ونحن صغار, كان حلول سبتمبر من كل عام مدعاة لمشاعر يختلط فيها الاسى بالفرح.. وسبب الاسى هو ان سبتمبر الفضيل كان يأتي مؤذنا بان اجازة الصيف قد وضعت اوزارها او انها اوشكت على وضع تلك الاوزار , وداعا اذن لصباحات الاستيقاظ المتأخر او على قول اهلنا الكرام في تلك الايام كفاكم نوما فقد اصبحت الدنيا ظهرا وكم كانوا موغلين في المبالغة.. فلم تكن الساعة وقتئذ قد جاوزت التاسعة الا بقليل.. وداعا ايضا لنهارات التجوال في شوارع القاهرة وحواريها وازقتها نجوبها على غير هدى. نركض حتى يتملكنا التعب وتتفصد الجباه الصغيرة عرقا.. او نخدع النفس فيرسلنا اهلنا واحيانا يبعث بنا الجيران تحببا او استغلالا في مشاوير تحت وهج يوليو وقيظ اغسطس نقضي حوائج الكبار ونحن نركض خلف طوق من الصلب الخفيف كان في الاصل اطارا لدولاب بسكليت..وها نحن ندفعه الى الامام بسلك صغير وقد تخيل الواحد منا ويالقلة الحيلة, ان السماء قد اختصته بركوبة ملاكي توصله الى هنا وهناك هذا ناهيك عن العاب الفقراء: كرة من بقايا الثياب المهترئة او شظية من خشب رخيص مدببة من الناحيتين يضربها اللاعبون بمضرب من خشب ارخص واشد تعاسة.. وتحمل اسم العصفورة وبقدر مهارة اللاعب وقوة جسده بقدر ما تذهب (العصفورة) مسافات في عرض الطريق والويل كل الويل ان تنطلق العصفورة مثل سهم خشبي مسدد فتكسر لوحا من الزجاج في نافذة بيت او في واجهة دكان, ساعتها تنقضي اللعبة ويتفرق اللاعبون وقد اطلق كل منهم ساقيه للريح.. ولايبوء بالخسران والعقاب سوى من اقعده البطء او الكسل او عدم تقدير الموقف, وهم يترجمون العقوبة الى علقة ساخنة وعبارات توبيخ اشد مرارة من العلقم.. وحرمان من المصروف وقد كان في كل حال دراهم اقل من معدودات.. يستوي الامر بين منحها او الحرمان منها والله المستعان. يأتي سبتمبر من كل عام فإذا بالأسى يحل في قلوب الصغار وقد اذنت الاجازة المدرسية بقرب ختامها, ولكن يخالطهم أيضا شعور بفرحة غريبة تستمد أصولها من احساس بالترقب أو حتى الأمل في بداية العام الدراسي الجديد, سوف يعاودون اللقاء برفاق المدرسة ومنهم من غاب عنهم طيلة اشهر الاجازة ولسوف ينصبون مع بداية الدراسة سوقا لحكايات لاتنتهي عما صادفوه في أشهر المسامحة, الاسم الكلاسيكي الذي اطلقته الأجيال الماضية على العطلة المدرسية, ويستمد دلالته كما ترى من معنى في بطن الشاعر يقول بأن أيام المدرسة هي عقاب وتنكيل ووجع دماغ في التحليل الأخير وان الاجازة ـ المسامحة هي نوع من أعمال البر والخير والتقوى تسامح التلاميذ بمعنى تطلق سراحهم أو تفرج عنهم, ولو إلى حين. سوق الحكايات منصوب بين رفاق العام الدراسي الجديد, الموسرون من التلاميذ يروون قصصا عن تصييف العائلة في رمل الاسكندرية أو في ضواحي رأس البر أو بلطيم أو حتى بورسعيد, ومنهم من صادفه الحظ السعيد حين اصطحبته أسرته الثرية ـ يا بخته ـ للاصطياف في ربوع الشام وبين سفوح جبل لبنان, كانوا يروون حكاياتهم وطرائفهم على مسامعنا وكأنهم يسردون قصصا من كوكب المريخ, حكاياتهم تدور حول طيب الهواء واعتلال النسيم ووجبات الكبة وثمار التفاح, وكنا نسمع الحكايات ونحن نستعرض مشاوير الظهيرة في لفح القاهرة المعزية, نركض كالمجانين وراء الطوق وقد امسكنا بسلك لا يودي ولا يجيب, فإن فاجأنا أثرياء التلاميذ بالسؤال المحتوم, وانتم كيف أمضيتم المسامحة وكيف كان اصطيافكم مع العائلة الكريمة هذا العام؟ هنالك يحار الافهام وتبدأ ماكينة الاختراع والتأليف والتلفيق في الدوران, وربما يكون الحظ قد أسعف البعض ـ ونحن منهم ـ حين يكتب لهم قضاء بضعة أسابيع في القرية التي سبق وهاجر منها آباؤهم ومازالت تحتفظ بما تبقى وبمن تبقى من ابناء العمومة والخؤولة وقطعة أرض وبيت ريفي يحمل اسم (الدار) نصفه الأعلى من الطوب الأخضر ونصفه ـ بنيته الأساسية بتعبير المهندسين من الطوب الناري الأحمر على سن ورمح. بعدها تنطلق شرارة الحكايات عن متعة الصيف في القرية ـ ركوب الحمير ـ ليالي الحصاد في الغيطان, قطاف العنب وأرغفة الخبر الشهي من فم التنور وتذوق الجميز وصيد السمك النيلي الطازج باستمرار وكتر الله خير القرية الطيبة, فقد أدت دورها وانقذت الموقف بحكاياتها وقد يكون نصفها حقيقة والباقي من نسج الخيال أو الباقي يصدر عن منطق التعلل بالأماني أو الحديث عما كان ينبغي ان يكون, هكذا مارسنا منذ نعومة الاظفار ما أصبحت تمارسه أجهزة الرقابة العتيدة في الوطن العربي العزيز, أساليب الحذف والاستبعاد وحجز بعض المعلومات والافراج عن البعض الآخر. استبعدنا مثلا كميات التراب وسحب الغبار التي كادت تخنق انفاسنا في القرية, دع عنك أسراب الذباب التي كادت ترسلنا إلى الجنون نهاراً, وجحافل البعوض التي عرفنا من خلال لدغاتها معنى السهاد بغير عشق.. وسهر الليالي المؤرقات تحت وطأة الوخزات والقرصات من ناموس لا يرحم بل هو يتخير ضحاياه وقد عجم اعوادهم واختبر اجسامهم وادرك البعوض اللعين ما يتدفق في شرايينهم من دماء (اثبت العلم مؤخراً ان البعوضة تمتلك هذه الادوات في مجال اختبار الضحايا فهي تنقض على اصحاب الدماء الثرية المتدفقة ولا تبدد وقتها بين صنوف الذين ليس عندهم دم). ثم يبدأ افتتاح العام الدراسي الجديد: ما زالت رائحة الطلاء تفوح في ارجاء الصفوف الدراسية وها هي الاذان الصغيرة تتعود من جديد على جرس الحصص مؤذنا بالبدء وبالختام وكم كان رائعاً ذلك العبير المنبعث من الكتب المقررة الجديدة التي كنا نترقب بشغف بالغ لحظة تسلمها من امين التوريدات الذي كان يرتدي بدلة افرنجية ويغطي رأسه بطاقية اولاد البلد وتحت الطاقية يطل قلم الكوبيا خلف اذن السيد الامين وكانت عقول الاطفال تحار في مخاطبة الرجل هل هو حمزة افندي (بحكم البدلة) او هو العم حمزة (وكان ذلك لقب الفراشين والكناسين) بحكم الطاقية الشبيكة البلدية, ام هو حضرة الباشكاتب بدلالة القلم الطويل الرفيع الذي كان ينقله من خلف الاذن الى حيث يرصع الجيب الخارجي من البدلة التي حال لونها وتهدلت اركانها ولم تكن العين الخبيرة بواقع الحال ليفوتها انها ـ البدلة ـ قد تعرضت لانواء القلب والابدال عدة مرات, وعلى يد خياط بلدي يعاني من قصر في النظر والمهارات. حسنا كم كنا نفرح بالكتب الجديدة وكانت في ايامنا مصقولة لامعة, فاخرة التجليد تحفل صورها بكل الوان الطيف, مشكلتنا مع مثل هذه الكتب كانت في بعض الموضوعات التي كان يحفل بها كتاب (المطالعة) وكان امرها صعباً علينا لا لكونها فوق قدراتنا العقلية حاشا لله فقد كنا عفاريت في القراءة بفضل ما ثقفناه منذ مطالع الطفولة من آي القرآن الكريم نطقاَ وحفظاً وترديداً وترتيلاً ولكن لانها كانت فوق قدراتنا المالية ان جاز التعبير وما ظنك بطفل يقرأ موضوعا يقول ان سعاد (فتاة الغلاف في كتاب المطالعة ان جاز التعبير) جاءت الى والدتها الرؤوم بتفاحة شهية على طبق فاخر منقوش ولكن الوالدة رفضت ان تتناولها (!) لان سعاد نسيت ان تغسل التفاحة. وها انت ترى ان مؤلفي الكتاب وبحسن نية مطلقة ارادوا ان يعلمونا اهمية غسل التفاح ولكنهم يا لسذاجتهم نسوا ان يعلمونا كيفية الحصول على التفاح اصلاً, كنا نسمع عنه وقد نراه في المجلات صوراً ملونة دون ان نعاينه حقيقة واقعة. كان مجتمعنا في مصر وقتها منقسماً الى دنيا الباشوات والبكوات وكبار الافنديات وهم باختصار اهل التفاح ثم الى عالم الناس الذين ننتمي اليهم, وتنتمي اليهم غالبية اهلنا الطيبين في بر مصر وكانوا باختصار اهل البطاطا (الحلوة) وعصير القصب والبرتقال البلدي والانواع المتواضعة من البلح او البطيخ او الشمام والحمد لله في كل حال.