من مِنا لم يجرب مشاعر اليوم الأول, فهي التي لا تُنسى أبدا لأنها بداية رحلة القلق الى المجهول.أطلقت الأم العنان لسيل خواطرها وأحلامها الحبيسة داخل مخيلتها وهي غارقة في تمشيط شعر ابنتها الصغيرة في ذلك الصباح الجديد الذي أحست بطعمه اللذيذ. لأول مرة . يا الله.. لقد كبرت الطفلة.. وها هي اليوم تترك ثوبي الذي كانت تتمسك به وهي تلحق بي وتلازمني كأنفاسي داخل غرف البيت.. تركته وتركت معه عالمها الصغير (البيت) لتنطلق الى عالمها الأكبر خارج جدرانه.. الشارع.. السيارات.. الرصيف.. البنايات.. الناس.. الأولاد.. الباعة.. عالم نبض الحياة . ـ انه يومها الأول في المدرسة.. ومنه ستبدأ التلميذة رحلة الألف يوم.. رحلة النور في دروب العلم والمعرفة: (يا الله ما أجملك اليوم يا وردتي المدللة وأنت تزهين فرحة متباهية بملابسك المدرسية الجديدة.. وشنطة كتبك الملونة.. وبدراهم مصروفك الأولى وأنت تدسيها بسرعة وحرص في جيب مريولك.. ما أجملك قد كبرت اليوم فجأة) . ـ ويقطع حبل خواطر الأم صوت بوق باص المدرسة.. لقد حانت لحظة الفراق.. وها هي فلذة الكبد تفتح باب البيت استعدادا للخروج.. أمسكت بها تضمها بقوة الى صدرها.. ثم.. وبعد الحاح من بوق السيارة تفرج الأم عن صغيرتها وهي تودعها بالدموع. (ياه.. ما أطولك أيها اليوم وما أقساك) .. قالتها وهي توزع نظراتها القلقة بين الشارع.. وساعة يدها.. وتلك الساعة الكبيرة المعلقة على الحائط) . ـ انه مازال اليوم الأول.. والتلميذة لم يزل أمامها مشوار طويل جدا عليها ومهما كان الثمن ان تقطعه.. ستة أيام في الاسبوع.. ستة وعشرون يوما في الشهر.. و...) . ـ وهنا خانها ذهنها وغاب عن بالها (جدول الضرب) فأحضرت ورقة وقلما وراحت تكمل حساباتها بأرقامها التقريبية عن أيام العمر التعليمية.. بدءا بصف الابجدية.. وانتهاء بالشهادة الجامعية.. (206) أيام في السنة الدراسية الواحدة.. يعني (1236) يوما في مرحلة الابتدائي.. و(648) يوما في الاعدادي.. و(663) يوما في الثانوي.. و(780) يوما.. بل ربما وحسب التخصص (1295) يوما في الجامعة.. ياه.. ما أطول مشوارك يا بنت المدارس.. ولكن كل هذا لا يهم في سبيل العلم.. والشهادة الكبيرة.. المهم الآن هو ان ينتهي أطول يوم في حياتي كلها وتعودين بسرعة من مدرستك يا حبة القلب..) . ـ وعن بعد سمعت بوق باص المدرسة.. (يا الله.. ما أعذب هذا اللحن.. ترى لماذا كان يزعجني هذا الصوت بالأمس فقط عندما كان يمر من أمام المنزل؟) . ـ ومن عتبة الباب تختطف الأم ابنتها.. تعانقها.. تقبلها.. تمسح شعرها.. تنظر في عينيها.. حتى اذا ما أفرغت شحنة العواطف التي كانت مختزنة بداخلها طوال اليوم.. قالت لها تخاطبها بنشوة من أفرغ من صدره أكواما من الهم: ـ لم يعد يهمني الآن شيء يا حبيبتي.. فقد مضى اليوم الأول.. اليوم الأطول.. اليوم الأقسى.. اليوم الأهم.. اليوم الموعود في حياة كل أسرة تريد بناء هذا الوطن.. فيا برعم الأمل القادم الينا مع اشراقة الغد سيري في رعاية الله.. والف مبروك) . *** والى كل براعم الوطن الندية.. أطفال (اليوم الأول) وأنتم تضعون أقدامكم الغضة على أول طريق النور والمعرفة.. اليكم والى كل معلم يقف الآن على منبره يؤدي أمانة الرسالة.. اليكم جميعا أقول.. سيروا على بركة الله.. وكل عام وأنتم والمسيرة بألف خير. (... وسامحونا)