كنت مع مجموعة من الاصدقاء نتابع في احدى القنوات الفضائية لقاء مع مفكر اوروبي متخصص في العلاقات الاوروبية الشرقية وبالذات في الشؤون الاسلامية . كان الحديث حول بقايا آثار التفرقة التي ما زال يشكو منها بعض المواطنين الشرقيين عند زيارتهم لدول اوروبا, وكان الرجل في حديثه معقولاً ومتحمساً جداً للقضاء على هذه البقايا التاريخية, لكن كما يعتقد فهذه النظرة لم تعد قوية بتلك الدرجة التي كان عليها قبل سنوات. وتطرق الى العلاقات التاريخية بين الغرب والشرق التي قد نختلف او نتفق معه حولها, لكن ما يهمنا هو عندما سأله مقدم البرنامج عن سوء المعاملة التي يتعرض لها بعض المواطنين العرب او المسلمين بسبب الوانهم انكر ذلك وقال مبرراً: عندما يحدث ذلك في اية دولة اوروبية يكون إما نتيجة لأعمال مخالفة لقانون تلك الدولة او نتيجة لعمل ارهابي قام به مواطن شرقي مما ينعكس على ذلك ويكون ردة فعل تختزن في الذاكرة وتستمر لفترات طويلة. ولأننا كنا مجموعة فقد دار الحوار بيننا على ما طرحه الرجل من افكار خصوصاً موضوع معاملة الزوار الشرقيين في اوروبا سواء كانوا عرباً مسلمين او مسيحيين والنظرة الدونية اليهم مع انهم سياح من الدرجة الاولى, وابسط مثال على ذلك المعاملة التي يتلقاها الانسان الشرقي في مطارات اوروبا, سواء كان سائحاً او زائراً, فالحكم عليه اول ما يأتي من لون بشرته, وملامحه, قبل التعرف على بيانات جوازه التي يتم فحصها بكل دقة, رغم وجود التأشيرة, اذ تستغرق معاملة دخوله وقتاً لا يستهان به يضعه في موقف محرج ليس من قبل الضابط الذي يتفحص جواز سفره فحسب, بل حتى من المسافرين الآخرين الذين يقفون خلفه يرمقونه بنظرات شك واتهام في اغلب الاوقات! ومن يقارن تلك الحالة والمعاملة بالطرف الآخر يرى عجباً, ففي مطاراتنا يعامل الاوروبي (معاملة الملوك كما يقولون) مع انه ليس سائحاً من الدرجة الاولى, فمن النظرة الاقتصادية يظل السائح الاوروبي اقل انفاقاً من السائح الشرقي, لكنه يستقبل رغم ذلك بكل ترحاب واحترام وفوق كل هذا لا تستغرق معاملة دخوله سوى دقائق معدودة!! وفي سياق حديثنا حول هذا الموضوع روى لنا احد الاصدقاء ما حدث له في احد مطارات اوروبا عندما كان مسافراً من مدينة الى اخرى. ففي المطار ومن النظرة الاولى وقبل ان يسأله ضابط الامن من أين انت واين جوازك أدخل الى كابينة التفتيش وأخضع إلى إجراءات مثيرة بدءاً من خلع ملابسه إلى تفتيش كل قطعة من جسمه وكل مخبأ في حقائبه, وصاحبنا يسأل بدهشة وفضول لماذا كل هذا؟ ماذا فعلت؟ دون ان يجد اجابة شافية واحدة على اسئلته المتناثرة, وعندما لم يجدوا معه شيئاً اعتذروا له قائلين ان انفجاراً حدث في المدينة واغلب الظن إن الذي كان وراءه عربياً.., هذا كل ما لدينا من معلومات, وما نقوم به من اجراءات وقائية ليس الا للسيطرة على عدم تكرار حدوث ذلك ولسلامة البلد!. وتذكرت حادثة وقعت لي شخصياً عندما كنت مسافراً من بلد اوروبي الى آخر, فبعد انهاء اجراءات معاملتي توجهت الى قاعة المغادرين وجلست على احدى الطاولات بالمقهى, وتركت حقيبتي بجانبها, ثم ذهبت لطلب فنجان قهوة وفجأة رأيت جندياً بيده بندقية يحرك بها حقيبتي فتوجهت له مسرعاً وقلت له لو سمحت هذه الحقيبة تخصني.. عندها نظر الي وكأنه عرفني من شكلي بأني شرقي وقال: خذها واتبعني! قلت له: دقيقة, سآخذ فنجان قهوتي وسآتي حالاً. قال بلهجة حادة وآمرة: اذا لم تأخذها الآن سأفرغ رصاص بندقيتي فيها!! هكذا وبكل بساطة كانت ردة فعله, ومع اني كنت ادرك انه لا يستطيع فعل ذلك الا انني تبعته وانا اردد في دواخلي: لو كان يعلم ان في هذه الحقيبة متفجرات مثلاً لما قال ذلك! انها نظرة عنصرية ليس الا, وهذا ما قد يصادفه كل زائر أو سائح شرقي لأوروبا. وفي اعتقادي الشخصي ان هذا يعود الى عقدتنا نحن في الشرق وعقدتهم في الغرب كل منا تجاه الآخر, فنحن نعتقد ان السائح الاوروبي انسان متحضر, قوي, غني يجب الحفاظ عليه فنعامله من هذا المنطلق. اما الاوروبي فنظرته الينا غالباً ما تكون دونية, فهو ينظر إلى الانسان الشرقي عموماً والعربي خصوصاً على أنه همجي, متخلف واخيراً ارهابي. هكذا ننظر لبعضنا البعض, نظرتان مختلفتان متضاربتان, والى ان تتغير هذه النظرة ونتعامل بالمثل سيبقى بعض من هذا التمييز موجوداً!