما ملتزمين في حياتنا جادين في سلوكياتنا وتصرفاتنا, نحترم الوقت دون ان نملك ساعات رقمية او هواتف توقظ النائمين برنينها حسب الطلب, وكانت لدينا ايضا تلك الصلابة التي نفتقدها في اجيال الحاضر, ولم تكن حياتنا تعرف الملل ولا الكسل ولا العبث وربما لهذه الاسباب استطعنا ان نتحدى الظروف وان نشارك في النهضة بحسن تربية ابنائنا الذين يشغلون الآن مواقع هامة في المجتمع بعد ان تعلموا وتدربوا واكتسبوا الخبرات العملية. ويقول ضيفنا: زمان كانت معيشتنا تقوم على ما توفره لنا البيئة, فالسمك من البحر والتمر من النخل وهما معا الغذاءان الرئيسيان لكل الاسر, اما الآن فالاصناف عديدة, والاكلات متنوعة , لكنني بصراحة اعتبرها اكلات باردة جعلت اجيالنا تميل الى حياة الرفاهية التي تتحول احيانا الى كسل وتقاعس. ويضرب مثلا لجيله فيقول : في الماضي لم نكن نعرف تلك الامراض متعددة الاسماء كالضغط والسكري وكانت الحياة طبيعية والطعام طازجا وكانت لدينا في الوقت نفسه القدرة على السير من مربح حيث نقيم الى الفجيرة وهي مسافات تصل الى 14 كيلومترا كنا نقطعها في ساعتين تقريبا, اذ كنا في بعض الاحيان نصلى المغرب في الفجيرة ونعود الى مربح قبل صلاة العشاء, وربما كررنا ذلك ثانية في اليوم الثاني او الذي يليه دون شكوى او ضيق. ويضيف باسما: اتذكر ايام زمان وكيف كنا نأتي باليحلة ونملؤها بماء اخرجناه من البئر ونضعها في جونيه ونعلقها في مكان عال ليبرد فيها الماء الذي كنا نقدمه لزوارنا خاصة, وكانت مياه الآبار ايامها عذبة لان الغيث كان مستمرا ولم نكن نعرف وقتها (المكائن) التي نرفع بها الآن المياه من الآبار وفي بعض الاحيان نجد ان مياه البحر قد اختلطت بها واكسبتها بعض الملوحة وجعلتها غير صالحة للشرب, والحمد لله اننا لم نعد نعتمد على مياه الآبار في الشرب بعد ان دخلت الى بيوتنا المياه النقية لتجعلنا نعيش حياة افضل وأيسر. البحر هو البداية ويتحول الحاج خلفية الى مسيرة حياته فيقول: خليفة اهلي اهل بحر وغوص وكان ابي ـ رحمه الله ـ صاحب محامل عملت في اكثر من مكان بالدولة, منها حمرية الشارقة التي تحول منها الى حمرية دبي, اما بالنسبة لي فلم يكن امامي إلا البحر فبدأت به رحلتي مع الحياة العملية وكنت وقتها في الثانية عشرة من عمري, عندما خرجت للصيد بالضغوة التي نقدمها لصيد (العومة) حيث يأتي تجار من ايران وعمان لشراء المحصول ـ ولم اتوقف عند الصيد ـ والكلام للحاج خليفة ـ بل سعيت الى العمل في النخل الذي اعتبرته بدايتي الحقيقية لان الوالد لم يترك لنا مزرعة لكنني استطعت ان اقيم هذه المزرعة وان ارعاها واستمر في رعايتها الى ايامنا الحالية. ويواصل حديثه عن الزراعة فيقول : كنا زمان نقيم في (الكارين) المبني من دعون النخل طوال فصل الشتاء وعندما يحل وقت القيظ نأخذ الدعون لنقيم بها بيت العريش في اماكن اخرى واحيانا كنا نحمل دعون حوش الكارين لنقيم بها مأوانا في اوقات القيظ, فلم نكن نعرف وقتها بيوت الطابوق والاسمنت. وعن المحاصيل التي زرعها في الماضي يقول: كنا نزرع البر (القمح) والذرة وبعض الخضروات ومن فضل الله علينا اننا كنا نحقق اكتفاء ذاتيا في محصول القمح وكنا في بعض الاحيان نبيع الفائض عنا حيث كانت قيمة مكيال القمح تصل الى روبية واحدة (المكيال 3 كيلوجرامات تقريبا) . ويواصل قائلا: ولم نكن نكتفي بذلك العمل لاننا كنا في اوقات الراحة نقوم بأعمال الرعي فنصعد الى الجبال المحيطة بنا لجمع العشب لتتغذى عليه الاغنام التي نملكها والتي كنا نأخذ منها الصوف والحليب الذي نحوله الى منتجات غذائية كالجبن والسمن اللذين نحتاجهما في منازلنا ومطابخنا. ويعود ضيفنا للحديث عن الصيد في البحر فيقول: كانت ايامنا ايام شجاعة وصلابة وتعاون, فقد كنا نخرج في خمسة محامل وعلى كل محمل 20 رجلا ونقطع المسافة من مربح على ظهور هذه المحامل المسماة (البقارة) لنصل الى