كانت الموسيقى تنساب عذبة شجية من المذياع عندما قطعها صوت المذيعة لتقدم لنا المثقف (بفتح القاف المشددة) الصحي في نصائح طبية بمناسبة أسبوع مكافحة التدخين, ولبرهة ظل تعبير (المثقف الصحي) يتردد في ذهني متسائلا عما إذا كان هناك مثقف صحي وآخر هندسي وثالث زراعي حتى أدركت أنها تقصد المثقِّف (بكسر القاف المشددة) بصيغة اسم الفاعل وليس اسم المفعول, وهو من سيمدنا بشيء من الثقافة الصحية نضيفه إلى مخزون ثقافتنا, فقلت لابأس لعلها زلة لسان علينا ان نتجاوز عنها حتى لا نفسد على أنفسنا متعة الاستماع ونضيّع عليها فرصة الاستفادة من نصائح (المثقِّف الصحي) ـ على غرابة التسمية ـ علنا نفيد بما سمعنا ـ ونحن من ألد أعداء التدخين ـ بعضا من الأصحاب والأصدقاء ممن ابتلاهم الله بهذه الآفة اللعينة, ولكن صاحبنا (المثقِّف الصحي) ما ان امتطى صهوة المايكروفون حتى استل سيفه وطفق يطعن ذات اليمين وذات الشمال في جسم اللغة العربية المثخن أصلا بالجراح, فلم يرع حرمة لفاعل مرفوع ممرغا رأسه بالتراب لكثرة ما جرّه, وكأني به أراد ان يجبر بخاطر المجرور المكسور لكثرة ما رفعه, أما النصب فقد تحاشاه قدر الامكان حتى لا تلصق به تهمة الاحتيال, ومضى على هذا المنوال دقائق لم تتجاوز الخمس حسبتها دهراً لكثرة ما حطّم ودك من قواعد اللغة العربية نحواً وصرفاً, أما البلاغة فكان أبعد ما يكون عنها, ثم ختم نصائحه الطبية التي هي مدعاة للمرض أكثر منها مجلبة للصحة بقنبلة جعلتني أنفجر ضاحكاً رغم كوني وحيدا في السيارة حتى خشيت ان يظن من يراني أني قد أصبت بلوثة عقلية, فقد أنهى محدثنا كلامه قائلا بمنتهى الثقة: واعلم يا عزيزي المدخن أنك إذا تركت التدخين فإن الله سيساعدك ويُعَيِّنُكَ (بفتح العين وتشديد الياء) وهنا فقط أدركت ان صاحبنا ما زال يعمل على بند المكافأة وان ذهنه مشغول باجراءات التعيين الذي لم يأت بعد, فاستغفرت الله خشية ان يكون في كلامه شبهة شرك وطلبت له العفو أيضا تنزيها للذات الإلهية عن المعنى القريب الذي قد يتبادر للذهن نتيجة لجهل صاحبنا الذي لا يفرق بين كلمة (يُعيْنُك) (بكسر العين وتسكين الياء) المرادفة ليساعدك وكلمة يُعَيِّنُك (بفتح العين وتشديد الياء) التي دُرِج على استخدامها بمعنى يوظفك, وقلت في نفسي : افرض يا أخي ان هذا المدخن موظف فعلاً, مدير أو وكيل وزارة أو وزير أو حتى رئيس دولة لا يطمح إلى أكثر من ذلك, افرض مثلا انه تاجر أو رجل أعمال ينظر إلى الوظيفة باحتقار, فما هو الاغراء الذي تقدمه له غير التعيين؟ ولا أخفيكم انني قررت ساعتها شراء علبة سجائر والانضمام إلى زمرة المدخنين نكاية في أخينا (المثقف الصحي) وتطبيقا للمقولة الشائعة غير الصحيحة طبعا (دخّن عليها تنجلي) . تذكرت هذه الحادثة وأنا أقرأ توصيات مجمع اللغة العربية بدمشق التي تناولت وسائل تنشيط اللغة العربية وتعميقها مؤكدة على ضرورة تعزيز الفصحى في وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والحرص على السلامة اللغوية بمزيد من المتابعة والاهتمام والحيلولة دون استخدام اللهجات العامية والمحلية في اللقاءات والحوارات وتقديم البرامج والمسلسلات قدر الامكان وعقد دورات مستمرة للعاملين في الاعلام بغية تحسين الأداء في النطق والتشاور والنقاش وصولاً إلى ما هو أفضل لغويا وإعلاميا, وهي توصيات جميلة لولا أنها ستذهب مع الأسف ـ كما ذهب غيرها ـ أدراج الرياح وتحفظ في أدراج المكاتب في زمن طوفان الفضائيات العابرة للقارات التي يلحن مذيعوها في العامية ويزركشونها بالمفردات الأجنبية انجليزية وفرنسية فما أدراك ما يفعلون بالفصحى! أما التقرير الذي أعدته لجنة الثقافة والاعلام بمجلس الشعب المصري حول الاخطاء اللغوية التي يقع فيها المذيعون والمذيعات فقد أوضحت فيه ان الغالبية منهم تخطئ في الاعراب ومخارج الحروف والألفاظ, موصية بضرورة بذل الجهد لتدريبهم على قواعد اللغة لابراز البعد القومي للهوية الاعلامية. وقد أخذ وزير الاعلام المصري التقرير على محمل الجد وأصدر تعليماته بضرورة تطبيق ما جاء به ودراسة كيفية التخلص من هذه الأخطاء, كما أوصى بسرعة اخطار جميع القطاعات بهذه التعليمات ومحاسبة من يخطئ أو يتهاون, ونتمنى بعد ذلك ألا يخطئ أحد أو يتهاون ليس خوفا من محاسبة الوزير وانما بوازع من ضمير, وان كنا لم نر نتائج ذلك بعد ولا أظن اننا سنراها. وعودة إلى موضوع صاحبنا (المثقِّف الصحي) نقول ان الاذاعة والتلفزيون وسيلتان لنقل المعلومة إلى المستمع والمشاهد وتوصيلها في اطار تتساوى فيه قيمة المعلومة مع سلامة اللغة وجودة الالقاء, وليس شرطا كي تؤتي النصيحة الطبية ثمارها ان يكون من يلقيها طبيباً إذا لم يكن مالكا لناصية اللغة متمكنا من فن الالقاء, وقديما كان الشاعر يقول القصيدة ويكون هناك من هو أقدر منه على القائها, فها هو أبو الفرج الأصفهاني يورد في كتابه (الأغاني) ان جريرا الشاعر الأموي المعروف وفد على المدينة مرة فاحتفى به ادباؤها وشعراؤها وكرموه, وبينما هو ذات يوم في مجلسهم وقد ضم المجلس (أشعب) وهو من الموالي, وكان ظريفاً يحب الادباء نوادره, غير انه لم يكن من الطبقة التي يحق لها ان تحادث مثل جرير أو تتقرب إليه, ولكن أشعب حاول في هذا المجلس مرة بعد مرة أن يتقرب إلى جرير وان يوجه إليه الحديث, ولكن جريراً زجره زجراً شديداً فقال له أشعب: أنا خير لك من الكل, فإني أملح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه, قال جرير: إذا قل ويحك. فاندفع أشعب منشداً بيتين لجرير في لحن وضعه لهما (ابن سريج) وهما: يا أخت ناجية السلام عليكمو

