في محاضرة للدكتور حسين عمر حمادة ألقاها في المركز الحضاري بدمشق مؤخرا نستطيع ان نقف فيها على جانبين مهمين من خلال العنوان(بنية المحاضرة وأسلوبها المنهجي)الذي حمل تعريفا أوليا بـ(المرايا المتقابلة لصورة الايراني في الأدبيات العربية, وصورة العربي في الأدبيات الايرانية),وكان بمثابة بحث في الأدبيات المقارنة ولكن من خلال مفاهيم تاريخية . رأى المحاضران ان محاولة تتبع صورة الايراني في الادبيات العربية وصورة العربي في الأدبيات الايرانية تقتضي البحث عن أسلوب منهجي علمي يقرب الباحث من المنظومة القيمية الشفوية والتعبيرية والكتابية والتأويلية المستندة الى المعلومات الموثقة والمواقف والمفاهيم والاتجاهات والمدارك المتبادلة, ليس على المستوى العاطفي الانفعالي النفسي في مدة زمنية محددة كما في مجالات النزاع والعداء والحرب وسيطرة المشاعر المرتبطة بنزيف الدم وحالات الموت والكراهية فحسب, وانما أيضا على المستوى الموضوعي الذي يتصل بعمق المتغيرات الدينية العبقرية والجغرافيا السياسية التي تربط ايران بالدول العربية والمشتركات العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية, التي تجمع الايرانيين والعرب. وقال ان حجم ومجال الاهتمام الذي توليه الادبيات المدرسية لقضية أو ظاهرة معينة والسياق الذي توضع فيه القضية المدروسة أو الظاهرة المتتبعة هو احدى القضايا البحثية, كذلك الاطار الفكري الذي تدرس فيه القضية أو الظاهرة وطبيعة التوجه الذي تنقله الأدبيات المدرسية ودراسة العناصر التي تدعو إلى الاستمرار من خلال الثبات والتغيير في حجم الاهتمام والسياق والتوجه في مجال الأدبيات الدراسية. ثم انتقل الباحث لدراسة الأرضية التاريخية عن نشوء الصورة المتقابلة بتعريف تاريخي لهذه الصورة وخاصة عن الفرس الذين يعتبرون ان بلادهم كانت تاريخيا ذات مدنية عظيمة وحضارة مزدهرة وان فضائلها ضاعت اثر اندحار الجيوش الساسانية وانتصار الجيش الاسلامي بقيادته العربية,ويرون انها سببت انحطاط بلاد فارس القديمة وتخلفها إلى العصر الحاضر, ويسعى البعض للتعريف بالتشيع على انه هجمة فارسية ردا على الهجمة العربية على بلاد فارس. وضمن الاستعراض التاريخي استعرض الباحث تاريخ الفرس ووجهات النظر العربية سياسيا فيهم وخاصة في العصر الأموي, حيث أمر الحجاج بأن ينقش على يد كل واحد منهم اسم قريته, حتى يلزمها ليتكلم بعد ذلك ومن خلال طرحه بعد الصور عن واقع الفرس والموالي في الدولة الأموية ثم العباسية التي ازدادت فيها الشعوبية ما دعا المتنبي إلى القول بغربة الوجد واليد واللسان عن الفتى العربي. وانما الناس بالملوك وما تفلح عرب ملوكها عجم لا ادب عندهم ولا حسب ولا عهود لهم ولا ذمم وبالمقابل نجد قائلا من الفرس يقول: بها ليل غر من ذؤابة فارس اذا انتسبوا الامن عرينة أو عكل همو راضة الدنيا وسادة اهلها اذا افتخروا, لا راضة الشاة والابل ولكن العرب لم تقف على هذا القول بل ردت على اصحابه بقول احدهم: لا تغتر انك من فارس في معدن الملك وديوانه لو حدثت كسرى بذا نفسه صفعته في جوف ايوانه ويرى د. حمادة ان اصوات الشعوبية ارتفع بشكل كبير في العصر العباسي حيث سادت على الحياة الفكرية فقاموا بوضع الاخبار ورواية التواريخ وترجمة النصوص القديمة, وتأليف الابحاث المستجدة في الانتقاص من شأن العرب واللغة العربية والانساب العربية, بل عمدوا إلى نشر بعض المذاهب والفرق والنحل التي تتصل بنسب المانوية والزرادشتية والمزدكية والوثنية, ثم اتخذ الصراع بين العرب والشعوبيين الوانا مختلفة كان اهمها وقوف الشعوبية في وجه انتشار اللغة العربية, وللتهوين من شأن العرب والانتقاص منهم, نظم وترجم الشعوبيون شديدو العصبية كتبا في مناقب العجم وافتخارهم, ومع هذا اتسعت حاضنة الثقافة الاسلامية لامثال هذه الترجمات باعتبارها من ثقافات الامم التي دخلت الاسلام, ولكن نزعة الشعوبية التي كانت تقول بالتسوية بين الشعوب آلت إلى مضمون يدل على نقيضه. ثم سرد الباحث اخبارا مختلفة تدل على النظرة الحقيقية التي اتخذها الشعوبيون ضد العرب إلى أن يصل إلى الثورة الاسلامية في ايران التي حاولت كل جهدها ان تعطي الصيغة الدينية سمة مميزة كون الاسلام هو دين الابيض والاسود والاعجمي والعربي, اي الثورة الاسلامية الايرانية استطاعت بتوجهاتها الدينية ان تخفف من حدة الحركات الاستعلائية التي تمتعت بها بلاد فارس على مدى سنين طويلة وخاصة اننا اليوم نواجه عولمة غربية يستطيع الاسلام ان يقف بوجهها ويحقق كل ما يصبوا اليه اي مسلم. دمشق ـ يوسف البجيرمي