غريب هذا الزمن في كل شيء, منطق معكوس دائما, العجب أصبح سمة رئيسية في أي بند من بنود حياة هذا القرن.. اختلاط واضح في كل المفاهيم.. الخطأ أصبح صوابا, والصواب هو الآن عين الخطأ . ومن الأمور العجيبة لدى أناس هذا العصر تطور أساليب المدح والثناء بشكل عجيب غريب لدرجة انها انعكست وانقلبت رأساً على عقب, فالمدح أصبح ذما, بل تطور في أحيان كثيرة ليصبح شتما وسبا بمعنى الكلمة, لكنه في النهاية يعتبر بمقاييس الزمن العجيب مدحا لا يجد قائله أو حتى متلقيه أي حرج من سماعه. من أساليب المدح العجيبة وصف الموظف النشيط الشغول غير المهمل بأنه (حمار شغل) فهو لا يكل ولا يمل ولا يتعب من العمل فهو بالضبط كالحمار!! ومن الغريب استخدام وصف (الكلب) عند التدليل على أمانة شخص واخلاصه, والأكثر من ذلك دخول مصطلحات جديدة لغرض المدح هي أبعد ما تكون عنه وأقرب ما تكون للشتيمة والسب, ومن الطبيعي جدا ان تسمع على سبيل المثال: فلان (الله يلعنه) قوي الملاحظة.. أو (الله يغربل) فلان ما أذكاه..أو (يلعن شكله) كيف أتقن الحركة. ومن المفارقات المثيرة ان كلمة مثل (رهيب) أصبحت من أكثر الكلمات شهرة في المدح فهي تحمل دائما صيغة المبالغة لوصف الجمال, ولعل أغنية عبدالمجيد عبدالله خير دليل على ذلك, فالجميل أصبح في مفهوم العصر (رهيب والله رهيب).. كما ان كلمة أخرى مثل (فظيع) أصبحت أيضا علامة من علامات المدح.. والله يستر من الباقي!! بالفعل أسلوب محير قلب معه مفاهيم اللغة العربية, فهل يا ترى هذا ما ورثناه من أجدادنا أرباب لغة الضاد الملىئة بل والشهيرة بأدوات وكلمات المدح والثناء؟! هل يا ترى هذه الكلمات ذاتها هي التي امتدح بها فطاحل الشعراء العظام كالمتنبي وأمرؤ القيس وكعب بن زهير الملوك وحصلوا من جرائها على (خلع) من الذهب والفضة والأموال, وابقوا لنا تراثاً مليئا بالنفائس والدرر من أبيات الشعر!! كيف يتحول الذم إلى مدح في زمن (أغبر) مثل هذا الذي نعيشه؟! وكيف وصلنا إلى درجة نسمع فيها كلمات من نوع يا ابن الذين, ويا ابن ستين (....) ونصنفها بتلقائية بأنها كلمات يقصد بها المدح والثناء, ولا تستدعي الغضب!! ومن المؤسف ان التمادي في السب بقصد المديح يتزايد كلما قويت العلاقة بين الأشخاص, وترتفع درجات الكلمات بارتفاع درجة الصداقة, عندها.. اسمع ولا حرج.. (الله يغربلك), (الله يزتّتك), (الله يقلعك), (الله يخرب بيتك), (يا ابن اللي ما صلت الضحى).. وغيرها وغيرها كلها اليوم جمل عادية جداً تستخدم لكافة الأغراض اللغوية الجميلة.. ما عدا الشتيمة!! إذا كانت هذه هي أفضل أساليب المدح والثناء الموجودة في عصرنا الحالي.. ترى ما هي اذن كلمات الذم وما هي أساليب السب و (الردح)؟! اعتقد ان ما خفي كان أعظم, في الوقت الذي لا أعتقد فيه انها تخفى على معظم القراء.. فهي أصبحت سمة من سمات المتغيرات الطبيعية في زمان لا يعرف سوى التغير .. والله يستر!!