أمسك المراسل الأجنبي بقطعة من العمود الخرساني, وحطمها بين يديه فبدت كحلوى شديدة النعومة اسمها البسيسة, كانت تصنع من دقيق الذرة, ومجرد الإمساك بها تتفتت مما يسارع المرء بالتهامها. كان لهشاشة العمود دلالات عديدة, أهمها فساد ذمة المقاولين الأتراك الذين شيدوا هذه المباني الحديثة والتي تحولت إلى أكوام من المواد الناعمة كالدقيق . والضحايا دائما هم الفقراء أو محدودو الدخل الذين يعيشون الآن في خيام المساعدات الأجنبية, عرضة لفتك الطاعون والتيفود وأمراض شتى بهم. دائما أحاول أن أضع نفسي في مكان الإنسان الذي يعاني. الذي يمر بوضع استثنائي مؤلم, أوجعتني وآلمتني وقائع الزلزلة وتوابعها وما ترتب عنها, وقد خبرنا أهوالها عام 92 عندما اهتزت القاهرة وكانت الدرجة أقل من زلزال تركيا, في مواجهة هذا الهول الكوني لا يسعنا إلا رفع الأيدي بالدعاء : اللهم استر. فساد المقاولين الأتراك الذي تسبب في هلاك الآلاف من البشر لا يماثله إلا هلاك الإعلام العالمي. بالتأكيد أنه مغرض, من خلال متابعتي لجهود الإنقاذ ظهر جنود الجيش الإسرائيلي وعندما رأيتهم ينزلون من الطائرات راهنتني نفسي أن وجودهم سيلغي ما عداهم حتى جنود الولايات المتحدة. وقد كان. بدءا من محطات التلفزيون التركية وصولا إلى البريطانية والفرنسية والبرتغالية والأسبانية, أصبحت تطالعنا صور شتى لنشاط الفريق الإسرائيلي حتى يخيل للمرء أنه لا يوجد إلا هم, رغم وصول فرق إغاثة من معظم بلدان العالم, مصر أرسلت حمولات على عشر طائرات خلال أسبوع واحد وسفينة, وفريق ميداني يضم مائتي جندي وضابط ومخبز ومستشفى, وتعتبر المساعدة المصرية في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة, ودولة الإمارات أرسلت مساعدات ضخمة, ومعظم الدول العربية, ومع ذلك لا أثر ولا خبر على شاشات المحطات العالمية. كل صغيرة وكبيرة خاصة بالفريق الإسرائيلي مع روضة علينا ليلا ونهارا, إلى أن نجحوا في إنقاذ طفل صغير عمره ثلاث سنوات, وفتاة خرجت ظامئة, احتضنها الضابط الإسرائيلي وراح يمسح شفتيها بالماء, وهذه قاعدة معروفة, فالإنسان الظامىء يجب ألا يعطى الماء مرة واحدة, إنما تبلل شفتيه, ثم قطرات وشيئا فشيئا يحصل على حاجته ويخف عطشه. إنقاذ إنسان أمر مجهد, خاصة إذا كان قد أمضى عدة أيام تحت الأنقاض, لكن المثير تركيز الإعلام الأوروبي والأمريكي على الضابط الإسرائيلي, وعلى الفريق الإسرائيلي, وحتى كلب الإنقاذ الإسرائيلي المصاحب للفريق, أما فرق الإنقاذ العربية و حتى من الجنسيات الأخرى وبعضها أوروبي وكأنها لم تطأ المكان, ولم تقدم أي جهد أليس ذلك نوعاً آخر من الفساد والغش. هذه المرة ليس في الخرسانة إنما في الضمائر, يبرز هذا الغش مدى سيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية في جميع الأحوال, في المسرات, وفي المصائب. الجمعة ما قبل الغروب تهب نسمات رقيقة, انخفضت أمس درجة الحرارة, رغم أننا في نهاية أغسطس إلا أنني ارصد طلائع الخريف, لا يخفى علي أمره, ولا تمر تباشيره الخفية بدون أن أصغي إليها, لم تعد تدهشني دورات الأفلاك, ولم تثرني موجات الحر والبرد, أصعب أيام الحر أمر به الآن كما أعيش أيام البرد, أعرف أن البرد سيأتي وان الحر لن يدوم أبدا, وأن البرد سينتفي عند لحظة معينة ويذهب كما ذهبت الأيام الموالية. عندما بلغت نهاية المجمع السكني, كانت الشمس في أزهى حالات اشتعالها, برتقالية, نارية, حمراء, دموية, مستديرة, أفق مشتعل, وغروب على وشك الاكتمال. من هذا الوضع, من هذه النقطة التي أتوقف عندها مندهشا, مباغتا الشمس وكأني أراها أول مرة, أتساءل, كم مرة غربت منذ انتظام المسار واكتمال المدار, كم مرة لاحت هكذا به, هل سنعرف يوما؟ الأحد : البهجة القديمة تستعيد القاهرة ملامحها القديمة في أيام الإجازات يفارقها كثيرون ممن يمتون إلى الريف, ويخرج القادرون الى المصايف الحديثة في شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي, يخف الزحام من الطرقات ويختفي التكدس, تسري في الشوارع حالة من الاسترخاء, تحاول المدينة أن تتنفس بهدوء بعد شهور طويلة من الزحام, والدخان المنبعث من عوادم السيارات وضجيج الأبواق, افضل أيام المدينة واحبها إلي أيام العطلات والجمع, استعيد تجوالي القديم, وترحالي ما بين نواصيها, وتطلعي إلى واجهات بناياتها, ومحاولاتي الدائمة فض الأسرار أو النفاذ إلى ما تخفيه ملامح وجه عابر, ولقد توزع عمري على شوارعها وحاراتها ودروبها وأزقتها, وفي حميم حضورها نصبت خيمة إقامتي, منها أخرج واليها ارجع, ومهما شرقت أو غربت تظل القاهرة مرجعي الأساسي في المكان وقاعدتي الإنسانية, في المدينة الزمنية داخلي محطتان أساسيتان للبهجة, العيد الصغير والعيد الكبير, أما الصغير فالتمهيد إليه طويل من خلال رمضان والصوم والفرح بالكعك الذي كنت أنتظر صاجاته بالساعات أمام فرن الحاج نصيف. يبدو لي العيد الصغير شابا جميلا, يجيء من بعيد, يقيم قليلا, ويشيع البهجة, ويمضي. أما العيد الكبير فانه أكثر رسوخا, أحد مصادر الفرح به أنه يلي عيد الفطر وأن فرحة الصلاة في الحسين وارتداء الجلباب الجديد أو القميص والبنطلون فيما بعد, كل مصادر السرور سوف تتكرر فيه, وبمجرد انتهاء عيد الأضحى, كنت اشعر بوحشة وفراغ, تماما كتلك الوحشة التي تعقب انتهاء الليالي الرمضانية. منذ تفتح عيناي على الدنيا اعي حرص الوالد على الكسوة الجديدة, ولعبة لكل منا وعيدية بعد رجوعنا من صلاة العيد في مسجد مولانا الإمام الحسين, وانتظار هلة عبدالناصر على الناس عقب أدائه للصلاة. عادات لم تنقطع إلا بعد أن بدأت اتخذ سبيلي في الحياة سربا, إلا أنني أستعيدها بتأن وأحاول الحفاظ على ميراثي من الصور التي تعمر بها ذاكرتي, لذلك يطيب لي الذهاب في صباح باكر إلى شارع الجمالية, والى قصر الشوق, إلى ميدان الحسين والذي كان بالنسبة لي حتى سن العاشرة حدود العالم الآمن. يرتبط العيد عندي بالقراءة, واقتناء الكتب, بعد الصلاة توقفت ذات يوم أمام كشك عم فكري بائع الصحف, كان كشكا خشبيا مطليا بلونين, أخضر واصفر, وحوله ترص الصحف والكتب, مازال الحاج فكري في ميدان الحسين وان تراجع من الميدان إلى دكان في البناية المؤدية إلى مقهى الفيشاوي. توقفت أمام الكتب المعروضة, رحت أقرأ عنوانا لفت نظري (البؤساء) تأليف فيكتور هوجو, طبعة لبنانية في سلسلة روايات اليوم, مازلت أذكر لحظة إخراجي العيدية كلها من جيبي, كانت توازي ثمن الرواية بالضبط, خمسة قروش, ومازلت أذكر عودتي إلى البيت فرحا, وعكوفي على قراءتها, حتى الآن أحفظ سطورا كاملة من قراءاتي الأولى تلك المرتبطة بالعيد, عبثا الآن أحاول أن أتذكر رقم السنة. أو اسم الشهر. أغمض عيني, أجهد ذهني, غير أنني أفشل فيما عدا استعادة صدى بعيد لتلك البهجة القديمة. الأربعاء من أين تنبع النسمات؟ من أين تجيء الرياح؟ ما مصدر الموجة الأولى ؟ من يحرك من؟ الرياح أو الماء؟ لكم أنا مدين لتلك النسمة التي حنت علي عند عبوري ميدان سيدي و مولاي الإمام الحسين قاصدا ضريحه, منذ زمن طويل لم أشعر بمثل هذه المودة مع الكون, تذكرت لحظة جميلة, جد بسيطة في دلالاتها, أمضيتها في هذا المكان الذي أوثقت به وتد خيمتي الروحية, أصغيت وتطلعت وقوي عندي الأمل في لويحظات أجمل, لي: وللإنسانية كافة. الاثنين: الحقائق لا تتبدل أحن أحيانا إلى بعض النصوص التي طالعتها منذ سنوات وكأني أحن إلى شخص عرفته يوما, أصغيت إليه وتحدثت, رحت أبحث في القسم الخاص بتاريخ مصر عن مذكرات الزعيم أحمد عرابي أحتفظ بعدد من المراجع الهامة عن الثورة العرابية تلك الثورة مصرية الملامح والتفاصيل, والتي انتفضت خلالها روح مصر, وتداخلت العناصر القديمة بالحديثة, (لولا سوء البخت) كما يقول أحمد عرابي, استعيد مذكراته وعنوانها (كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية) , أحب هذه الطبعة القديمة من كتاب الهلال والتي صدرت في الخمسينيات بتقديم من اللواء محمد نجيب, هذه المذكرات استمرت مدفونة لمدة سبعين عاما إلى أن نشرت بعد ثورة يوليو. أسلوب احمد عرابي تلقائي جميل يفيض وطنية وصدقا, ويبدو متماسكا حتى آخر سطر في المذكرات, التي ختمها في السنة العاشرة من هذا القرن, أي بعد عودته من المنفى الذي أمضى فيه تسعة عشر عاما في جزيرة سيلان, على بعد ثلاثة آلاف ومائتي ميل من ارض الوطن في جزيرة سيلان, يقول في السطور الأخيرة في مذكراته تحت عنوان (الخلاصة) : (لما قويت شوكة الاستبداد وكثر الظلم والجور, وضيق الخناق على الأمة المصرية, أراد الله جلت قدرته أن ينقذ عباده المصريين من جور المستبدين وعصفهم, فجعل من الضعف قوة تكبح جماح الظالمين, وقدر الله سبحانه وتعالى أن أكون زعيم هذه الحرب الوطنية المباركة لما للأمة من ثقة بالجيش, فسرت بالأمة على بينة من الأمر إلى أن نالت الحكومة نيابية وقوانين عادلة تضمن لها الحرية والعدل والمساواة بين عموم المستوطنين في وادي النيل) . ويمضي احمد عرابي ليقول عن الإنجليز: (ومضى على احتلالهم غير الشرعي 29 عاما فما بالهم لا يوفون بوعدهم وينجلون عن البلاد المصرية وهي هادئة ساكنة, نعم ان الإنجليز كباقي الأمم لا ينجلون عن بلاد احتلوها برضى أنفسهم أبدا, لكنهم سينجلون عن كنانة الله رضوا بذلك أو غضبوا, قريبا أو بعيدا, فإن عرب الرعاة (أمة الهكسوس) احتلوا مصر ومكثوا بها 100 سنة ثم خرجوا منها عنوة وقسرا) . ويمضي أحمد عرابي في تعداد الأمم التي تمكنت من أرض مصر وبادت, ثم يوجه حديثه إلى الناشئة قائلا: (فعلى الناشئة المصرية أن تجد وتجتهد وتعمل ليلا ونهارا على استرداد مجدها واستقلالها وحريتها المسلوبة منها ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف عنها هذا البلاء) . لم تنشر مذكرات عرابي في حياته, ولم تكتف العائلة المالكة الحاكمة بضرب ستار من النسيان على سيرة عرابي ورفاقه. انما ظهرت الكتب التي تشوه سيرتهم وتنال منهم, وشارك في ذلك سياسيون وصحفيون, ومؤرخون بعضهم كبار مثل عبد الرحمن الرافعي الذي غلب عليه انتماؤه الحزبي. كان الدفاع عن عرابي أو الإشارة إلى ثورته بشكل إيجابي كفيل بإثارة المتاعب لكل من يقدم عليه, وعندما أقدم محمود الخفيف على إصدار مؤلفه القيم (عرابي المفترى عليه) صودر الكتاب على الفور, كان ذلك سنة ,1948 إلى أن أقدم الأستاذ رجاء النقاش على إعادة طبعه في الستينات, طبعا, تبدل الموقف من أحمد عرابي ورفاقه بعد ثورة يوليو, لكن. هل خبت سيرة عرابي أو نالها الوهن في ذاكرة الشعب المصري؟ لقد ظلت ماثلة, وظل رمزا للوطنية في أفئدة الفلاحين الذين استشهد آباؤهم في جيشه, وفي وجدان النساء المصريات اللواتي بعن حليهن وأرسلن إليه التبرعات نقدا, وعينا, وظل هذا التعبير الجميل الدال متداولا عن (قومة عرابي) أو (هوجة عرابي) أو (وقفة عرابي) , الحقائق الكبرى في تاريخ الشعوب لا يمكن تزييفها, ولعل الإقبال الأسطوري على فيلم (ناصر 56) يؤكد من جديد هذه الحقيقة. الأربعاء هاتفها رغم أنني لم أتعرف جيدا على صاحبة الصوت في البداية إلا أن إيقاعه أرسل الإشارة الغامضة إلى قلبي فعرفت الرعشة الأولى التي لا تتفق للإنسان إلا عند ظهور المحبوب. كأنها تعرف موعد وصولي إلى المكتب, بمجرد دخولي وجلوسي رن الجرس, قالت إنها لا تدري إذا كنت أذكرها أم لا, انها جارتنا في الحارة القديمة بالجمالية. أذن.. تأكد حدسي, اندلع داخلي حريق من الذكريات, وقوده ظهورها في بدايات النهار, مطالع أيامي النائية عني, البعيدة, عندما كنت أنتقل بين المحطات الأولى, متطلعا دائما إلى الإمام, متشوقا للحب, للحياة, وكانت هي تسكن بيتا قديما عند الناصية. ملامحها ناصعة, وعيناها عميقتان, كأنها تطل على الكون من خلال لوحة فرعونية, أو جدار قديم, كانت باسقة كنخلة رشيقة في مقتبل عمرها, خطواتها كراقصة باليه بلغت من التمكن حدا يمكنها من الخطو فوق الزهور فلا تؤذها ولا تنال منها. كنت ألمحها من ناحية مسجد سيدي مرزوق فيتجدد نشاطي, وتولد في مخيلتي الصور, وتنشأ جهات غير الجهات الأربع الأصلية, لم يحدث أن خاطبتها قط, المرة الأولى تلك عبر الهاتف, وبعد حوالي سبعة وثلاثين عاما, بالتأكيد تغيرت, إلى أي حد؟ هذا ما أريد أن أراه, أن أطلع عليه رغم حذري من أعراض الزمان. لكن.. لماذا يهفو قلبي وكأني عرفتها عمرا, لماذا تتجدد أشواقي وكأن حياة كاملة اتصلت بيننا, رغم أن حوارا لم يحدث, ولقاء لم يتم, وعندما رأيتها قادمة في الحارة خلال الصباح الباكر لاحظت تغير خطواتها, إبطاءها, اتجاهها نحوي على مهل, تطلعها بجراءة ناحيتي, تبادلنا النظر, غير أنني لم أنطق, كان يمكن أن أقول تحية الصباح فقط, لكن.. لم يحدث, لم أقدم على أي مبادرة, كنت أتعامل مع كينونة عندي, داخلي, وليس في الواقع, مع الصورة وليس الأصل, أمضيت سنوات في هذا الحال, والآن بعد مضي هذه السنوات كلها تطل من زمني الأول, قالت انها تريد أن تجئني لتطمئن علي, سألتها عن شقيقها الأصغر فقالت انه يعمل في بلد عربي, لم أسألها أكثر, أجلت فضولي إلى حين قدومها. رحت أتخيل قدومها عبر النسيان, أنبأت كل من يعرف الطريق إلى مكتبي لكي يدلها إلى مكاني. أتطلع الساعة. بعد خمس دقائق يحل الموعد الذي اتفقنا عليه. تمضي الدقائق, واحدة أثر الأخرى, ينقضي الوقت كما مرت الأيام والسنوات, كما مر العمر, يهب الحنين الذي أضنى قلبي وأنهك روحي, أحقا سمعت صوتها؟ هل أصغيت إليه؟ هل حاورتها فعلا؟ أهو الحنين في أحد أعراضه, عندما تتداخل أطياف الذكرى بالوقائع القائمة. رحت أتطلع إلى أفق المدينة الممتد, الفسيح, لعلي أدرك قبسا منها في موضع لا يمكنني تحديده.