استوقفني رسم كاريكاتيري لزميلنا المتجدد بالافكار حيدر محمد, جعلني لا اتوقف عن الضحك, الرسم ببساطة يشير الى سيارة رفع غطاء مقدمتها, يقف صاحبها حائراً امامها وقد ارتفعت درجة حرارتها بشكل مثير خلال هذا الصيف الحار, وبجانبه يقف ميكانيكي آسيوي معلقاً.. (باباه ما في خوف اثنين حبة اسبرين وان شاء الله حرارة ينزل) . هكذا وببساطة تحل الامور عند اولئك البسطاء, الذين لا يحملون الامور اكثر مما تحتمل, ولكننا رغم ذلك نجد انفسنا محاصرين يومياً بمئات, بل آلاف النصائح والارشادات واللوائح التفسيرية, ممن؟ من انفسنا والآخرين, فنحن نستيقظ لننام, وننام لنستيقظ, وهكذا نواصل النهار بالليل وفق تعاليم ونصائح محددة. احد الاصدقاء قال: احتار دليلنا معكم ايها المحيّرون, مرة نبتسم واخرى تتخانق مليون عضلة في وجوهنا غضباً وحرقة على اخباركم, وفي كل مرة انتم من ينتصر علينا لان مفاتيح الزعل والرضا مازالت في ايديكم, تتحكمون بها عن بعد.. ويواصل الصديق صيحته: لقد جننونا علماء الجينات, فأحيانا نقرأ بأن فريقاً من الباحثين اكتشف الجين المسؤول عن تكوين البروتين الذي يؤدي الى وجود اضطراب في الكولسترول, ومرة ثانية نقرأ ان التوصل الى معرفة السبب الحقيقي وراء زيادة نسبة الكولسترول واضطرابه مجهولة, وهكذا.. لقد اصبحنا نطارد اخبار الجينات, فمن الجين المسؤول عن الادراك والفهم والابداع الى الجين المسؤول عن التشتت والنسيان والضياع, مروراً بالجين المسؤول عن اسرار الشباب والشيخوخة, هكذا نجد انفسنا بين جين وآخر وبين مورث ومورث. الاسبوع الماضي اشارت تقارير علمية حديثة إلى ان الكسل قد يعود في منشئه واساسه الى وجود مورثات محددة, وبذلك سيحلو لاولئك الكسالى من البشر التمسك بتلك الذريعة التي يقدمها العلم على طبق من ذهب.. فقد ذكر علماء في جامعة جلاسكو الاسكتلندية انهم يعتقدون بوجود مورثات للكسل وذلك بعد دراسات اجريت في اسكتلندا وامريكا وكندا عن ذبابة الفاكهة, ولا ندري هل تمتد مثل تلك الابحاث الاسكتلندية لاكتشاف مورثة البخل, تلك الصفة التي طالت الاسكتلنديين وجعلت منهم مادة للتندر. وحتى لا نذهب عن المحطة الاسكتلندية ولغة التندر والبخل, ألتقط بعض الطرائف الاسكتلندية ومن ثم اكمل. تراهن اسكتلنديان على ان من يمكث اكثر من الآخر تحت الماء يكسب جنيهاً, وكان رهاناً سخيفاً لان ارملتيهما تقاسمتا الجنيه! ولأن البخل الاسكتلندي موروث ـ وهذا امر على الباحثين تأكيده ـ فقد دار هذا الحوار بين اسكتلنديين. الأول: سلفني جنيهاً.. الثاني: آسف, فأنا لا أحمل معي نقوداً. الأول: وفي المنزل؟ الثاني: كلهم بصحة جيدة ويسلمون عليك! عموماً يظل الاسكتلندي محاصراً بمثل هذه النوادر مهما حاول ان يغير من سلوكه, فقد وقف اسكتلنديان على ظهر المركب الذي يغرق وسط المحيط واحدهما يبكي بحرقة, فقال له الآخر: ـ علام هذا البكاء والمركب ليس لك! يبدو انني تعلقت بنوادر الاسكتلنديين وتركت الكسالى جانباً رغم ان العلماء اكتشفوا ان الكسل يعود في منشئه لمورث محدد, ولان الكسل والكسالى يفرضون حضورهم على هذه المساحة, تعلق في الذاكرة طرفة حول احد الكسالى, فقد اشتهر احد العمال بكسله الزائد عن الحد, وذات مرة طلب منه رئيسه ان يغير احدى اللمبات المحروقة باخرى جديدة, فتعلل بعدم وجود سلم, فقال له رئيسه: سأرفعك على كتفي لتغير اللمبة.. وفعلاً حمل الرئيس العامل على كتفيه ومرت ثلاث دقائق ثم اربع فخمس, فتطلع الرئيس الى العامل الكسول قائلاً: وآخرتها.. ماذا تنتظر؟ اجاب العامل الكسول بعدم مبالاة: انني ممسك باللمبة في انتظار ان تلف بي وتدور! حتى هذه اللحظة لا نعرف ماذا حدث للعامل الكسول لكن الذي نعرفه جيداً ان العلماء والاطباء في تناقض, فاليوم يصبح الشاي بأمرهم مفيداً وغداً ضاراً وهكذا بالنسبة للامور الاخرى, وهذا الأمر وتلك التناقضات اصبحت تمثل احراجاً للجسد الصحي, فهذا الدكتور بيتر مارش من مركز الابحاث الاجتماعية بجامعة اكسفورد يشير الى ان هذا الترويع ضار بالاطباء, فلم يعد الناس يثقون بشيء, وايماننا بالعلم يتدنى باضطراد, فوق هذا كله لم يمر وقت طويل على اعلان علماء ان القهوة لعنة, وكريمات الوقاية من الشمس نعمة, والتمرينات الرياضية مفتاح الصحة والسعادة, لتظهر بعدها آراء معاكسة.. اختم من حيث بدأت, اذ يبدو انه علينا التشبث بالاسبرين كما فعل الميكانيكي الآسيوي الذي ايقن انه دواء ناجع حتى لخفض درجة حرارة السيارة في صيف حارق!