الهوايات التي تلتصق بالانسان غالباً ما تصبح جزءاً من شخصيته, فمنا من يهوى الرحلات على كافة اشكالها ومنا من يعشق السفر فلا يعود إلا ليرتب سفرة أخرى, وآخرون تأخذهم كرة القدم في ميدانها الأخضر, فتجدهم يتنقلون وراء تلك المستديرة من مكان لآخر , ومن ملعب إلى ملعب وهكذا ينطبق المثل القديم على واقع الحال فللناس فيما يعشقون مذاهب كما يشير المثل. وشخصيا لي صديق عزيز هوايته ارتياد المطاعم وكتابة تقرير عن أهم مواصفاتها الفنية, وغالباً ما يكون تقريره صادقاً وواضحاً ويؤدي الغرض, حتى ان الأصدقاء قبل ان يرتادوا أي مطعم من مطاعم الدرجة الأولى يتصلون به ليسألوا ويستفسروا عن مستوى المطعم وأفضل الأطباق التي يقدمها ومستوى الخدمة وجودتها.. وبالتالي لا يجدون مشكلة في ارتياد أي مطعم ما دام التقرير ايجابيا عنه.. ولو كنت صاحب مطعم لمنحت صاحبنا هذا عضوية فخرية وأوصيت رابطة المطاعم ان كان هناك رابطة لها بأن تمنح هذا الشخص وسام استحقاق المطاعم من الدرجة الاولى, لخدماته في تقييم وتصنيف المطاعم كمجرب ومتذوق وعاشق ومتداخل. ولأن نكهة الأطباق الجديدة لا تولد إلا رغبة أخرى في خوض تجربة جديدة أجدني مندفعاً إلى فهم أسرارها خاصة إذا كان الطبق يحمل شرحاً اسطورياً, مثلما نجد في كثير من الأطباق الصينية والهندية والفارسية, ولعل هذا الاندفاع سبب لي كثيراً من المواقف التي بلعتها صاغراً.. وأذكر انني كنت ضمن وفد صحافي من دول مجلس التعاون الخليجي في زيارة إلى تايوان, وكان برنامج الزيارة مرتباً بعناية إذ يتخلل كل زيارة لوزير أو منطقة صناعية أو تجارية مأدبة غداء أو عشاء صيني فاخر, فكانت قائمة الطعام تحتوي ما يقارب العشرين طبقاً استطعنا جميعاً أن نلتهمها ونعود جائعين, حيث يحتوي كل طبق على قطعة أو قطعتين صغيرتين من أكل لا نعرف ما هو وما هي مكوناته, الذي أعرفه اننا ننظر في وجوه بعضنا البعض ونبتسم ابتسامة صفراء لا لون لها ولا رائحة. أحد اعضاء الوفد صمت طويلاً ثم أطلق صرخة مكبوتة حتى لا يسبب حرجاً فقال بصوت هامس.. (لاعت كبدي) من هذا الأكل.. أخاف اننا التهمنا كلابا ونحن لا ندري!! ودون أن ينتبه كانت اذن أحد الصينيين وهو الشخص الذي يقوم بالترجمة لنا.. كانت اذنه تلتقط هذا التذمر, فعلق بابتسامة وهدوء.. لا أيها الأخوة, جميع الأطباق التي ستأكلونها اليوم لا يدخل لحم الكلاب فيها, ولو أننا نفضل أن تجربوا طبقاً صينياً لذيذاً وثميناً ألا وهو أكل مخ قرد حي.. هذا طبعاً إذا رغبتم في ذلك!! واستطرد عندما وجدنا جميعاً ننظر إليه باهتمام واستغراب لكم أن تتصوروا أيها السادة أن الطبقة الغنية هنا تفضل أكل الحمير.. ثم أخذ نفساً عميقاً وقال متحسرا, لكن أين هي الحمير.. ان لحمها أيها السادة يعيد الكهل العجوز إلى أيام شبابه, ولأنها ساخنة فأغلبنا يفضل أكلها في الشتاء.. وللأسف لن تستطيعوا تذوق لحمها الرائع لأن موسمها لم يحن بعد. بعد هذه المحاضرة المثيرة حول الأطباق الصينية لم يجد صاحبنا الذي طعننا بسكين الاستفسار الهامس إلا الولوج إلى أقرب حمام ونحن معه لتفريغ ما علق في بطوننا! هذا ما حدث في تايوان, إلا أن ما حدث في بروكسل يختلف كثيراً, حيث سكنت في أحد أهم الأحياء التجارية حيث المحلات الكبرى والمطاعم والمقاهي الراقية تصطف على جانبي الشارع الرئيسي, وبدافع البحث والفضول تركت تلك المحلات والمطاعم ودخلت عميقاً وراء تلك الغابة الأسمنتية التي تقف شامخة ووجدت ضالتي, فقد انكشف ما وراء المدينة حيث ربضت محالات صغيرة متناثرة هنا وهناك, على هامش الأحياء السكنية.. والأمر الذي يثير الدهشة ما تحتويه تلك المحلات الصغيرة التي يقوم على إدارتها والسيطرة عليها مهاجرون باكستانيون وهنود, ففي تلك المحلات روبيان مجفف, جاشع, سحناه, عوال, رز بسمتي, بهارات هال, مسمار وغيرها من المواد الغذائية, وكأنك موجود في دولة خليجية إلا أن صندوقاً زجاجياً أثار تساؤلي عندما استعرض صاحب المحل بعضاً من تلك المواد الغذائية, فقد شاهدت قطعا صغيرة ملتوية كالروبيان مجففة أشار عّلي صاحب المحل بتذوقها فاستفسرت منه عنها فأجاب مبتسماً: ـ هذه ديدان بّرية مجففة. انها لذيذة وكثيرون يهمون بشرائها. * وكيف تستخدم؟ ـ يا سيدي.. أغلب قاطني هذا الحي هم من الآسيويين والافارقة, وكما ترى, بضاعتنا موجهة إليهم, فالأفارقة يستخدمون هذه الديدان في عمل الحساء> بينما يفضل بعض الآسيويين أكلها مملحة! هكذا تختلف الأذواق كثيراً وتقترب أحياناً بفضل الموضة وفنون الدعاية والاعلان, فالأطباق غير المرغوبة اليوم ربما تصبح غداً من أفضل الأطباق واشهرها لأن الاعلان يقول كلمته وهكذا.. فقبل سنوات كان بعض الوجبات الآسيوية مهملة في أمريكا وفجأة وجدت نفسها تضاهي أشهر وأفضل الوجبات, فبعد ان تربعت الوجبات الصينية في السبعينات وأخذت تقدم أطباقاً من هونان وسيتشوان ظهرت. مطاعم السوشي اليابانية ثم المطاعم التايلاندية, وجاء الآن دور المطاعم الماليزية التي بدأ الاقبال عليها بشكل مثير وخاصة من نجوم السينما والمشاهير الذين يبحثون عما هو مثير وجديد. والسؤال الذي يطرح نفسه أين هؤلاء المشاهير من ديدان بلجيكا وحمير تايوان وقرودها؟