عندما أفكر في اجراء حوار, صحفي أو غير صحفي, مع صديقي الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد, فإن أول ما يتبادر الى ذهني انني يمكن ان اتحاور مع نفسي, لأن الصلة التي تربطني معه ترجع الى عشرات من السنين مضت .. وكم كنت ـ وما زلت ـ معجبا بشعره وشاعريته, ولطالما شدني إلقاؤه عندما كنت يافعا, وهو يردد كلمات أمه: ما بيع طولي والمبشّر عالنخل عشرين ليلة.. والبشير يلوح ويترجم هذا البيت الشعري الشعبي, برائعة من الشعر الحر: لا.. لن أبيع طوقي, فما زال الملقّح فوق اعناق النخيل عشرون يوما, والبشير يلوحُ, والدرب الطويل تنساب من قدميك في أطيانه بقع النجيع... وذهبت مع ابنتي الصغيرة (نور) الى بيته القريب من نهر دجلة ـ جزيرة الاعراس, احمل وريقة فيها بعض الاسئلة, لتكون محورا, أو محاور لموضوع صحفي. قرأ نموذج الاسئلة مسرورا, ووضع الوريقة على مكتبه الأنيق, وانشغل مع الصغيرة (نور) التي أدهشته وهي تلقي على مسامعه قصيدة (المرتضى) التي تحفظها, وتعد من قصائد الشاعر (أبي خالد) الصعبة, حيث زاوج فيها الشعر الحر مع الشعر العمودي. الى هذا الحد, وكل شيء على ما يرام, ولا يزال على ما يرام.. غادرنا البيت الجميل بأهله, وبصاحبه الصديق العزيز, بعد ان اتفقنا على موعد لاحق. وعندما ذهبت ـ هذه المرة بمفردي ـ قيل لي (من خلف الباب الخارجي) انه ترك لك هذا. لقد أجاب على نموج الاسئلة, دون ان يكلفني عناء المحاورة.. وترك لي النسخة المصورة, واحتفظ بالأصل.. انه يقوم بواجب الصداقة. هل نحتاج عندما نتحدث عن عبدالرزاق الواحد ان نقول (الشاعر الكبير)..؟ ـ الأخ العزيز الاستاذ نصير. اربعة عشر سؤالا. في السؤال الاول حاولت ان (تساومني) لا على لقب (الشاعر الكبير) كما ـ أوهمت ـ بل على كوني شاعرا اساسا, بدلالة سؤالك الثاني. أنت لا تقول الشعر, بل تقول السياسة.. أين انت من السياسة..؟ ـ في سؤالك الثاني افترضت اني اتفقت معك على (المبطن) في سؤالك الاول, وبعد ان حسمت ـ مع نفسك ـ هذه القناعة, أو ـ هذا التظاهر بها ـ تحلوت مباشرة الى السياسة الصرف..! أين أنت من السياسة؟ .. هكذا!! عايشت سياسيين كبارا.. هل لك اسهامات في هذا المجال..؟ العقول المهاجرة تجتمع في حبها للوطن, أو قول ذلك, ولكنها تختلف في الأساليب.. هل أنت في واقعك عقل مهاجر..؟ رأيك في من غادروا الوطن, ليضخوا ابداعهم عند الآخرين..؟ ما هو أكثر ما آلمك, وما عانيت منه شخصيا بسبب الحصار..؟ كيف تنظر الى الوحدة الوطنية العراقية.. كيف يجب ان تكون..؟ والوحدة العربية..؟ كيف تنظر الى التعددية السياسية..؟ وهل هي ممكنة التطبيق في العراق في هذا الظرف..؟ ـ أجاب: سبعة اسئلة سياسية محض, يمكن ان يجيبك غيري عنها وبأفضل مما أفعل. من هو بطلك..؟ البعض شنوا حربا عليك, واعلم انك غضبت.. لماذا..؟ ـ السؤالان غامضان, بشكل يعوزه الكثير من البراءة..! ومنحاهما بين الاجتماعي والسياسي, ولا علاقة لهما ـ مع مجرى الاسئلة ـ بالشعر والأدب! بإمكانك ـ كشخصية عراقية بارزة ـ ان تلعب دورا ما.. هل فكرت في ذلك..؟ ـ الغريب انك في سؤالك هذا, والذي لا علاقة له ايضا بالشعر والأدب, فضحت (بوعي أو بدون وعي) هذه اللعبة التي حاولت ان تلعبها معي: فأنا (كشخصية عراقية بارزة) هكذا قلت انت, والقارىء يريد ان يعرف (بارزة في ماذا) ؟! وأنا ايضا اريد ان اعرف (انا بارز في ماذا), بعد ان بذلت انت جهدك لإلغائي كشاعر ـ وهو أمر يضحكني ويؤسيني في الوقت نفسه, بعد ان بذلت انا جهدي لألغي كوني سياسيا.. بارز انا في ماذا؟ اذن لتعقد معي هذا الحوار؟ .. ام تريد ان تقول لي انك اقنعت نفسك تماما (بانني شخصية سياسية عراقية بارزة) , وعلى هذا الاساس اخترتني لحوارك هذا؟! هذه الهلامية في (شخصية عراقية بارزة) تقابلها هلامية اخرى في (بإمكانك ان تلعب دورا ما)!! في السؤال نفسه.. دور في ماذا؟ وتسألني: (هل فكرت في ذلك)؟ فكر لي انت, ان في الشطرنج مثلا..؟ أو في التنس؟!! قصيدة الكهرباء.. والمعاناة من الكهرباء.. (هذه الفقرة طرحتها الصغيرة نور).. كل شعر عبدالرزاق عبدالواحد, الذي حصل به على اعلى اوسمة العالم في الشعر, خرجت انت منه بهذه النكتة (قصيدة الكهرباء)!! المداعبة التي كتبت باللهجة العامية!! من المتهم منا الآن؟؟! (التساؤل من قبل الشاعر)! عبدالرزاق عبدالواحد