كلباء واحيانا كنا نضطر للمبيت. فنترك المحامل وننزل للنوم على السيف ونحن نشعر بالامن والطمأنينة فلم يكن هناك ما يعكر صفو حياتنا, وكنا عندما يأتي وقت الطعام نقوم بشي السمك الذي نأكله والى جواره حبات التمر ونبقى هكذا يومين او ثلاثة ايام حتى يرتفع السيل في البحر فنرجع الى محاملنا وبها نصل الى قريتنا الصغيرة آنذاك (مربح) والتي كان يصل عدد سكانها الى 200 فرد اما الآن فان السكان قد بلغ عددهم عدة آلاف واقتربت القرية الصغيرة من شكل المدينة في مرافقها وبيوتها والخدمات المتوفرة فيها من مدارس وعيادات صحية ونقطة شرطة وايضا فرع لبلدية الفجيرة. من أربعة فصول الى اربع مدارس وعلى ذكر المدارس يقول الحاج خليفة: على ايام ابني الاكبر لم تكن هناك مدارس الا في خورفكان فألحقناه بها حتى افتتحت مدرسة في منطقتنا قبل بداية عهد الاتحاد وكانت تضم اربعة فصول في موقعها في الجنوب في بيت (الرنجي) القديم, واذكر ان اول من عمل بهذه المدرسة من ابناء المنطقة: سيف بن هلال ودرويش مراد اما الثالث وهو مسعود بن خلفان فكان حارسا للمدرسة وله وظيفة اخرى هي العمل على (اليازرة) لاخراج الماء من البئر المحفورة في حوش المدرسة ليملأ خزان المياه الذي يشرب من مياهه طلاب المدرسة في ذلك الوقت, ويضيف: وقد عملت بهذه المدرسة بسيارتي التي اشتريتها بعد عودتي من السعودية حيث كنت انقل الاولاد من ابناء مربح والقرية قبل ان تأتي الحافلات ليتوقف نشاطي في هذا العمل, بينما انتشرت المدارس في منطقتي واصبحت اربع مدارس الى جانب روضة مبانيها عصرية ويدرس فيها الاف الابناء والبنات. * وماذا عن رحلتك خارج الوطن؟ ـ يجيب الحاج خليفة: لقد امضيت 12 عاما في السعودية التي سافرت اليها وعمري 18 سنة بحثا عن فرصة للعمل والرزق كما كان يفعل اقراني في ذلك الزمان, وقد عدت نهائيا قبل قيام دولة الاتحاد بحوالي 3 سنوات بعد ان استطعت تدبير ثمن سيارة نصف نقل هي التي استخدمتها في نقل التلاميذ بالمدرسة. الاحلى في الماضي والحاضر * وماذا عن احلى ما في الزمان الماضي؟ ـ يقول ضيفنا: زمان عركنا العمل الجماعي, فالكل يساعد في اعمال الفرد, والفرد نفسه يشارك بدوره في اعمال الآخرين, واذكر ان موسم الزراعة خاصة كان هو الموسم الذي يظهر روح اهل البلاد, فالكل رجل واحد في اعمال المزارع بدءا من بذر الحبوب وحتى الحصاد والدراس في محصول القمح الذي كنا ننتج منه في مزرعتنا مالا يقل عن 15 كيسا ونقوم بتخزين ما نحتاجه ونبيع الفائض لمن يحتاج من اهل المناطق الاخرى او التجار. * وما احلى ما في زمنك الحالي ياحاج خليفة؟ ـ يبتسم ابتسامة رضا ويقول: احمد الله سبحانه وتعالى على توفيقه لي في تربية ابنائي وتعليمهم, واشكر المولى عز وجل على ماحبا به ابنائي من توفيق في الدراسة ونجاح في العمل, واعتز كثيرا بان لي ستة من الابناء اربعة منهم في مجالات عدة بالشرطة والخامس طيار حربي اما السادس وهو الابن الاكبر فهو عضو سابق بالمجلس الوطني وحاليا يشغل منصبا هاما في رعاية تراث واثار بلاده التي تعتبر مدرسة للاجيال تعرف منها كيف كنا والى اين وصلنا, وماذا يجب علينا لكي تستمر مسيرة الحياة بنا؟ اما اغلى نصيحة لدى الحاج خليفة فانها تقول: ان الناجح في حياته هو من يجد الاهتمام من الاهل والرعاية من الوطن ومن حسن حظ اجيالنا الحالية انها تحظى بالاثنين معا الاهتمام والرعاية لذا فان الانتماء للوطن والحب للاهل يفرض على كل شاب ان يحقق لنفسه النجاح لانه في النهاية نجاح للجميع ونفع للمجتمع وهذا ما ادعو اليه كل الشباب في بلدنا. ويختتم ضيفنا حديثه قائلا: وليت شبابنا يدرك ان ما نتحدث عنه الآن نحن كبار السن ليس مجرد اجترار للماضي بل ابراز لجوانبه المضيئة بما فيها من دروس وعبر وتجارب وخبرات تقول لهم: ان لكل عصر ادواته لكن الناجح حقا هو من يجيد استخدامها, بحسن استغلالها لصالح نفسه وذريته. حوار: محمود علام