بالرغم من مرور ما يزيد على تسعة قرون على وفاة الشاعر والفيلسوف ابى العلاء المعرى فانه لا يزال موضع جدل ونقاش واكتشاف الجديد فى ابداعه وفكره . فقد كشفت د. سناء خضر أستاذة الفلسفة الاسلامية أن أبى العلاء المعرى الذى ولد بالقرن الرابع الهجرى والمعروف باسم رهين المحبسين كان توفيقيا فى نظريته الأخلاقية حيث مزج فيها بدقة بالغة بين التراث اليونانى والاسلامى واستدركت قائلة أن ذلك لم يكن توفيقا ملفقا بل كان قائما على العقل والنظر. وأضافت أنه بالرغم من أن البعض اعتبر المعرى (شخصية خلافية) حتى فى عصره بل اتهمه البعض فى دينه فانه الى جانب أنه برىء من هذه التهم يعتبر من الرجال العظماء الذين تتفاوت فى تقديرهم الأجيال وتتشعب الأراء وتتجدد الرغبة فى دراستهم بتجدد الأزمان. ففى عصرنا الحاضر نفهمه على أسلوب يغاير أسلوب معاصريه فى فهمه, فما كانوا ينقمونه منه ويكرهونه من أجله نراه نحن موضعا للعطف والرحمة والتأمل, وما كانوا ينظرون اليه بعين التصغير والتجهيل ننظر اليه بعين الاكبار والتبجيل, وأهل العصور المتأخرة أحسن تقديرا للعظماء. ولعل من أعظم غرائب العظماء الجديرة بالنظر هو التئام النزعة الفلسفية بالسليقة الشعرية فى أبى العلاء المعرى. وردا على سوال حول العلاقة بين رسالة الغفران لأبى العلاء المعرى والكوميديا الالهية لدانتى, قالت ان دانتى أعطى صورة نابضة بالحياة لعصره ووطنه فى القرن الرابع عشر الميلادي وقد استخدم الكلمة كأداة تشكيلية وتصوير الرحلة الدانتية عبر الجحيم والمطهر والفردوس. أما رسالة الغفران فقد أملاها أبو العلاء فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) ردا على رسالة تلقاها من أديب حلبى من معاصريه هو ابن القارح. وأشارت د. سناء خضر الى المفارقة فى رسالة الغفران فالعقدة فيها تتمثل فى المعادلة الصعبة بين زهد مؤلفها وشهوانية بطلها وفى التورية الدقيقة لسخرية أبى العلاء بابن القارح فى هذا الدور العجيب الذى اختاره له على وجه التمنى والرجاء فى صديق يطمع له فى حسن المآب, أو لعل عقدتها فى المأزق والحرج الذى يجعل تصور أبى العلاء لعالمه الاخر مظنة التباس بالحياة الأخرة فى العقيدة الدينية. وعن مواقف المعرى تجاه الحركات والفرق التى كانت سائدة فى عصره ألمحت د. سناء خضر الى أنه بالرغم من ان المعرى الذى ترك الزواج قد تحامل على المرأة فى بعض الأمور الا انه لا يحسب على العديد من المذاهب التى كانت سائدة وقتذاك ومن بينها الشيعة وفرقتها النصيرية. كما كان ثمة اتفاق بينه وبين القرامطة والزنج حيث تأثر بأفكارهم وبالظلم الواقع عليهم بسبب عدم المساواة وسوء توزيع الثروة. ابو العلاء المعري