قبل الرحيل وقبل لوم العذّل

لو كنت أعلم ان آخر عهدكم

يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

ويقول صاحب (الأغاني) ان جريراً طرب طرباً شديداً وجعل يزحف وهو جالس نحو مجلس أشعب حتى مست ركبته ركبته. وقال: صدقت لقد حسنته وأجدته وزينته, وأعطاه مالا وكسوة, ولم يكتف جرير بذلك حتى رحل إلى مكة حيث يقيم ابن سريج وسمعهما منه. ومع ان البيتين ليسا من عيون شعر جرير غير أن بهما رقة وعاطفة وقد حسنهما الالقاء وملحهما على حد تعبير أشعب حتى جرير تأثر كل هذا التأثير. وللجاحظ رأي أورده في كتابه (البيان والتبيين) يؤكد هذه الصلة الوثيقة بين الكلمة والقائها حيث يقول: (ينبغي للمتكلم ان يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات, فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما, ولكل حالة من ذلك مقاما, حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني, ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات, وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات) . أما العلماء اليابانيون فيقولون ان الاضطراب الذي يشعر به البعض أثناء مشاهدة نشرات الاخبار قد يرجع إلى المذيع أكثر منه إلى ما يتلوه من أنباء, فعين قارئ النشرة تطرف أكثر من غيره وبصورة غير منتظمة, وهو ما قد ينقل إلى المشاهد احساساً بالتوتر, ويقول الدكتور كازولتسوبوتا أخصائي الرمد الياباني وزملاؤه بكلية الطب بجامعة كييو في طوكيو ان لطرفة العين نماذج مختلفة يمكن ان تنقل عدة مشاعر. وأجرى الباحثون دراسة على 24 قارئ نشرة يابانيا وخلصوا إلى انهم يطرفون مرة كل ثانية مقارنة بطرفة عين واحدة كل أربع ثوان لمجموعة من المتطوعين. وطرفت احدى المذيعات 176 مرة في الدقيقة! وكم نتمنى لو قام بعض أطبائنا باجراء دراسة من هذا النوع على مذيعينا الذين يتحفنا بعضهم بأكثر من 176 غلطة في الدقيقة دون ان تطرف له عين مسجلا لنا أول انتصار على اليابانيين الذين لم يتركوا لغيرهم شيئا رغم ان عيون كل خمس مذيعات من مذيعاتهم تساوي عين مذيعة واحدة من مذيعاتنا ذوات العيون الساحرة التي تجعلنا نغض الطرف عن كل أخطائهن ما تقدم منها وما تأخر, ولا نملك إلا ان نطلب الرحمة لأبي الفرج الأصفهاني والجاحظ وسيبويه ومن سعى سعيهم وأجهد نفسه وأفنى شبابه فيما لا طائل من ورائه في زمننا هذا, ومنهم المذيع الأمريكي الشهير (اندريه باروش) الذي كان يقدم ثلاثة برامج في ثلاث محطات بالاضافة إلى جريدة (وارنر) السينمائية, والذي حصر الشروط التي يجب ان تتوفر لدى المذيع في الصوت الحسن والثقافة الواسعة والشخصية الجذابة والذكاء الحاد والصلات الواسعة والحظ والمعدة القوية. وحيث ان الشروط الثلاثة الأخيرة فقط ـ وفيها الكفاية ـ متوفرة في مذيعاتنا ومذيعينا ومثقِّفِينا الصحيين فهم بذلك يملكون مؤهلات تفتح لهم الأبواب كي يدخلوا أي محطة تلفزيون أو اذاعة دون خوف أو وجل أو خجل.